يجلسون جميعًا في مشهد موحد، داخل عربة المترو، مخرج قدير استطاع أن يضعهم جميعًا في الحالة النفسية الملائمة للمشهد، جميهم انحنوا للأمام، تقديرًا ومهابةً للمشهد الذي يؤدون دورهم فيه.

ما الذي يجعل رؤوسهم تسقط من على أكتافههم، لتكوّن صورة بليغة، بلا ترتيب ولا اتفاق، غير أنهم جميعًا وضعوا في نفس القيد، وداخل نفس الدائرة، يبدو أنها آلام الحمل، ليس حمل الجنين، وإنما الهموم.

صورة التقطتها عدسة ما، لحال المواطنين داخل المترو بعد رفع سعر التذكرة لـ 2 جنيه، جميعهم متراصون على جانبي عربة المترو، ينظرون للأرض، ربما يبحثون فيها عن التيه والخلاص، ولكن ليس تذكرة المترو وحدها كفيلة بأن تحني رؤوس ههؤلاء، فهناك ما هو أعظم.

هذا الصابر، والمتحمل، والذي يأمل في مستقبل أفضل، يمرّ عبر بوابات الجوع والفقر، بات غير قادرًا على تحمل المزيد، الأكتاف لم تعد تستطع تحمل إضافات أخرى، ولكن الإضافات لا تتوقف عن الظهور، وتعلن عن نفسها بقوة متحدية الجميع، وتوثقهم برباط الثقة في مستقبل باهر. لأجيال أخرى ربما لن يروها.

إذن هؤلاء يتحملون البأساء من أجل أبنائهم، وأحفادهم القادمين. ماذا عن هؤلاء الموتى الأحياء؟

عبار بليغة سمعتها مرة من سائق ميكروباص، وكنت أجلس في المقعد الأخير، أحبه كي أتابع الصورة كاملة، وكعادة الناس ووسواس السياسة حينما يغزو المكان، ينسلّ الحديث من كل اتجاه، حتى ألقى السائق عبارته الرائعة، والتي لا أعرف إن كان هو أصلها، أم سمعها، وهي «احنا ميتين وبنتحاسب».

العبارة اتسقت مع معتقدي؛ فدومًا كنت أحزن أكثر على الأحياء، أكثر ممن فارقوا الحياة، هؤلاء هم من يعانون ويتعذبون ويصرخون ويتألمون، في سكون، فلو ارتفع الصوت انخفض مرة أخرى بمطرقة الأمن.

دومًا يكون الاختيار الأول للأمن على حساب الحرية وعلى حساب العيش والكرامة، تلك غريزة في البقاء لدى الانسان، فبكسرة عيش وشربة ماء يعيش، ولكن بطعنة سكين في البطن، على الأغلب سيموت، وبالرغم من أنه في الحالة الأولى يموت بطيئًا، إلا أن الموت سريعًا ربما يكون أكثر ألمًا، لأنه مركز، بينما البطئ تقضي معه فترة تعايش واعتياد، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

ولكن لا ينبغي أن يطغى ذلك على ذاك، لا ينبغي أن نفسد الصحيح، فلو كان طريقًا صحيحًا يشق لنفسه متسعًا للنور، علينا أن لا نحاربه، وربما نتقبل أيضًا بعض من أعراضه الجانبية، ولكن ليس جلها، فجلها قد يقتل، وجلها قد يجعل المرء يصل لمرحلة الانفجار، مرحلة القشة التي قسمت ظهر البعير والوزير والرئيس. شعرة دقيقة قد تكون فاصلة بين شروق أمة وخسوفها.

يا مسئولينا الأفاضل، انظروا للحال، فكيل الفقراء لم يعد فيه مكان لتحمل المزيد، أديروا ظهوركم عنهم قليلًا، إن لم يكن منكم خيرًا، فكفوا شروركم، وانظروا للجانب الآخر الذي يملك ولا يدفع.

«إذا وجدت فقيرًا في بلاد المسلمين.. فاعلم أن هناك غنيًا أكل ماله».. الشعراوي رحمه الله.

يجب أن نتحمل المشقات لننال التبعات الجيدة، كل في عمله يفعل، وكل في حياته يذوق من مرارتها، الحياة من الأساس كبد ومشقة، ولكن ليس بتلك الطريقة.

نحن لا ندعو الحكومة للسطو على أموال الأغنياء، ولكن لنتوقف قليلًا عن ترديد عبارات توجيه الدعم لمستحقيه، وتلك العبارات التي لا تحققوا منها شيئًا، ففي النهاية لا يضار أكثر من الفقير، الذي حتى انخفضت درجته ليتحول لمعدم، وربما بعده بفارق بسيط الطبقة المتوسطة التي بدأت في الانحسار أيضًا.

لا نريد من الرئيس، أو الوزير الأول أن يتحول لروبن هود، ولكن نريد العدل. هل له وجود؟  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد