على الرغم من كونها واحدة من أفقر دول العالم التي كانت في حالة حرب مستمرة لما يقرب من نصف قرن، فإن أفغانستان، في الوقت نفسه، هي دولة غنية للغاية بالموارد المعدنية. مع أكثر من 1400 حقل معدني، لديها رواسب هائلة من الهيدروكربونات (بما في ذلك النفط والغاز والفحم)، والرصاص والحجر الجيري، والأحجار الكريمة، والنحاس والحديد والذهب، على سبيل المثال لا الحصر.

وفي الوقت الحالي، من المقدر بشكل عام أن طالبان تمتلك ما قيمته 1-3 تريليونات دولار من المعادن. ورغم أن استخراج بعض هذه الموارد قد يتم تجاهله تمامًا كما كان في عهد نظام طالبان السابق، فإن هذه الجماعة قد تدخل هذه المرة سوق المعادن في العالم بعرض خاص في الوقت المناسب، وهو الليثيوم.

ويمثل عنصرًا رئيسيًّا للبطاريات والإلكترونيات الأخرى التي تزداد شعبية هذه الأيام، يتم إنتاج الليثيوم في الغالب في ما يسمى «مثلث الليثيوم» في أمريكا الجنوبية (بوليفيا، الأرجنتين، تشيلي)، تليها ثلاث دول أخرى: الولايات المتحدة، وأستراليا والصين. ومن بين هذه البلدان الستة، التي لطالما اعتُبرت تلك التي تمتلك أكبر رواسب ليثيوم مثبتة في العالم، قد تظهر أفغانستان بشكل غير متوقع كحصان أسود. وفي الواقع، وفقًا لمذكرة داخلية للبنتاجون في عام 2010، يمكن أن تصبح البلاد «السعودية للليثيوم»، حيث إن احتياطياتها المقدرة من المعدن يمكن أن تنافس أو حتى تتجاوز احتياطيات بوليفيا (نحو 21 مليون طن).

ويُنتج الليثيوم عادة إما عن طريق التبخر الشمسي لأحواض المياه المالحة الكبيرة، وإما من استخراج الصخور الصلبة لخام الإسبودومين، وقد اكتُشف لأول مرة في أفغانستان من قبل السوفيت بعد غزوهم عام 1979. وبعد نحو ثلاثة عقود، أجرى الجيولوجيون الأمريكيون مسوحات لبحيرات الملح الجافة في غرب أفغانستان فقط لإثبات أن التقديرات السوفيتية لاحتياطيات البلاد الغنية من الليثيوم كانت صحيحة. ومع ذلك، وبسبب الصراع الدائر، وارتفاع الاستثمار الرأسمالي اللازم، والطلب العالمي القوي بشكل غير كاف، لم يبدأ الإنتاج الصناعي من الليثيوم الأفغاني عند اكتشافه. ولكن في الوقت الحاضر، قد يكون التوقيت أفضل، على الأقل من منظور الطلب العالمي.

وبعد تسويق بطاريات الليثيوم أيون في عام 1991، وبداية بطيئة نسبيًّا في الأجهزة الكهربائية، اكتسب هذا النوع من تخزين الطاقة الكهروكيميائية زخمًا جديدًا مع انتشار الهواتف المحمولة والمركبات الكهربائية ومصادر الطاقة المتجددة. وفي الوقت الحالي، وعلى الرغم من وجود خيارات بطارية أخرى في نهاية المطاف، تمثل حلول أيونات الليثيوم إلى حد بعيد النوع الأكثر إنتاجًا من البطاريات لتخزين الطاقة على نطاق صغير وكبير.

ويرجع ذلك إلى المزايا الفريدة المفقودة في أقرب منافسيهم (بطاريات النيكل والكادميوم وهيدريد النيكل): وزن أخف، وكثافة طاقة أعلى، ووقت شحن أقصر، وغياب تأثير الذاكرة الذي يتسبب في فقدان البطاريات لقدرات التخزين مع استمرار الاستخدام.

وتسببت ميزات بطاريات الليثيوم أيون في تغيير الطلب على الليثيوم – المكون الأساسي – بشكل كبير خلال العقود القليلة الماضية. ففي عام 1995، على سبيل المثال، كان الإنتاج العالمي السنوي من الليثيوم نحو 6500 طن فقط؛ وبحلول عام 2015، قد ارتفع بالفعل إلى نحو 32500 طن سنويًّا. وبالنظر إلى أن الليثيوم هو الأخف وزنًا من بين جميع المعادن، فإن هذه الأرقام مثيرة للإعجاب حقًّا.

ولمقابلة الطلب المتزايد على صناعات التكنولوجيا العالية والطاقة، من المتوقع أن ينمو إنتاج الليثيوم إلى نحو مليوني طن فقط في العقد المقبل. وبسبب الهوس العالمي بهذا المعدن، يطلق بعض الخبراء على الليثيوم اسم «النفط الجديد».

ومع ذلك، في ظل الظروف الجديدة المتغيرة بسرعة، غالبًا ما يُخشى أن المناجم الحالية قد لا تلبي ببساطة طلب الليثيوم المتضخم في المستقبل. وهنا حيث يمكن أن تتحول رواسب الليثيوم في أفغانستان إلى أصل بالغ القيمة.

وفي ظل هذه الظروف، قد يعتمد مستقبل بطاريات الليثيوم أيون بشكل كبير على من يتولى السيطرة على الاحتياطيات الأفغانية، لأنه من غير المرجح أن تكون طالبان وحدها قادرة على إطلاق تعدين الليثيوم التجاري على نطاق واسع بنجاح. أما الآن، فقد كشفت دول مثل الصين وروسيا وإيران بالفعل عن نواياها لتطوير «علاقات ودية» مع طالبان. وفي الوقت نفسه، من بين كل هؤلاء «الأصدقاء الجدد»، يبدو أن الصين لا تترك مساحة كبيرة للمنافسة مع البلدان الأخرى لأنها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والرائد المطلق في تعدين المعادن الأرضية النادرة، وأكبر منتج لخلايا الليثيوم في العالم.

وفي الماضي، استثمرت الصين بشكل مكثف في صناعات التعدين في جميع أنحاء العالم مع التركيز بشكل خاص على الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وهناك، كان المستثمرون الصينيون ناجحين للغاية، من بين آخرين، في دول مثل مدغشقر وموزمبيق والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وكما توضح قائمة هذه البلدان، لا يبدو أن تحدي المناخ السياسي وصعوبات إعادة الإعمار بعد الحرب تمنع شركات الموارد الطبيعية في الصين. ولهذا السبب فإن الخطوات السياسية الأولى لمد يد العون إلى نظام طالبان قد تعني أن الصين تفكر بجدية في لعب دور الكمان الأول في لعبة عظيمة جديدة في المستقبل. وقد تكون المخاطر، هذه المرة، هيمنة التكنولوجيا في تحول الطاقة العالمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد