«إن العالم مسرح يا جرتشيانوا ولكل امرئ دور على خشبته، ولكن دوري يا جرتشيانوا دور حزين». مسرحية تاجر البندقية – وليام شكسبير 

(1)

ظواهر الأمور في القمة العربية

 انتهت القمة العربية العادية الثامنة والعشرون لمجلس جامعة الدول العربية، على مستوى القمة في منطقة البحر الميت بالأردن، بمشاركة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية! في عمان بالبحر الميت. لا جديد في شأن القمم العربية، فالظاهر من الصور والأحداث التي رآها المتابعون على امتداد العالم العربي.

من استقبال العاهل الأردني في مطار الملكة علياء الزعماء والرؤساء العرب، بعد استعراض عسكري حافل حضره مع الملك «سلمان بن عبد العزيز» في ساحة الراية. استقبال مهيب تم للملك سلمان في ساحة الراية، والذي شهد مبالغة كبيرة بالترتيبات واستعراض عسكري وموسيقى وقصائد شعر، كما تم تقليده وسام الحسين بن علي، وهو أرفع وسام مدني في المملكة الأردنية الهاشمية، ويمنح للملوك والأمراء ورؤساء الدول. موكب الملك «سلمان» وعاهل الأردن الملك «عبد الله الثاني» أحاط به الفرسان كما أطلقت المدفعية 42 طلقة ترحيبًا بالأول.

احتفاء الأردن بالملك السعودي بدا كبيرًا وأكثر من أي وقت مضى. والسبب توقيع السعودية مع الأردن اتفاقيات بمليار دينار، والتي وعد فيها الأردن من مستثمري السعودية.

بالإضافة إلى سقوط عدد من القادة العرب مثل الأمير «محمد بن راشد» من على سلم الطائرة، والرئيس اللبناني «ميشيل عون» من على منصة التصوير.

وكذلك إرسال رئيسي الجمهورية اللبنانيين السابقين «أمين الجميِّل» و«ميشال سليمان»، ورؤساء الحكومة الأسبقين «فؤاد السنيورة» و«نجيب
ميقاتي» و«تمام سلام» رسالة مكتوبة، قاموا بتوجيهها لرئيس القمة العربية، يؤكدون فيها «احترام لبنان الإجماع العربي الصادر عن مؤتمرات القمة العربية»، وعدم موافقةَ «لبنان على تدخل حزب الله في سوريا أو في العراق واليمن». وذكر الرؤساء السابقون بـ«بيان بعبدا» الذي يتحدث عن سياسة نأي لبنان بنفسه عن سياسة المحاور المتصارعة في العالم العربي.

وكذلك «نوم» عدد من القيادات العربية! أثناء إلقاء عدد من القادة لكلماتهم مثل أمير الكويت والرئيس الفلسطيني، والرئيس اليمنى والرئيس الجيبوتي.

نتيجة بحث الصور عن صور لنوم أمير الكويت والرئيس الفلسطينى في القمة العربية بعمان

بالإضافة إلى ذلك، مغادرة رئيس الوزراء اللبناني «سعد الحريري» على طائرة الملك «سلمان بن عبد العزيز» في مؤشر على عودة الدفء إلى العلاقات بين الرياض والحريري. وهذه أول زيارة رسمية معلنة لنجل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الذي اغتيل في تفجير في بيروت عام 2005 منذ نيسان/ أبريل 2015 حين كانت شركته «سعودي- أوجيه» تواجه مصاعب مالية كبيرة في المملكة، وتركه «أي الحريري» رئيسه ميشيل عون رغم تأذي الأخير إثر سقطة في القمة، وهو الأمر الذي اعتبر مؤشرًا على الانقسام اللبناني «اللامتناهي». وأخيرًا بقاء خلو مقعد سوريا في القمة.

(2)

خفايا الأمور في القمة العربية

إن المعلوم في شيء قد يكون دليلنا إلى المجهول فيه.

الملاحظة الأولى: مشاكل القمم العربية؟

لعل أهم المشاكل الجوهرية للقمم العربية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1. أن أصحاب القمم يذهبون إليها في العادة مترددين؛ فهم هناك مدعوون إلى اتخاذ قرارات، وهم إزاء القرار أنواع، ففريق منهم لا يستطيع، وفريق منهم لا يريد، وهناك فريق يستطيع ويريد ولكنه يفضل ألا يربط نفسه بآخرين يعطلون سيره إلى نية نواها أو قصد قصده.

2. أن القمم في العادة تلفت الانتباه، وتثير توقعات لا تسمح بها الظروف في رأي المدعوين إليها، وهي إذن تضع مسئوليات تحاسب عليها القمم دون أن يكون لها رأي في تشكيلها.

3. أن القمم العربية تحاول تعويض نقص الفعل بزيادة الكلام، ومن ثم فإن المناقشات والقرارات تتحول إلى مباريات في البلاغة، أو في إعادة تأويل التاريخ.

4. أن كل قمة لا بد لها أن تنجح، ونجاحها مرهون بالإجماع بحيث تبدو إرادة الفعل واحدة، موجودة وقائمة، وذلك من شأنه أن يحول الإجماع في النهاية إلى عبارات تعني كل شيء، ولا تعني أي شيء في الوقت نفسه.

5. أن أصحاب القمة العربية طبائع مختلفة فهناك منهم الصامتون، وهناك منهم المتكلمون، والصمت والكلام في حاجة إلى ترجمة، وأحيانـًا في حاجة إلى خبراء في فك الشفرة والرموز، فلا الصمت دليل إحجام، ولا الكلام دليل إقدام.

6. أن القمم على نحو ما تعكس ما حولها، ذلك أنه يستحيل أن ترتفع قمة على غير قاعدة، كما أنه من الطبيعي أن الموج المتلاطم عند القواعد يصل برذاذه إلى ما فوقها، ومن ثم فإن القمم أيضًا فيها أغنياء وفقراء، وتقدميون ومحافظون على الأقل في ظن كل واحد منهم. ثم أن لها حساسيات من الحاضر أو من التاريخ، ولها عقد موروثة أو مكتسبة لها حساسيتها.

7. أن أصحاب القمم يعرفون عن بعضهم أكثر مما هو لازم، فالتقارير والروايات والقصص متواترة في أجواء القصور ملكية كانت أو جمهورية، ومن ثم فاللقاءات مهما بدت حارة أمام الآخرين مطوية على كثير لا يظهر للعيان، وليس هناك من يريد أن يذهب إلى قمة ليفجر فيها لغمًا، أو لينفجر فيه هو لغم.

8. أن القمم العربية لأنها عربية وليس لأنها قمم لا بد لها من مراسم واحتفالات وطقوس، حتى وإن كان اللقاء يومًا أو يومين. (1)

 الملاحظة الثانية: موقع القمة ورئاستها.. من هي الأردن؟

إن حكم الجغرافيا على مكان انعقاد القمة يُظهر الكثير من المخفي؛ فالقمة انعقدت في «الأردن» والأردن دولة اصطُنعت بقرار سياسي خلافًا لما هو طبيعي في نشأة الدول، وكان إنشاؤها بتوجيه من «ونستون تشرشل» وزير المستعمرات البريطاني أثناء مؤتمر عُقد في القاهرة برئاسته في فندق سيمراميس وعلى جدول أعماله مستقبل الممتلكات البريطانية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، وما وقع خلالها وبعدها من أحداث من أهمها معاهدة «سايس بيكو» التي قسمت إرث الخلافة العثمانية أنصبة بالاتفاق بين بريطانيا وفرنسا، ومن ثم رسمت للمنطقة خريطة جديدة.

إن المنطقة التي اقتُطعت لإمارة الأردن فقيرة، وتكاد تكون بلا موارد. ثم أنها في حالة شبه حصار حيث حشروها حشر، وهذا يجعلها دائمًا في حاجة دائمة إلى مساعدة أجنبية أو عربية.

إن موقع الأردن محشور بين المملكة العربية السعودية وبين سوريا ومصر، وفي الوقت نفسه محشور بين العراق والدولة اليهودية «إسرائيل»، وهكذا فإن حكم الجغرافيا وضع عرش الأردن ومن يجلس عليه «الملك عبد الله الجد، الملك حسين» واليوم الملك «عبد الله الابن» وسط دوامة السياسة، وتقاطع النيران، وضباب الحرب وبرقها ورعدها، وفي قلب الحدود والتخوم بين مصر والعراق وبين سوريا والسعودية وبين العرب واليهود، وبين فلسطين وإسرائيل، وبين بريطانيا وأمريكا.

وباختصار فإن موقع الأردن الذي كان بالجغرافيا الطبيعية بقعة ساكنة على الخريطة قد أصبح بالجغرافيا السياسية فوهة بركانية متفجرة أو مستعدة للتفجير عند أي حركة محسوبة أو غير محسوبة.

إن الملك «عبد الله الجد» أعطى حفيده الملك «حسين» نصائح قبل أن يفارق الحياة على يد أحد رعاياه من الفلسطينيين وكانت ملخص تلك النصائح:

أن يوفر لنفسه من الحذر ما يجعله ولو بالغريزة قبل الحكمة يرسم لنفسه سياسات تضمن كل متطلبات السلامة والنجاة، وكذلك تحددت خطوط سياسته:

1. عليه أن يتمسك بعلاقته بالقوة العظمى المهيمنة على بلاده وفي المنطقة «بريطانيا وبعدها أمريكا».

وتدليلًا على ذلك فإن الملك «حسين» في هذه النقطة تحديدًا مضى يدوس على الخيط الأخلاقي بشدة، وكان ما كشفه الصحفي الأمريكي الأشهر «بوب ود ورد» و كذلك في مذكرات بن برادلي «حياة جيدة»:

من أن الملك حسين كان يتقاضى مرتبًا سنويًّا قدره مليون دولار من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بدأ في تقاضيها منذ عام 1957، واعترفت الإدارة الأمريكية في عهد كارتر بالأمر. (2)

2. ومع أنه عرف أن جده حين قُتل كان يتفاوض على صلح منفرد مع إسرائيل، فإن الظروف تفرض عليه أن يتمهل ولا يتوقف تمامًا مع إسرائيل! وأن ينتظر الظروف، وفي الوقت نفسه لا يتخطى الحدود ولا حتى بالهمس أو اللمس، وتلك طبيعة الهاشميين على طول التاريخ، فهم يستخدمون سياسة «التلميح دون التصريح» والعمل في «السر والخفاء بعيدًا عن الإعلان والإفصاح».

وهنا يستحق التسجيل تدليلًا على تلك النقطة ما قاله «إيتان هاربر»، وكان مدير مكتب رئيس الوزراء الأسبق «إسحاق رابين» سُئل في برنامج تلفزيوني إخباري «عنوانه بولوتيكا» أذيع غداة تشييع جنازة الملك «حسين» عن السبب الذي جعل كل قيادات إسرائيل تسعى على هذا النحو إلى المشاركة في جنازة الملك حسين؟ وكان رد مدير مكتب رابين بالحرف:

لو عرفت ما فعله الملك من أجل أمن إسرائيل لما سعيت وراء جنازته فقط وإنما هرولت!

3. ثم إن عليه أن يجد قدر الإمكان أصدقاء من العرب، لأن لديه بالفعل بينهم من الأعداء كفاية. وهو مطالب في ذلك كله بأن يعطي نفسه مرونة في الحركة، فهو لا يستطيع بسبب تعارض الضغوط أن يسير في أي طريق إلى نهايته.

4. وخلال ذلك كله فليس أمامه إلا أن يخفي مشاعره وعواطفه، وأن يكتم نواياه وسياسته، وأن يمسك بأعصابه وأحيانًا على حساب كرامته الشخصية، وأن يواجه كل الناس وكل الأحداث بابتسامة عريضة؛ لأنه ببساطة لا يملك ترف الغضب.

وهذه هي نفسها نصائح الملك حسين لولده عبد الله الثاني، وتلك هي سياسة الأردن المتبعة من يومها إلى الآن.

وتدليلًا على ذلك أن دوري جولد سفير إسرائيل الأسبق في الأمم المتحدة قال أمام عدسات شبكة السي إن إن:

إن أول درس علمه الملك لأولاده وعلى رأسهم الملك الجديد هو أهمية العلاقة الحميمة مع إسرائيل!

إن الأوضاع الأردنية اليوم صعبة للغاية على كافة المستويات «سياسية واقتصادية واجتماعية»، فالدين الأردني العام وصل إلى 37 مليار دولار، وتبلغ خدماته وفوائده حوالي ملياري دولار سنويًّا، بينما وصل العجز في ميزانية هذا العام حوالي لمليار دولار، واضطرت حكومة الدكتور هاني الملقي إلى فرض ضرائب باهظة على أكثر من مئة سلعة معظمها أساسية، في محاولة لتعويض هذا العجز، بسبب توقف المساعدات المالية الخليجية في إطار المنحة السنوية المقدرة بحوالي مليار دولار سنويًّا ولخمس سنوات، واعتمدت أثناء انطلاق «الربيع العربي» ولم تجدد هذا العام. بالإضافة إلى ذلك نجد أن الأردن هو المصب لكل الأحداث في المنطقة من المعارك الدائرة والطاحنة على الساحة العراقية والسورية، وكذا كل الحمم المنطلقة من الأراضي الفلسطينية.

وكل تلك الحقائق الجغرافية والتاريخية والعملية تدفع الأردن وملكه للعب أدوار صعبة أحيانًا، وغريبة أحيانًا أخرى، ومريبة طوال الوقت.

الملاحظة الثالثة: السر وراء عودة الملف الفلسطيني للواجهة من جديد؟

كانت عودة الملف الفلسطيني للواجهة من جديد بعد تجميده فترة طويلة مثار تساؤلات عن الهدف والسبب من وراء ذلك؟

والحاصل أن الملف عاد من أجل أن يستخدمه بعض المجتمعين (مصر، السعودية،السلطة الفلسطينية) في أمور تكتيكية خاصة بهم، تخدم سياسة تقاربهم مع الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها الجديدة. وتلك الدول تعمل وفق المقولة السياسية المعروفة:

بأنك إذا أردت أن تدخل إلى القلب الأمريكي فعليك أن تسبح في الشريان الإسرائيلي!

فمصر التي سيزور رئيسها «السيسي» أمريكا خلال أيام يريد ذلك الملف معه لكي يؤكد لقيصر أمريكا الجديد «دونالد ترامب» أنه يقوم بما عليه في تنفيذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية من حلحلة الأمور بين الفلسطينيين، والإسرائيليين بما يطوق الإرهاب العربي الفلسطيني ضد الجانب الإسرائيلي المسالم! وهو الذي اجتمع سرًّا في العام الماضي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وكذا وزير الخارجية الأمريكي السابق كيري، وملك الأردن الشريف عبد الله، ومعهم ممثل عن السعودية! بالإضافة إلى أن العلاقات المصرية الإسرائيلية تطورت بدرجة ليست لها مثيل في عهد الرئيس السيسي.

وكذلك المملكة السعودية فإنها تقوم بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين ولي ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» والرئيس الأمريكى «ترامب»، وفور انتهاء القمة أوردت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية:

إن مصادر إسرائيلية مسؤولة قالت لها إن أعضاءً في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبحثون ما إذا كان بالإمكان استضافة مؤتمر بارز خلال الصيف يجمع قادة الخليج، ورئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس حكومة إسرائيل على منصة واحدة لأول مرة.

ولفتت الصحيفة الإسرائيلية إلى أنه في حال تمّ عقد قمة من هذا القبيل:

فإن القادة على مستوى ولي ولي العهد من المملكة العربية السعودية ودول الخليج سينضمون إلى نظرائهم المصريين، والأردنيين، إلى جانب الإسرائيليين أمام الكاميرات، وهي لحظة تلفزيونية لم يسبق لها مثيل سيستسيغها ترامب.

إن ذلك اللقاء لو تم بالفعل سيصُب حتمًا في مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا تطورت الأمور في إسرائيل وأضطُر إلى الدعوة إلى انتخابات مبكرة؛ لكي يثبت لبعض الحمائم في إسرائيل بأنه الرجل الذي «جمع المجد من طرفيه» فهو حمامة سلام كما أنه صقر الحرب!

وأما السلطة الفلسطينية وعلى رأسها «أبو مازن»، فهي تريد إعادة الحياة إلى الملف الذي جُمد طويلًا، وكذلك لكي تظهر أمام الإدارة الأمريكية الجديدة بمظهر المتعاونة، حتى لا يأتي وقت وتقول الإدارة الأمريكية اليمينية الجديدة لأبي مازن مثل ما قالته إدارة الرئيس الأسبق «جورج بوش الابن» لعرفات من أن «عرفات لم يعد شريكًا في عملية السلام»، وكانت تلك إشارة لإسرائيل لاغتيال عرفات بدس السم له وقتله. وكذا فإن أبا مازن بتفريطه وتساهله أمام إسرائيل وأمريكا يُريد قطع الطريق على عدوه اللدود ومنافسه الأكبر «محمد دحلان»؛ لكي يحرمه من أي دعم دولي أو إقليمي.

الملاحظة الرابعة: مدى نجاح اللقاء المصري السعودي في تحقيق التفاهم وتوحيد الرؤى بين البلدين؟

في مؤشر على تقارب بعد برودة في العلاقات بين مصر والسعودية، التقى الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» والعاهل السعودي «سلمان بن عبد العزيز» على هامش القمة. فقدوصف الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط اللقاء بأنه: «تطور هام جدًّا».

وجاء اللقاء بعد عشرة أيام من إعلان مصر استئناف تسلم شحنات نفط من المملكة كانت توقفت منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2016. وتوقفت شركة أرامكو عن توريد 700 ألف طن شهريًّا من المشتقات النفطية إلى مصر، في خضم توتر سياسي بين البلدين حول الملفات الإقليمية، لا سيما منهما السوري واليمني.

وقال بيان من الرئاسة المصرية إن «الزعيمين أكدا أهمية دفع وتطوير العلاقات الثنائية في كافة المجالات، بما يعكس متانة وقوة العلاقات الراسخة والقوية بين البلدين». وأشار البيان إلى أن الملك سلمان وجه دعوة إلى السيسي لزيارة المملكة، وأن الرئيس المصري رحب بذلك، ودعاه بدوره لزيارة مصر.

 

كان ذلك ما جرى على السطح ولكن المخفي من المشهد كان كالتالي:

على الرغم من أن علاقات مصر والسعودية كانت جيدة وتحديدًا منذ تولى الرئيس «السادات» الحكم، وتطورت أكثر بعد تولي «مبارك» الحكم، وظهر هذا جليًّا في وقوف مبارك مع دول الخليج في أزمة غزو العراق للكويت، وتقديمه الغطاء للولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في الأزمة وضرب العراق، حتى أن الدولتين كانتا توصفان بمحور الاعتدال! في المنطقة.

وظلت السعودية داعمة لمبارك حتى آخر يوم في رحيله عقب ثورة 25 يناير، وكانت رافضة لأي محاكمة له عقب ثورة يناير، وكانت العلاقة فاترة طوال السنة التي حكم فيها الإخوان مصر، وكانت السعودية من أكبر الدول التي دعمت ثورة 30 يونيو لإسقاط الإخوان، ووقفت مع مصر ضد كل الضغوط التي مارستها الدول الكبرى على مصر، وساندت ترشيح وزير الدفاع المصري وقتها «عبد الفتاح السيسي» لمنصب رئيس الجمهورية، وكان ذلك في عهد الملك «عبد الله»، إلا أن بعض الاختلافات بدأت في الظهور عقب تولي الملك «سلمان» الحكم، وإطلاق يد نجله «محمد» في السياسة السعودية، وخطة ولي ولي العهد بالاستعانة بالإخوان في الحرب ضد إيران، بالإضافة إلى تعارض رؤية السعودية مع مصر في ضرورة إنهاء الحرب الدائرة في سوريا منذ ست سنوات.

وعلى الرغم من مشاركة مصر في الحرب السعودية ضد اليمن إلا أن السعودية تتحدث دائمًا عن عدة أمور:

  • إن مصر تحاور إيران سرًّا بعيدًا عن السعودية، وأصبحت مصر أميل لوجهة النظر الإيرانية بخصوص كيفية الحل في الأزمة السورية.
  • إن مصر تُقيم علاقات مع سوريا، وتحديدًا على المستوى الأمني مع نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، وتلميحات إلى   أن مصر أعطت الرئيس الأسد منظومة صواريخ من إنتاج الهيئة العربية للتصنيع المصرية، وذلك رغم قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا في عهد الإخوان، وتلك بادرة غير مشجعة للعلاقات السعودية المصرية، بالإضافة إلى أن تلك بادرة تؤشر لما بعدها، وخصوصًا بعد الزيارات العلنية لأقطاب أمنيين سوريين للقاهرة على رأسها زيارة رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء «على مملوك» ولقائه بعدد من المسئولين المصريين.
  • إن السعودية تقول: إنه يغيب عن بال القيادة المصرية أن انتصار سوريا وحلفائها (إيران وحزب الله) في الحرب الضروس المنطلقة منذ ست سنوات سيضع أيضًا ضغوطًا رهيبة على السعودية، وقد تفرض تداعيات ذلك عليها تأقلُمًا لن تستطيعه، وإصلاحات لن يكون من السهل تفاديها.
  • إن السعودية بعد كل ما قدمته لمصر ولنظام السيسي لم تكن متوقعة تلك المعاملة السيئة من السيسي، وخصوصًا بعد تسريبات الإخوان الصوتية عن آراء السيسي في ملوك الخليج.
  • إن مصر تريد المساعدات المالية السعودية والخليجية، لكنها لا تريد أن يكون لهذا ثمن عليها أن تدفعه ضمن معادلة المصالح العربية المتبادلة من وجهة النظر السعودية.
  • إن الأمور تدهورت خصوصًا بعد صدور حكم محكمة القضاء الإدارى المصري بأحقية مصر في جزيرتي صنافير وتيران، وإلغاء اتفاقية الحكومة المصرية مع السعودية على التنازل عنهما للطرف السعودي.

وهنا ينطلق سؤال ما الذي تغير حتى يعود الطرفان للعمل معًا من جديد؟

في الغالب إن ما لمسته السعودية من خلال زيارة ولي ولي العهد «محمد بن سلمان» لواشنطن ولقائه بترامب، فقد لمس أن الإدارة الأمريكية تعيد حساباتها في سوريا، وكذا رأت السعودية أن القيادة الأمريكية لم تعد متحمسة لإقصاء الرئيس السورى بشار الأسد، وذلك ظهر في تصريحات مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة «نيكي هيلي» التي قالت:

«إن سياسة بلادها في سوريا لم تعد تركز على إزاحة الرئيس بشار الأسد».

وكذا ما قاله بعدها المتحدث باسم البيت الأبيض «شون سبايسر»:

إن هناك حقيقة سياسية واقعية علينا تقبلها بخصوص حكم رئيس النظام السوري بشار الأسد. وأضاف سبايسر إن الولايات المتحدة «فقدت فرصًا كثيرة في ظل إدارة أوباما فيما يتعلق بالأسد».

إنه وفق سلم الأولويات السعودية، فإن اليمن أولاً وثانيًا، حيث خاصرتها الجنوبية. رغم انفتاحها أخيرًا على الحوار مع «الحوثيين» للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة اليمنية، إلا أنها تدرك بصورة أو أخرى أن إيران سوف تستمر في مناكفتها الاستراتيجية فوق جبال اليمن الوعرة.

يجب أن يكون مفهومًا أنه لن يُترك طرف جائزة لآخر مجانًا. إن أكثر الاحتمالات ترجيحًا أن كل شيء سوف يظل معلقًا حتى يجري التوصل إلى تسويات متزامنة لأزمات الإقليم كلها.

بالقرب من أية تسوية محتملة للأزمة السورية تحاول السعودية ترميم أية فجوات مع مصر وإزالة أية توترات مكتومة.

إن السعودية في الغالب رأت الصورة التي لا يمكن إنكارها، فاللاعبون الإقليميون الكبار كلهم مأزومون ومتعبون أمام تحديات وتحولات تُنذر بتغييرات عنيفة محتملة في موازين القوى، وخرائط النفوذ إذا ما تم إقرار تسوية سياسية ما للأزمة السورية بتوافق أمريكي- روسي.

فتركيا: التي راهنت عليها الرياض تبدو مأزومة في حربها المزدوجة مع «داعش»، و«حزب العمال الكردستاني»،بالإضافة إلى التحول الدرماتيكي في الموقف التركي من الحرب في سوريا لدرجة أنها أصبحت أقرب إلى روسيا منها إلى معسكر أمريكا والخليج.بالإضافة لوجودها كدولة موحدة على المحك إذا ما نشأت دولة كردية تقتطع قطاعًا لا يستهان به من أراضيها وكتلتها السكانية.

وإيران: هي الأخرى مأزومة رغم الانفراجة الاستراتيجية التي حازتها بموجب اتفاقها النووي مع الدول الغربية، فتوسعها الإقليمى فوق طاقتها «على الهضم» في أية حسابات تنظر للمستقبل المنظور.

والسعودية: نفسها مأزومة ولديها مخاوفها من تحولات السياسة الأمريكية التي قد تتخلى عن حليفها الإقليمي الأكثر ارتباطًا عبر العقود والرئاسات،بالإضافة إلى صراع على السلطة يبدو واضحًا في الأفق مع الكثير من الأزمات الداخلية.

ومصر: أيضًا مأزومة فهي تعاني من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وتحديات داخل حدودها في سيناء، وعلى حدودها مع ليبيا، وكذلك مشاكل مع السودان، بالإضافة إلى أخطار وجودية تتمثل في سد النهضة الإثيوبي.

الخلاصة: أن التعاون المصري السعودي من المشكوك فيه أن يستمر طويلًا لأن رؤية الطرفان للأمور الاستراتيجية في المنطقة متعارضة.

وأخيرًا فإن العالم العربي وصل اليوم إلى أسوأ حالاته، فهو منقسم في الظاهر وفي الباطن، ومتضارب في النوايا وكلها غامضة، ومنهك في المظاهر وكلها خداعة، والأزمة تأخذ بخناق الجميع اقتصادية وعسكرية وسياسية وفكرية وحتى إنسانية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1-حرب الخليج-هيكل
2-كلام فى السياسة-هيكل
عرض التعليقات
s