قررت محكمة جنايات القاهرة الإفراج عن جمال مبارك وعلاء مبارك بقضية التلاعب بالبورصة، وإخلاء سبيلهم بكفالة مالية قدرها 100 ألف جنيه. بالإفراج عن أهم شخصين قامت الثورة ضد نظامهم الفاسد هما وأبوهم الرئيس السابق لمصر، يأتي سؤال يطرق بذهني، ماذا تبقى لنا؟ أجد الإجابة عند نجيب سرور حين قال «ماذا تبقى عندكم؟ –لم يبق شيء– فاهنأوا.. طوبى لكم».

نحن مكبلون بهزيمة للثورة العزيزة، نكسة أخرى غير نكسة 67، فلقد انتهى كل حلم للثورة وكل مبدأ بهزيمة، فقد أردت خلع الجيش وتم عودته، أردت خلع النظام وحبسه ومعاقبته ومحاسبته، فها هو حر طليق ينعم بأمواله، أردت حق الشهداء فتم نسيانهم، أردت العدل فتوسعت السجون وازداد الاختفاء القسري والحبس، أردت التعليم فخرجت مصر من تصينف العالم، أردت معيشة طيبة فزادت الأسعار وتم تعويم الجنيه وتم توريط مصر مع البنك الدولي في قروض وتهديد اقتصاد مصر والإطاحة به إلى قعر العالم. لم يتبق شيء ولم يتم الإطاحة به أو يسوء عن حاله قبل الثورة، لم يبق شيء لم يتم تدميره. استولى المجلس العسكري والجيش على أغلب المؤسسات الاقتصادية، ووضع رجاله في الوزارات والمنشآت حتى يحكم قبضته على كل شيء ويكون في يده مقاليد أمور كل ما يحدث، فإن أردت الإطاحة به فتحمل تدمير مؤسسات بلدك نهائيًا، أي خراب حتمي. كان مخطط المجلس العسكري بعد الثورة واضح وصريح، يريد أن يتحرك لكي ينتقم، لكي يثبت نفسه أكثر، لكي يعلن صراحًة أنه نظام ديكتاتوري كما ينعت ولا يهمه من بيده شيء فليتقدم لفعله، ولن يتقدم أحد لشيء لأن الكل مهزوم، الكل محمل بهزيمة ويأس وخوف، ورغبة بأن ينصلح حال البلد دون أن يتغير أو أن يتحرك عن كنبته.

حين أعلن الرئيس السيسي في المؤتمر بأنه يتابع هاشتاج ارحل يا سيسي، كان صريحًا بأنه يتابع ما يحدث، وبأمر رجاله الذين أصدروا هاشتاجًا مضادًا في كل قنواتهم وكل المنافذ، وهو يتابع وحزين وبأنه غاضب، قالها بمرح وفكاهة، لكنه أرسل رسالة بأن غضبه شديد على تلك الفعلة وبأنه لن يرحم.

كان حديثنا تمهيدًا للحديث عن شيء مهم جدًا مرتبط ألا وهو القضاء المصري الشامخ، الذي سيظل طوال عمره شامخًا كما ينعته كل المذيعين وكل الموالين للسلطة. في كل فترة زيادة كبيرة وفوائد وامتيازات تمنح للقضاة، وكل يوم حصانتهم تقوى في كل أشكالها، ويتم التعامل معهم كأنهم ملائكة لا يخطئون، ثمن شرائهم كبير ويدفع من دم الشعب، هل بعد مذبحة القضاة في فترة مرسي ندفع الثمن؟ هل سيحصلون نتيجة امتيازات ما بعد مذبحة القضاة وما بعد الثورة للأبد؟

الواقع مزرٍ، فهم والجيش يحصلون على زيادات في المرتبات والمعاشات وامتيازات أخرى غير المال وحصانات مختلفة الشكل وتطبيل لهم كبير. وكأنهم يعملون ما لا يمكن عمله، وكأن القاضي يستحق أن يصير غنيًا ومرفهًا مقابل سكوته وموالاته لما تريده السلطة، لم لا وهم اليد القانونية التي تصدر الأحكام ويفترض أن تطبق القانون، وأي قانون يطبق سوى ما يتم تفصيله من الحكومة والسلطة العليا. إنهم أحد أدوات القمع التي تبدو في مظهر أنيق ولامع.

حين تم الإفراج سريعًا عن علاء وجمال بعد جهود بالطبع من رجال أمن الدولة، لم لا يتم الإفراج عن أحمد دومة؟ الشاب المصري الذي قضى فترات طويلة في الحبس الانفرادي وتدهورت صحته، وأوعز أصحاب الكلمة بعض السجناء لمحاولة قتله ليجدوا طريقة لوضعه في الحبس الانفرادي. لماذا لا يتم الإفراج الصحي أو حتى تقديم الرعاية الصحية له أو لعبد المنعم أبو الفتوه الرجل المريض، لماذا يتم تهميشهم ومعاملتهم كالمحبوسين؟ وتطول القائمة فسنتطرق لمحمد أكسجين وغيرهم، وتلك أسامي مشهروة لشخصيات معروفة أما ما خفي من الغلابة المسجونين كان أعظم.

القضاء يغفل عن هذا ولا يتطرق له، ولا يتم تنفيذ أي قرار حتى، ويأخذ موقفا حاسما مع جمال وعلاء ويتساهل معهم، ولو شعر أحدهم بضيق الموقف يكون الحل صريحًا، أعلن شعورك بالحرج وتنحيك عن القضية ليأتي غيرك من يملك القدرة على ننفيذ القرار. القضاء الشامخ هو مؤسسة تقبض وتحصل على ما لا تستحق وتنفذ ما تريده الدولة، ويظهر في صورة حسنة طيبة، لكنه لا يقل في فساده عن أي مؤسسة مصرية فاسدة، أو بها فساد، ليس القضاة كما يصور الإعلام ملائكة منزلة من السماء، وليس كما يقتنع بعض المصريين، الحقيقة هي إن القضاء أبعد عن الشموخ والعزة والمكانة المرتفعة، القضاء مؤسسة بها فساد وتستلم تمن كل هذا من دم الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد