يعتبر صندوق النقد الدولي قوة اقتصادية كبيرة ومؤثرة في الساحة الدولية، يمارس سلطاته على الكيانات والدول بعيدًا عن أنظار العامة، ولعل العديدين يجهلون تاريخ وحيثيات تأسيسه والصفقات التي أجراها والدول التي فقرها، لذلك سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على تلك الجوانب الخفية من هذه المؤسسة المالية العملاقة.

أثناء الحرب العالمية الثانية استضافت الولايات المتحدة الأمريكية في 14 يوليو (تموز) 1944 في مدينة بروتون وودز الأمريكية وفود 44 دولة أجنبية لصياغة أسس نظام اقتصادي دولي ومنه تعويض الجنيه الإسترليني بالدولار الأمريكي كعملة مسيطرة في التداول العالمي، والقدرة على التحكم في التدفقات المالية العالمية، كما كان الهدف إزاحة مركز لندن المالي وتعويضه بالوول ستريت الأمريكي، وربط الدولار بسعر الذهب، كانت الادراة الأمريكية تود التحكم في سياسات الدول المالية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لذلك وضعت شروطا لصالحها للانضمام إلى عضوية الصندوق، منها أن تضع الدول الراغبة في الانضمام حساباتها المالية، وأن تودع لدى الصندوق كمية من الذهب انطلاقًا من قدراتها الاقتصادية ومبلغًا من المال، في المقابل يتعهد الصندوق بمساعدة أي دولة تقع في أزمة مالية بمقدار ودائعها لدى الصندوق. (1)

بدأ الصندوق عمله بـ8.8 مليار دولار وهي حصة مساهمة الدول الأعضاء، حيث مثل الذهب 25% بينما الودائع المالية للدول وصلت إلى 75%، وكان أكبر المساهمين فيه الولايات المتحدة التي فاقت ودائعها لدى الصندوق ودائع بريطانيا مرتين، وبالتالي ضمنت الولايات المتحدة لنفسها قوة تصويتية كبيرة (الفيتو).

ولتمويه الجماهير الواسعة حول أهداف المؤسسة الحقيقية باعتبارها قوة إمبريالية جديدة بيد الولايات المتحدة لتركيع الدول المضادة لسياساتها -فهي التي رسمت خطوطها العريضة بما يتماشى ومصالحها الخاصة- صاغت أهداف براقة لتجميل المؤسسة مثل: تشحيع التعاون بين الدول في السياسات النقدية، والعمل على تحقيق استقرار في أسعار الصرف، ولتمويه أكثر للمتتبعين ركزوا في اختيارهم لقيادة الصندوق على شخصيات غير أمريكية، كان أولها البلجيكي كميل كوت كأول رئيس لصندوق النقد الدولي، والذي كان يشغل وزير مالية بلاده آنذاك (2).

استدانت من صندوق النقد الدولي 11 دولة وذلك مابين 1947-1948، وبعد استقلال العديد من الدول في أفريقيا وآسيا من الاستعمار مع نهاية الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن والعشرين وجدت العديد من البلدان نفسها تعاني من فقر مدقع بسبب استنزاف واستغلال لثرواتها القومية الباطنية والسطحية من قبل الإمبريالية الفرنسية والبريطانية بالخصوص، ولتمويل إعادة بناء أوطانها الوطنية خاصة مشاريع البنى التحتية لجأت إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي في مخاطرة غير محسوبة العواقب، وهي الفرصة التي كان ينتظرها الصندوق لتوجيه سياساته النقدية وبسط سيادته الدولية على الدول.

التجربة التشيلية والعلاج بالصدمة

في تشيلي أطاح الانقلاب العسكري بالرئيس سيلفادور أليندي ذي التوجهات الاشتراكية ووصل إلى السلطة الديكتاتور بينوشيه بمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية تحت قيادة الثعلب هينري كيسنجر، لكن بينوشيه واجه عدة مشكلات اقتصادية، فبعد إلغاء سياسة التأميم التي نهجها أليندي وهمت القطاعات الحيوية، واجه الديكتاتور مشكلة كبيرة وهي التضخم (يرادف التضخم في اللغة الانجليزية INFLATION ويستخدم للإشارة إلى الحالة الاقتصادية والتي تتأثر بارتفاع أسعار السلع والخدمات، مع حدوث انخفاض في القدرة الشرائية المرتبطة بسعر صرف العملة والتي تؤثر في قطاع الأعمال وخصوصًا الشركات الصناعية والخدماتية) (3)، لذلك اتصل بصبيان شيكاغو وهم الذين درسوا الاقتصاد على يد ميلتون فريدمان الاقتصادي الأمريكي المعروف آنذاك.

وساندهم صندوق النقد الدولي، حيث صاغ صبية شيغاغو مجموعة من الخطط الاقتصادية ركزت على خفض الاتفاق الحكومي وخصخصة التعليم و الصحة، وتسريح أكبر عدد من الموظفين الحكوميين، وسموا العملية العلاج بالصدمة في حين تكفل بينوشيه بقمع كل السياسيين المعارضين لتوجهاته الليبرالية المتوحشة.

في المقابل عمل صندوق النقد الدولي على منح التشيلي قروضًا تضاعفت خمس مرات خلال سنتين بعد الانقلاب فكانت النتيجة ارتفاعًا كبيرًا في معدلات البطالة، التي انتقلت من 3% سنة 1973 إلى 18.7% سنة 1975، وفي عام 1989، وصلت ثروة 10% من السكان إلى 46.8% من الدخل القومي.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

العبرية بين اللغة والشتات
شارك 189
منذ 3 أسابيع
أبحاث ودراسات
انتبه لما يقوله لك الغاضب!
شارك 68
منذ 3 أسابيع
علوم
s