المأزق النفسي للسلطة

العنف هو لغة التخاطب الأخيرة الممكنة مع الواقع ومع الآخرين، حين يحس المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي، وحين تترسخ القناعة لديه بالفشل في إقناعهم بالاعتراف بكيانه وقيمته.[1]

العنف هو السلاح الأخير لإعادة «شيء من الاعتبار» المفقود إلى الذات من خلال التصدي مباشرة أو «مداورة» للعوامل التي يعتبرها مسؤولة عن «التبخيس الوجودي» الذي حل به مثل شعار «أي كوز ندوس دوس ما بنخاف».

في الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2018 خرج تلاميذ مدارس مدينة الدمازين بولاية النيل الازرق يهتفون بتحسين الأوضاع المعيشية.

في يوم التاسع عشر من نفس الشهر خرجت جماهير ولاية نهر النيل عطبرة بهتافات تنادي بسقوط النظام.

في الخامس والعشرون من ديسمبر دعا تجمع المهنيين السودانيين بخروج موكب سلمي لتسليم مذكرة بزيادة الأجور إلى رئيس الدولة وحرصت على أن يكون الموكب سلميًا بعيدًا عن استخدام أي عنف، وبعد ذلك نادت بتنحي الرئيس وسقوط النظام الحاكم لتحقيق شعار ( الحرية، السلام، والعدالة)، وتنحى الرئيس في الحادي عشر من أبريل (نيسان) 2019.

تواصل الحراك الشعبي في مواجهة القمع وضع أفراد الأجهزة الأمنية في مأزق نفسي (التوتر، القلق، الاكتئاب، الضغط النفسي) جعلهم يتجهون إلى وسيلة للإفلات من المأزق، وهو العنف. كلية الدفاع وآليات الدفاع هي استراتيجيات نفسية يأتي بها العقل الباطن بهدف التلاعب بالأفكار والتحايل على العواطف أو تشويه الواقع وتغييره، وذلك لحماية النفس من المشاعر السلبية.[2]

مما أدى إلى استعمال تلك الأجهزة الأمنية لابشع أنواع البطش والقمع، قمع يبدأ بترتيب تصاعدي غاز المسيل للدموع، ثم رصاص مطاطي، ثم رصاص ناري، وتهديد، ثم اعتقال، وتعذيب، ثم تغييب قسري ضد المتظاهرين السلميين، طوال الخمسة أشهر.

السياق السابق تشرحه تصريحات علي عثمان محمد طه أبرز قيادات نظام المؤتمر الوطني والذي قدم استقالته من نائب رئيس الجمهورية، جاء بتصريح في يوم التاسع من يناير (كانون الثاني) يتحدث عن أن هناك كتائب ظل تحرس النظام حتى بالتضحية بالنفس، وبعد ذلك كونت الجماهير مناعة ضده بهتاف (لا ترهبنا كتائب الظل)، وهنا تشكل لاعب محوري وأساسي في الثورة هي مجموعة فتيات بـ«فيسبوك» تدعى «منبرشات»، والتي تقوم بكشف أفراد كتائب الظل من خلال تصويرهم؛ مما جعلهم ملثمين مستقبلًا.

هتافات الشوارع وحركة المواكب «رغم العنف» جعلت كوادر النظام وقيادته تدخل في حالة من القلق والمأزق النفسي حيث صرح الفاتح عز الدين – 10 يناير – بأنه خلال أسبوع واحد فقط سيتم حصر الاحتجاجات وقطع رأس كل من يخرج ضد النظام، ولكن خرجت الجماهير بسلاحها «السلمية» وتهتف بشعار «نحنا طلعنا وما راجعين، وين الفاتح زفت الطين».

إذا استلقى الشيخان أعلاه على أريكة التحليل النفسي، وقاموا بتشريح الهذيان والطنطنات القولية وتحليل محتواها، من الملاحظ أن استخدامهم للعنف كان آلية دفاع خوفًا من فقدان السلطة وناتج عن لاوعي نظامي بما قام به النظام ضد الشعب من قتل وتعذيب وتشريد وتجويع.

بعد كل التهديدات والترويع والعنف ما زال الحراك متواصلًا، وبدأت تظهر وضعية نفسية أخرى للنظام وكوادره من اختلال للتوازن الوجودي وانعدام لتحقيق الذات أدى إلى توتر وقلق وانعدام للاعتبار الذاتي، وجعلت النظام يستخدم الفئة الأكثر فعالية للحلول ومحاولات تغيير الوضعية المأزقية من خلال قلب المعادلة المفروضة – أي محاولات تغيير الأوضاع الخارجية – بشكل يتلاءم مع الحاجات الحيوية والأهداف الوجودية وتحقيق الذات، وظهرت سلوكيًا في حركة الرئيس المعزول وسفره الداخلي والخارجي وارتباكه في التحدث أمام الجماهير «تمشي مصر ولا المكسيك، ما دايرنك ما دايرنك» وسرد حكاوي شخصية لها علاقة بحياته «تكسر سنك تكسر يدك ما دايرنك».

يقول ميلان كونديرا: الأنظمة المجرمة لم ينشئها أناس مجرمون، وإنما أناس متحمسون ومقتنعون بأنهم وجدوا الطريق الذي يودي إلى الجنة فأخذوا يدافعون ببسالة عن هذا الطريق. ومن أجل هذا قاموا بإعدام الكثيرين، ثم فيما بعد أصبح جليًا وواضحًا أكثر من النهار أن الجنة ليست موجودة، وأن المتحمسين كانوا مجرد سفاحين.[3]


[1] – مصطفي حجازي التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكلوجية الإنسان المقهور المركزي الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب الطبعة التاسعة 2005.

[2] – سجموند فرويد معالم التحليل النفسي ترجمة محمد عثمان نجاتي المركزي القومي للترجمة.

[3] – مقطتف من رواية كائن لا تحتمل خفته لروائي ميلان كونديرا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد