مسح المواطنة

تسعى مؤسسات التعليم العالي ـ كواحدة من مكونات السياسة التعليمية ـ إلى تطوير أداء منتسبيها (طلبة، أعضاء هيئة التدريس، باحثين)، لينعكس بصورة إيجابية على مخرجاتها وتحقيق رؤيتها ورسالتها، الأمر الذي يفرض تبعات ومهام جديدة على عاتق التعليم الأكاديمي الذي يتعامل مع التعليم كعملية لا يحدها زمان أو مكان، وتستمر مع الإنسان كحاجة ملحة وضرورة لتسهيل تكيفه مع المستجدات في بيئته.

وللأسباب ذاتها، يعد التعليم الأكاديمي وسيلة لتقدم المجتمع ورقيه، فالجامعات مؤسسات علمية وتربوية ذات مستويات رفيعة، تتركز مهامها الرئيسة في إعداد الكوادر المؤهلة ورفد المجتمع بالطاقات التي تستحق أن تتبوأ مراكز قيادية في مختلف المجالات، وإعداد البحوث النظرية والتطبيقية التي تتطلبها عملية التقدم والتنمية.

ولما تداخلت مؤسسات التعليم العالي المعاصرة مع المجتمع، وتهاوت الحدود بينها وبين العالم المحيط وتغيرت أسس الوصول طلابها، أصبح من الواجب الاعتراف بتعدد نوعيات طلابها والمستفيدين منها ممن يمكن الوصول إليهم محليًا وعالميًا، ومن ثم تطبيق مبادئ تكافؤ الفرص التعليمية، بإتاحة التعليم الأكاديمي لكل قادر، وتذليل العقبات التي تعترض عملية التعليم سواء كانت مادية أو معنوية، ومعيار هذا المفهوم هو التمثيل النسبي للفئات الاجتماعية داخل مراحل التعليم المختلفة.

وكإضاءة على ما تقدم واستنادًا إلى نتائج الدراسات المتعددة التي أثبتت أنه لم يعد هناك اختلاف حول فكرة أن مؤسسات التعليم العالي تتجه نحو إعادة التشكيل وإعادة الهيكلية في مستقبل تقوده المعرفة، يمكن القول إن الديمقراطية في التعليم والحرية في المجال التربوي تتطلب تهميش الفوارق في البيئة الاجتماعية وضمان حق الأقليات في المساهمة في الإفادة والاستفادة.

ملامح

إذا كانت السبعينات والثمانينات قد شهدت انفجارًا في التعليم الأساسي فإن التسعينات من القرن العشرين والعقد الحالي يشهد نتيجة لذلك وبشكل تلقائي انفجارًا في التعليم الأكاديمي العالي على مستوى العالم أجمع، وذلك لاعتبارات مهمة، تتمثل في:

التعليم العالي الأكاديمي حق أساسي إنساني.

التعليم العالي رافعة لتحقيق النمو الاقتصادي.

وسيلة ناجحة لسد العجز من الكوادر المدربة.

ضرورة لتعزيز المشاركة المجتمعية.

وسيلة للحصول على وظائف أفضل.

وعليه كانت من الواجب أن تستجيب السياسات العامة للحكومات لاحتياجات الفئات المجتمعية المختلفة ومراعاة التكوين والنسيج المجتمعي وتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة باستمرار، والتي حتمت على مؤسسات التعليم العالي توفير التدريب في مجالات مهنية وتكوينية وإدارية جديدة في سياقات جديدة نتيجة للطابع الإقليمي الذي اتخذه الاقتصاد.

وهنا تظهر مشكلة الأقليات في بعض المجتمعات، خاصة المجتمع العربي في إسرائيل، فرغم أن عدد المؤسسات الأكاديمية في إسرائيل قد بلغ 67 مؤسسة، إلا أنه لا يوجد أية مؤسسة منها في الداخل الفلسطيني، مما يعوق جهود وطموح الطالب العربي في الوصول إلى تعليم أكاديمي ديمقراطي؛ مما يظهر انعكاسات ضعف توثيق الروابط بين رسالة التعليم العالي وقطاعات النشاط المجتمعي والاقتصادي.

ورغم أنه من المعلوم سلفًا أن التعليم العالي في إسرائيل يجمع بين النماذج المرجعية لتصنيف الجامعات، وهي: الملكي الإنجليزي، الذي يؤكد على ضمان استقلالية الجامعة وتمتعها بالحكم الذاتي، والأمريكي البراجماتي الذي يحركه السوق ويتميز بروابطه الوثيقة مع المجتمع، والهامبولت الألماني الذي يشكل أصل البحوث ويحمل الجامعة واجب البحث والتدريس، والنابليوني الفرنسي الذي تستخدم فيه الدولة الجامعة في تحديث المجتمع، إلا أنه قد يعتري الطلبة العرب الشكل ذلك نتيجة العقبات والتحديات التي يواجهونها عند الرغبة في الالتحاق بالتعليم العالي الأكاديمي، من حيث خصوصية التعليم اليهودي، وحقوق المواطنة المجتمعية للعرب وتعزيز الهوية في الداخل الفلسطيني.

ورغم أن القانون الإسرائيلي يسري على كل سلطة عامة أمر عدم التميز، انطلاقًا من روح مبدأ المساواة العامة، إلا أن الطلبة العرب في إسرائيل يعانون تميز مستمر، وقد غبن حقهم على مدار السنين بصورة منهجية، وقد اعترفت إسرائيل بهذه الحقيقة في التعزيز الذي رفعته عام 1997 للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة وفي عدة مجالات منها: عدم المساواة على خلفية اجتماعية أو خلفية استثمارية مما ساهم في زيادة توسيع الفجوات في نتاج عمل الجهازين اليهودي والعربي.

منظور الفجوة في التعليم الأكاديمي

إن عدم المساواة وغياب إتباع سياسة التفضيل المصحح ساهم في زيادة معوقات تمتع الطلبة العرب في حقهم بالتعليم العالي الأكاديمي.

وذلك من خلال المنظور الأيديولوجي حيث إن هناك حالة من عدم الاتفاق بين واضعي السياسة التعليمية وبين الأقلية العربية في إسرائيل بخصوص مضامين التعليم الأكاديمي، وماهية الهوية والقيم التي يفترض أن يربى عليها الطالب الفلسطيني، وذلك سعيًا إلى بلورة هويته القومية والمدنية على حد سواء.

فكان جهاز التعليم العربي منذ قيام دولة إسرائيل أداة لتحكيم الأغلبية اليهودية بالأقلية العربية في إسرائيل، مما أدى إلى السيطرة أيضًا في أهداف التعليم ومضامينه، مثلما انعكس أيضًا في البنية التنظيمية للتعليم الأكاديمي.

وبعيدًا عن فلسفة التعليم الإسرائيلية، وأهدافه المبنية على التقدم العلمي والتكنولوجي، فإن التعليم الأكاديمي في سياق مجتمعي تستلزم المساواة بين الطلبة العرب الإسرائيليين، من خلال توفير المؤسسات الأكاديمية في أوساطهم التي تخدم هويتهم المجتمعية وتحقق لهم التقدم والانخراط في المحيط العلمي والثقافي وذلك لعدة اعتبارات، أهمها:

1- التعليم الأكاديمي رافعة اقتصادية يمكن النظر من خلاله للمؤسسة على أنها مؤسسة إنتاجية، تخرج الكفايات والعقول المفكرة التي تتحمل المسؤولية في خدمة المجتمع والارتقاء به.

2- التعليم الأكاديمي رافعة مجتمعية تهتم بالفرد وحمايته وتنشئته وتحريره من المشكلات وتعينه على تنمية قدراته، وتزويده بالاتجاهات الإيجابية التي تمكنه من الإسهام الفاعل في شؤون مجتمعه وإشباع حاجاته الأساسية وتحقيق خصوصيته في مجتمع كبير.

3- التعليم الأكاديمي رافعة ثقافية يركز على جملة مقومات تتفاوت من حيث التأثير، بما يتضمن الحفاظ على السلوك في إطار الخصوصية الثقافية والهوية العربية، وتنمية روح التفكير الناقد لحقيقة الأهداف التي تثبت في المناهج.

4- التعليم الأكاديمي رافعة علمية يسهم في تكوين وتشكيل المعرفة وذلك لما تملكه من بنية علمية معاصرة، تقدر الجهد الإنساني في خدمة البشرية وتحقيق الحد الأدنى من الرفاه الاجتماعي مساواة مع المجتمع اليهودي.

ويبدو أن الفجوة سالفة الذكر قد أرخت بظلالها على الطلبة العرب في الجامعات الإسرائيلية، حيث إن هناك نسبة ثابتة تقريبًا لهم منذ أواسط الثمانينات حتى اليوم رغم ارتفاعها في الجامعات الأردنية.

وقد يعزى السبب إلى ما أثبتته العديد من الدراسات حول مكانة المجتمع العربي في المجتمع الإسرائيلي، وأن تعامل وسياسيات الحكومات المتعاقبة الأقلية العربية في إسرائيل كانت متشابهة، ولم يحدث أي تغيير يمكن وصفه أو تقييميه على أنه جوهري.

وقد يعزى السبب في ثبات نسبة الطلبة العرب في الجامعات الإسرائيلية إلى عدة أسباب، أهمها:

1- إمكانية تشغيل محدودة لخريجي الجامعات، مما يولد الإحباط في نفوس الطلبة العرب وأسرهم، في كل ما يتعلق بشأن الجدوى من التعليم العالي، وبالتالي يفضلون العمل البديل له.

2- الوضع الاقتصادي للأسرة العربية يصعب عليها مساندة الأبناء خلال فترة التعليم الجامعي، خصوصًا في ظل ارتفاع رسوم التعليم مقارنة بالدخل المتوقع لخريج الجامعة.

وتجدر الإشارة هنا إلى قلة المصادر والأطر الداعمة للطلبة العرب سواء كانت مصادر حكومية (كما هو الحال بالنسبة للطلبة اليهود) أم من قبل الجامعات أو الصناديق المختلفة التي تقدم الدعم للطلبة اليهود.

3- مستوى التحصيل في جهاز التعليم العربي مقارنة بالمجتمع اليهودي، وذلك من خلال تحديد العلاقة بين نسبة الحاصلين على شهادة (البغروت) وبين نسبة الذين يواصلون تعليمهم العالي.

4- العلاقة السيكومترية المتدنية، حيث أن قبول الطلبة في الجامعات الإسرائيلية يتم وفق مقياسين، الأول: معدل شهادة البغروت وعدد الوحدات الدراسية في اللغة الإنجليزية والرياضيات، والثاني:علامة الامتحان السيكومتري التنبؤي وبالتالي تكون الفجوة بين الطلبة العرب واليهود كبيرة لصالح اليهود، هذا لو اعتبرنا أن الامتحان تم فيه مراعاة الملاءمة اللغوية والثقافية للمجموعتين.

التوصيات:

على ضوء ما سبق من عرض موجز لأهمية التعليم العالي (الأكاديمي) للأقلية العربية في المجتمع الإسرائيلي، وتوضيح ملامح المشكلة ومعالم الفجوة بين الجهاز العربي واليهودي، والذي أدى بطرية مباشرة أو غير مباشرة من حرمان الطلبة العرب من مواصلة تعليمهم الأكاديمي، ما يلي:

1- الضغط رسميًا على جهاز التعليم اليهودي بمراعاة الخصوصية اللغوية والثقافية في امتحانات القبول الجامعي للطلبة العرب.

2- إنشاء صندوق لتمويل تعليم الطلبة العب في الجامعات تدريس طلبة المرحلة الثانوية على اجتياز امتحان البغروت وشروط القبول في الجامعات وذلك بالتمويل وتوفير البنية التحتية.

3- إنشاء مركز عربي متخصص لمساعدة خريجي الجامعات الإسرائيلية من العرب للحصول على عمل يتناسب ومؤهلاتهم العلمية.

4- التقدم بمشروع من قبل أعضاء الكنيست العرب يدعو من خلاله إلى إنشاء مؤسسات تعليم عالي في المجتمع العربي (حكومية) أو السماح بإنشاء مؤسسات خاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد