أشرنا في المقال السابق إلى حيثيات تأسيس الصندوق، وكيف ولد من رحم الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على سياسات الدول التي لا تخضع للعم سام، وكيف تمكن من فرض أجندات الرأسمالية المتوحشة، لذلك سنعرض في هذا الجزء الثاني قسمًا من سياسات صندوق النقد الدولي في بعض البلدان، ومنها جنوب أفريقيا.

خضعت جنوب أفريقيا للاحتلال البريطاني إلى حدود استقلالها سنة 1911، لكنها عانت من نظام الفصل العنصري – الأبارتايد – والذي استمر من 1948 إلى حدود 1994، وأدى الدعم البريطاني للحزب الوطني الذي كان يجاهر بعنصريته ضد سكان البلاد السود إلى الوصول إلى السلطة، فتعاظمت الإجراءات العنصرية ضد ذوي البشرة السوداء ومنها: قانون منع الزواج بين الأعراق سنة 1949، والسكن المنفصل الذي قسم جنوب أفريقيا إلى أحياء متفرقة، حيث تم إبعاد السود إلى مدن الصفيح بعيدًا عن أحياء البيض الراقية، كان الهدف الأساس من هذا النظام العنصري إبعاد السود عن الحياة العامة أو استعمالهم كأدوات رخيصة في أدنى الحالات كيد عاملة، باعتبارهم جنسًا بشريًا من الدرجة الأخيرة، لكن السود لم يسكتوا على هذا النظام، بل أعلنوا الإضرابات والعصيان المدني بقيادة حزب المؤتمر الوطني منذ 1955، بل هناك من حمل السلاح العسكري الذي رفضه مانديلا الزعيم التاريخي لجنوب أفريقيا، والذي بسبب هذا النظام قضى زهرة شبابه في ظلمات السجن، وبعد تعاظم الضغوطات الدولية والعقوبات الاقتصادية ضد حكومة التمييز العنصري في بريتوريا تم إلغاء الأبارتايد تدريجيًا منذ ثمانينات القرن الماضي، وتم تنظيم أول انتخابات حقيقية شاركت فيها كل الأعراق في جنوب أفريقيا أوصلت نيلسون مانديلا إلى الحكم سنة 1994.

ساهم النظام العنصري في إفقار الغالبية السوداء للبلاد وإغناء قلة قليلة من السكان البيض، ففي السبعينات من القرن العشرين زادت حدة الاحتجاجات في جنوب أفريقيا بسبب تردي أوضاع السود الاقتصادية والاجتماعية، فتدخل صندوق النقد الدولي ومنح لحكومة الميز العنصري أكثر من ملياري دولار امريكي، لكن القرض لم يخفف من الضغوط المتزايدة ضد هذا النظام المنبوذ، وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف أن نظام بريتوريا آيل للسقوط مع توالي السنوات، وكره المجتمع الدولي له، فإنها لجأت إلى تعليق المساعدات الأمريكية لبريتوريا في ثمانينات القرن العشرين ولجأت إلى عقد مباحثات مع قيادات البلاد المتوقع وصولها إلى الحكم، ومنها قيادات المؤتمر الوطني وزعيمه التاريخي مانديلا ورؤساء النقابات العمالية، وتم عقد أهم لقاء سري في سجن مانديلا بين هذا الأخير ورئيس الدولة بيتر بوتا petter botha ونيل بيرنارد رئيس جهاز الاستخبارات، وفحوى الاجتماع تعهد مانديلا بالتخلي عن الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني، وبالتأميم الجزئي لجميع ممتلكات الدولة الحيوية وتوجيه الاقتصاد، والاعتراف بشرعية الديون الأجنبية للنظام السابق، في المقابل تتعهد الحكومة العنصرية بالإفراج عن مانديلا وإلغاء الحظر على حزبه.

لقد كان النظام العنصري وشيك السقوط بدون مانديلا.. ولكن رغم ذلك قبل بشروط بوتا BOTHA وهكذا تم الإفراج عنه في سنة 1990، بعد ذلك شهدت جنوب أفريقيا تطورًا اجتماعيًا مذهلًا بفضل تزايد الكره للنظام السابق، ومطالبة العديد من الجماهير الواسعة طرد الفئات المستغلة من البيض، وتزايد الحقد تجاه المؤسسات الامبريالية والشركات المنبوذة، لقد ساهم مانديلا في عدم طرد المستثمرين الأجانب والحفاظ على مصالح البوررجوازية البيضاء حليفة الدوائر الرأسمالية العالمية، فشنت وسائل الإعلام الدولية حملة كبيرة للاعتراف بأدوار مانديلا التاريخية في نبذ العنصرية في بلاده نظير مساهمته في عدم المساس بمصالح الدوائر الرأسمالية العالمية، ومنها صندوق النقد الدولي، فكانت جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها سنة 1993.

كانت أكبر خطايا حزب المؤتمر الوطني وزعيمه مانديلا القبول بوضع يده مع الحزب الوطني العنصري الذي مارس طيلة عقود أبشع صور الاضطهاد والاستبداد بحق السود، وتسلموا قرضًا من صندوق النقد الدولي يبلغ قيمته 850 مليون دولار للتخفيف من آثار الجفاف كما عبر عن ذلك مدير الصندوق،

ورغم أن البلاد كانت قد تجازوت آثار الجفاف، لكن القرض حسب إحدى المجلات (Business day) كان بشروط، وهي تقليص أجور الموظفين، وإلغاء الضرائب الجمركية، وتولية اثنين من كبار خدام نظام الميز العنصري في وزارة المالية ومنصب محافظ البنك المركزي.

نفذ حزب مانديلا الحاكم شروط الصندوق سرًا، وساهمت إجراءات مانديلا وتساهله مع رموز النظام البائد في طمأنة دوائر القرار العالمية بسياسات الاقتصاد الليبرالية التي نهجتها جنوب أفريقيا، ونسي تعهداته لفئات واسعة من الشعب، خاصة السود منهم؛ مما أدى تدهور أوضاع البلاد وارتفاع نسب البطالة التي وصلت إلى 47% ما بين 1994 و2004، ووصل عدد الذين يسكنون جحور بائسة سنة 2011 إلى مليونين، فبينما حققت عدة شركات ومصارف أرباحًا خياليه كانت البلاد تعاني من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب والتزود بشبكة الكهرباء، أما صحيًا فبعد خصخصة المستشفيات الصحية انتشرت الكثير من الأمراض مثل الملاريا، السل، والإيدز، وكان أفظع ما نشرته منظمة الصحة العالمية تراجع مؤشر أمد الحياة بمقدار 13 عامًا من 65 إلى 53 سنة بشكل حاد في سنوات حكم حزب المؤتمر الوطني.

أدت سياسات صندوق النقد الدولي إلى اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، حيث أصبح 10% من السكان فقط هم من يستحوذون على خيرات البلاد وينعمون بحياة الترف، أو كما قالت أول امرأة تترأس الصندوق كريستين لاغارد: إن مانديلا عمل كل ما وسعه لجعل جنوب أفريقيا مقامًا أفضل. فكان هذا المقام الأفضل بطبيعة الحال للقلة الغنية التي كانت ولا زالت تهيمن على ثروات البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

خواطر صباحية.. الطفرة الصينية
شارك 1
منذ أسبوع
العالم والاقتصاد
الآثار الاقتصادية لعملة «بيتكوين»
شارك 72
منذ شهرين
العالم والاقتصاد
أزمة «هواوي» وطبيعة النظام الرأسمالي
شارك 27
العالم والاقتصاد
منذ شهرين
يا ليت لنا مثل «لي كوان يو» ج(3)
العالم والاقتصاد
منذ 3 شهور
يا ليت لنا مثل «لي كوان يو» ج(2)
العالم والاقتصاد
منذ 3 شهور