لقد ساهمت سياسات صندوق النقد الدولي في افقار العديد من الشعوب والدول، خاصة في أمريكا اللاتينية، حيث سجلت ديون كل بلدان العالم النامي ارتفاعًا بنسبة 600% خلال 11 سنة بين عامي 1971 و1982، بينما كانت الديون الأجنبية لأمريكا اللاتينية لا تزيد على 75 مليار دولار، ارتفع إجمالي هذه الديون سنة 1983 إلى ما يزيد على 314 مليار دولار أمريكي؛ فلاحت في الأفق أزمة كبيرة في هذه القارة، لم يشهد العالم مثيلها منذ الحرب العالمية الثانية.

فالمكسيك أهم بلد بترولي سجل تدهورًا في أسعار النفط بفعل الكساد العالمي، وقيام مستثمرين أجانب بسحب 55 مليار دولار بين عامي 1979 و1982، فوصلت خسارة العملة المحلية «البيزو» إلى ما ينهاز 67% من قيمتها، وسجل الميزان التجاري عجزًا قدر بـ5.8 مليار دولار أمريكي، فضلًا عن امتناع المصارف الأجنبية عن تقديم القروض للمكسيك، التي أصبحت على حافة الإفلاس، وللحيلولة دون سقوط المكسيك؛ اجتمع وفد حكومي مع وزير الخزانة الأمريكية، ورئيس صندوق النقد الدولي، ورئيس المصرف المركزي «فيدرال رزيرف» لتأكيد أن المكسيك ما عادت قادرة على تسديد ديونها لدى المصارف الأجنبية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية وصندوق النقد الدولي يعرفان جيدًا خطورة الوضع الاقتصادي في المكسيك؛ لذلك قررا عقد اجتماع طارئ مع ممثلي 800 مصرف أجنبي قصد وضع خطة واحدة هدفها منع إفلاس المكسيك، فاستطاع الصندوق من خلال لعب دور الوسيط انتزاع قروض قيمتها 5 مليارات دولار من بعض المصارف التجارية؛ لتوظيفها من أجل استقرار ألمكسيك، لكن في الحقيقة أن هذه القروض لم تمنح بهدف إنقاذ المكسيك من الإفلاس، بل من أجل خدمة مصالح المصارف التجارية، فهذه الأخيرة تعززت سلطاتها؛ إذ أصبحت تتحصل على مستحقاتها من الشركات المكسيكية دون عناء، بينما قدم صندوق النقد الدولي قرضًا قدره 3.3 مليار دولار، ربط شرط منحه للمكسيك بتنفيد صارم لبرنامج التكييف الهيكلي ومنه: خفض كبير في الإنفاق الحكومي، وتقليص الأجور، وإلغاء دعم المواد الغذائية الأساسية، وعلى خلفية هذه الإجراءات انخفض المستوى المعيشي للسكان، وصار عدد كبير من المواطنين يعانون من العوز والفقر المدقع.

أما البرازيل فقد أعلنت تعليق سداد أقساط ديونها الدولية سنة 1982، فقد كانت تعاني من ارتفاع فوائد الديون لدى الولايات المتحدة، مع تراجع الصادرات الخارجية، وبسبب تصاعد معدلات التضخم تدخل صندوق النقد، وأجبر الدولة على تنفيذ برنامج تقشف صارم أثر تأثيرًا مباشرًا في المواطنين العاديين، فانتهز ضعف الحكومة وراح يطالبها بخفض الضرائب المفروضة على الواردات الأجنبية.

لقد كانت أهداف الصندوق الدولي في كل دول أمريكا اللاتينية ليست مساعدتها كما هو مصرح في وسائل الإعلام العالمية، بل جني الأرباح بلا رحمة من أزمات الدول المالية، وفي كل الحالات تدخل الصندوق كأنه فرقة مطافئ تمارس مهامها على مستوى العالم، فأخذ يكره الدول على الانصياع لبرنامج التكييف الهيكلي المعد من قبله، وخلال العامين 1980 و1993 تم تنفيذ 556 برنامجًا للتكييف الهيكلي، فكان الصندوق دائمًا ما يتدخل للحفاظ على مصالح الدوائر العليا الاقتصادية، ولتنفيذ هذه الإجراءات كثيرًا ما وقف الصندوق مع الإجراءات القمعية للحكومات التي جرى فيها تطبيق البرنامج.

ففي الأرجنتين اندلعت احتجاجات عارمة سنة 1976 ضد مناشدة الصندوق الحكومة تجميد الأجور 180 يومًا لمواجهة مشكل التضخم؛ فاستولى الجيش على السلطة، وشرع في فرض نظام إرهابي على المواطنين، فتوفي نتيجة المذابح التي قام بها 30 ألفًا من الطلبة وأساتذة الجامعات. أما في أفريقيا، وبالضبط في مصر، اندلعت ثورة كبيرة سنة 1976 بسبب مطالبة الصندوق الحكومة المصرية شطب الأموال التي تخصصها لدعم أسعار المواد الغذائية؛ فقتل 79 متظاهرًا نتيجة لذلك.

أما في المغرب فقد أعلن سنة 1981 إضراب عام تزعمته النقابات العمالية؛ بسبب ربط الصندوق تقديم قرض قيمته 1.2 مليار دولار بخفض الإنفاق الحكومي المخصص لدعم المواد الغذائية الأساسية، وأدى هذا التمرد والإضراب العام إلى وفاة 600 شخص في الدار البيضاء لوحدها، أما في جمهورية الدومينيك فاندلعت بها سنة 1981 مظاهرات عامة بسبب إجراءات التقشف التي نهجتها الدولة بإملاء صندوق النقد الدولي، أدى ذلك إلى وفاة 50 متظاهرًا، وقتل في فنزويلا سنة 1989 مئات المتظاهرين بسبب إلغاء الدولة الدعم المخصص لأسعار بنزين الفقراء.

وفي نيجيريا عام 1986 قتل 20 طالبًا في مدينة زاريا بسبب الشروع في تنفيذ برنامج التكييف الهيكلي، وفي نيامي بالنيجر احتج الطلاب بعدم الحضور للمحاضرات بسبب اشتراط الصندوق على الحكومة تقليص الدعم المخصص للتعليم الجامعي، وقتل خمسة طلاب أثناء احتجاجهم، أما في جمهورية ترينيداد احتجزت منظمة إسلامية رئيس الجمهورية روبينسون وعددًا من أعضاء الحكومة؛ احتجاجًا على برامج التقشف المفروضة من قبل الصندوق.

الخلاصة يمكن القول إن 36 دولة تعرضت للاضطرابات والاحتجاجات ما بين سنتي 1976 و1992 بسبب سياسات التقشف التي نهجتها الحكومات؛ استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي، كما أن العديد من الأفراد لقوا حتفهم نتيجة لذلك، ورغم هذه الأرواح الكثيرة التي أزهقت لم يفكر الصندوق بمراجعة برامجه واستراتيجياته المدمرة، بل إنه واصل عمله بكل إصرار وتحدٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد