ركود اقتصادي، تخبّط سياسي، هلع اجتماعي واستنفار صحي، كلّ هذا نتيجة فيروس لم يتوقّع أكثر المتشائمين أن يصل إلى هذه الدرجة من الخطورة، ولا أن يمتدّ وباله إلى هذه الرّقعة الواسعة من المعمورة. «كورونا المستجد» الّذي ما لبث أن تحوّل سريعًا من تفشّ فيروسيّ محدود في الصّين، إلى وباء انتقل سريعًا وسط الأفراد والجماعات والدّول، إلى شبه جائحة إن لم تكن جائحة عالمية بالفعل لم تبق ولم تذر من البشر؛ وفي هذا الشّأن يشدّد علماء الأوبئة أنّه ما لم تتوافر إرادة سياسيّة قويّة من الحكومات والدّول للتصدّي بحزم وبسرعة لوباء «كورونا» من خلال إجراءات وقائية، احترازية وردعيّة، قد يحصد هذا الفيروس من 30 إلى 70 بالمائة من سكان العالم وفقًا «لوكالة بلومبيرغ الإخباريّة».

هناك شبه إجماع إن لم يكن إجماعًا بالفعل بين الأطباء والعلماء أنّ سوق «ووهان» للحيوانات البريّة هو المعقل الرّئيس لوباء «كورونا»، هذا السّوق الّذي تباع فيه شتّى أصناف الحيوانات والّتي لا تخطر على بال بشر، كان كفيلا بإطلاق فيروس هو الأخطر من حيث سرعة انتشاره حول العالم وشدّة عدواه بين البشر، ربّما منذ تفشّي «الإنفلونزا الإسبانية» مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، هذه الأخيرة حصدت مابين 50 إلى 60 مليون شخص.. أي ربع بشرية تلك الحقبة.

يعزو كثير من المتابعين والمختصّين السّبب الرّئيس في امتداد «كوفيد 19» جغرافيّا وحدّة انتشاره بشريّا إلى الاستهانة بتحذيرات القائمين على قطاع الصحّة عموما والمختصّين في علم الأوبئة والأمراض المتنقلة عن طريق العدوى خصوصا، هذا من جهة ، أمّا من جهة أخرى؛ عدم التسريع في فرض إجراءات وقائية وصحيّة صارمة تعتمد أساسًا على الحجر الصحي الجزئي والعام وعزل المدن والمحافظات وفرض حظر التجوال إن اقتضى الأمر بغية كبح جماح هذا الوباء والّذي صار يشكّل تهديدًا حقيقيّا لمنظومات صحيّة لدول بعينها بالانهيار «إسبانيا»، أو ربّما انهارت فعلًا كما هو الحال مع «إيطاليا».

ممّا لا شكّ فيه أنّ «كورونا المستجدّ» صار كابوسًا مخيفًا يقضّ مضجع العالم، وانحساره منوط بمدى صرامة واستمرارية الإجراءات المتّخذة من طرف صنّاع القرار بغية احتواء هذا الوباء والّذي قد لا يختفي سريعًا كما توقّع البعض في بداية هذه الأزمة الصّحية، فضلا عن أنّه لا يلوح في الأفق بصيص أمل قريب ينبأ بعلاج هذا الوباء الّذي يجهل علماء الأوبئة لحدّ السّاعة أسبابه الحقيقيّة.

من الحقائق المطلقة الّتي يدركها علماء الأوبئة تمام الإدراك، أنّ انحراف السلوكات البشريّة والابتعاد عن مسالك الفطرة الإنسانية كفيل بأن ينتج أعداءً فيروسيّة مجهولة المصدر ما تلبث أن تتحوّل إلى أوبئة فتّاكة معلومة الأثر. ولا ريب أنّ التّاريخ حافل بهذه المشاهد المخيفة ومليء بمثل هذه التجارب المرعبة.

في مقابلة مع مجلّة «نيويوركر» العالمية، قال أستاذ تاريخ الطّب بجامعة «ييل» الأمريكيّة «فرانك سنودن» بأنّه: «لا يوجد مجال أن لا تتأثّر الحياة البشريّة بالأمراض الوبائيّة بشكل كبير».. وأضاف: «الأوبئة لها آثار هائلة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، تفوق نتائج الحروب، ومن المحتمل أيضا أن تكون جزءًا من بداية حروب في بعض الأحيان.». وأشار إلى أنّ تاريخ البشريّة مع الأوبئة مروّع، وأنّها تسبّبت في انهيار مجتمعات ودول… في هذا الشّأن يسوق لنا الدكتور «سنودن» وباء الطّاعون الّذي اجتاح الإمبراطوريّة الرّومانيّة في القرن السّادس الميلادي والّذي تسبّب في وفاة 30 إلى 50 مليون شخص، وهو ما قد يعادل نصف سكّان العالم في ذلك الوقت، وقد كانت موجات الأوبئة التي ضربت هذه الإمبراطورية أحد أسباب زوالها.

كثيرون يتساءلون عمّا إذا كانت نهاية أزمة «كورونا المستجدّ» وشيكة، وضائعون بخصوص تداول أسماء عقارات يُروّج على أنّها فعّالة ضدّ هذا الفيروس، عدا الأخبار والشّائعات الّتي تصلنا من هنا أو هناك عن توصّل محتمل للقاح يقضي على هذه الأزمة الوبائية.

في حقيقة الأمر، المتفحّص لتاريخ انتشار الأوبئة وزوالها سيدرك لا محالة أنّها كما ظهرت وامتدّت بالتدرّج، فإنّ انحسارها واختفاءها كذلك يتمّ على مراحل، وهذا ما يؤكّد عليه كبير خبراء الأوبئة والأمراض المعدية بالبيت الأبيض « الدكتور أنتوني فوسيد» وذلك في مداخلته على شاشة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية حيث أكّد أنّ فيروس كورونا لم يصل إلى الذّروة بعد؛ أي أنّ الوباء لم يصل إلى المرحلة الأسوأ بعد…يتابع «الدكتور فوتشي»: «أنّه من أجل دفع الفيروس نحو الانحسار ، يستلزم توافر بيانات كلّ الحالات المؤكّدة من المصابين والتّقليل قدر الإمكان من حالات العدوى من خلال الحجر الذّاتي، الحجر الصحّي الجزئي والعّام بحسب ما تراه السّلطات الصحيّة مناسبًا».

أمّا بخصوص بعض العقارات الّتي يروّج على أنّها مضادّ «لكورونا المستجد» وتحديدًا عقار «الكلوروكين» الذي توصّل إليه العالم الفرنسي «ديديه راوول» والمنتج والمصنّع من الشركة الفرنسية الدوائيّة الرّائدة عالميّا «سانوفيه»، يجيب « الدكتور فوتشي»: «أنّ هذا العقار لم تثبت فعاليّته العلميّة بعد ضدّ هذا الفيروس، وأنّ أعراضه الجانبيّة قد تكون وخيمة خاصّة على ذوي الأمراض المزمنة»، وهذا ما يثبت لحدّ السّاعة عدم اعتماد السّلطات الصحيّة الفرنسية لهذا العقار وتفضيلها التريّث من أجل إجراء مزيد من الاختبارات من طرف فريق علميّ موسّع. للتنويه؛ تمّ اعتماد بروتوكول الكلوروكين في بعض الدّول أبرزها «الولايات المتّحدة» لعلاج حالات معيّنة من المصابين بكورونا ولكن يكون ذلك متاحًا فقط إلاّ في المستشفيات ووفق ضوابط طبيّة صارمة.

مؤخّرًا شهدنا ضجّة إعلاميّة كبيرة بخصوص قرب التوصّل إلى إنتاج لقاح ضدّ «فيروس كورونا»، فضلا عمّا قيل عن المنافسة الشرسة الأميريكية الفرنسية الألمانية بغية إنتاج أولى جرعات اللّقاح في وقت قياسي. لكنّ العارف بأغوار المختبرات العلميّة والدّوائيّة يدرك جيّدا أنّه من شبه المستحيل أن يحدث ذلك؛ ببساطة لأنّ إنتاج اللّقاحات سلسلة طويلة، شاقّة ومعقّدة تحتاج تضافر جهود كلّ المؤسّسات الصحيّة في البلد، العامّة والخاصّة، وفي هذا الصّدد، يتوقّع خبراء تصنيع اللّقاحات أنّ لقاح «كورونا المستجد» لن يكون جاهزًا قبل منتصف العام المقبل على أقلّ تقدير، عدا ترتيب سلّم الأولويّات بحكم أنّ أولى الجرعات من اللّقاح ستكون محدودة.

بكلّ تأكيد، عالم ما بعد انتهاء العدو الخفيّ لن يكون عالم ما قبله، والوقع الّذي ستخلّفه هذه الأزمة الصحيّة «بلا استثناء» كارثيّ لا محالة، إن كان ذلك على الصعيد «السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي»، وهذا ما يستدعي بالضّرورة من الأمم النّاضجة والمجتمعات المتحضّرة أن تحوّر الأفكار وتعيد ترتيب الأولويّات، وأن تغيّر كثيرا من سلوكاتها المنحرفة وأفعالها الشّاذة الّتي لا توافق بتاتًا الفطرة البشرية السّليمة، والذي أثبت التاريخ أنها كانت سببًا رئيسًا لزوال أمم ودول وحتى حضارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخفي, العدو, عالم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد