تماوجت في نفسي خلجات شعورية متدرجة تدرجًا عكسيًّا على خلاف المألوف، وأنا على أول أعتاب النص، بداية من الغضب المتلاطم، والنفور الشديد لدرجة بلغت بي عدم القدرة على مواصلة القراءة، ثم حاولت التجرد قدر المُستَطاع– خاصة وأنا على ثقة كبيرة من صدق المؤلفة وعمقها في الوقت ذاته. أعقب هذا الغضب هدوء نسبي أعانني على مواصلة القراءة والاستفادة من الطرح المُقَدَم في الكتاب كثيرًا، مع إعمال الحس النقدي بناءً على استشعار مسئولية داخلية تجاه النص الذي بين يدي، وانتهاء بالتساؤلات «الجوانية»[1] التي بلورتها تجربة القراءة.

ومع التفكر في الأسئلة وجدت أنها لا تنفك عن مكابدتي الذاتية في تكوين تصوري وإيماني الشخصي عن الكليات الكبرى (الله وذاتي والواقع)؛ فقراءة الكتاب وما اعتمل في نفسي من مشاعر لا ينفك عن انشغالي بتلك القضية، ومن الواضح أن الكتاب قد قذف صخرةً كبيرةً داخلي ليتناثر على إثرها بعض الأسئلة التي تتعلق بذاتي وذات الكاتبة والنص الذي بين أيدينا. وسأعمد على تناول كل منهما تباعًا.

بداية أحسب أنني لو كنت قرأت هذ الكتاب في مرحلة سابقة من حياتي لكنت قد اتخذت قرارًا للخروج من الملة؛ والسبب في ذلك أن الطرح المصوغ في الكتاب يفترض ذاتًا متلقيةً على درجة من الاستقرار النفسي والثبات الوجداني أعلى من المتوسط العام بدرجة ليست هينة، كما تفترض الكاتبة واقعًا أقل ما يُقَال عن أنه هادئ، بلا متغيرات كثيرة؛ واقع توحيدي[2] وبالتالي يسهل عملية البناء عليه والتفاعل معه بقدر من الإجراءات التحسينية– حتى وإن كانت تلك الإجراءات ستستغرق وقتًا طويلًا، تظل الفرضية أن الواقع يُمكِن البناء عليه بطريقة معلومة التفاصيل وواضحة الملامح، وإن تفاوتت درجة الصعوبة عما كان في الماضي.

وهذا يُرجِعنا إلى نقطة قبلية بالغة الأهمية في تقديري؛ لأنها منبت الاختلاف بين أطروحتين أساسيتين (الأطروحة التراثية في مقابل الأطروحة المعاصرة عن قضية التصور، والذي بلورها سيد قطب وأثراها الكثيرون بعده)[3] ومنشأ ثنائية المفكر/ الفقيه[4] في العصر الحالي، ألا وهي التصور الشائع عما يُشَار عنه بالأسئلة الوجودية، أو الـ(grand narratives) أي الكليات الكبرى أو بلغة أدق: قضية التصور الإسلامي وموقعها في الواقع المُعاصِر. والتصور معني في الأساس بثلاثة أسئلة: هل للكون إله أم لا، وإذا كان ما هو تصورنا عنه؟ من الإنسان؟ وماهية الكون الذي نعيش فيه؟ وعلى ما تأتي به الإجابة وتستقر عليه، تُنبى التفاصيل والجزئيات على أساساتها. وعلى قدر ما في هذه الإجابات من فاعلية وخطورة، على قدر عدم الالتفات إليها وأخذها كبداهات في واقع المسلم المُعاصِر، وكأن التربة التوحيدية ما زالت كما هي، فلقد جاوب لنا الشرع عن كل هذه الأسئلة، وما علينا إلا أن نُحَمَلها؛ فنحن المسلمين نقول إن للكون إلهًا كما عرف نفسه في الوحي (قرآن وسنة) بأسمائه وصفاته، وأن الإنسان هو عبد الله، والكون أو الدنيا هي تربة الإنسان للعمل الصالح والاستخلاف والعمارة، فهل من بعد ذلك شيئًا يُذكر على مستوى الكليات!

وما استقر عندي –وما لم تنتبه إليه الكاتبة كشأن الكثير ممن يتفاعل مع الواقع في الوقت الحالي محاولًا الإصلاح– أن هذه بداهات نعم، ولكنها بداهات مفقودة في الواقع الحالي، مهما ادعى البعض غير ذلك؛ فالمنطلق التوحيدي الذي يُبنى على استقرار تلكم الكليات في نفوس مؤمنيها قد تم تبويره وأحل محله واقعًا «حلوليًّا»[5]، حيث إن كل الأمور قد تم حسمها، وما بقي إلا بعض رتوش الزينة على أن الله هو الخالق والإنسان العبد والكون الذي يعمره خليفة الله في الأرض، ولكنها هذه الإجابات في حقيقية الأمر أضحت واجهة تزين بطانة لا تقوم على التصور الإسلامي الصحيح.

وبالتالي فما أراه أن أي محاولة للإصلاح تتجاهل بأي قدر هذا الواقع الذي نحياه هي محاولة غير ناجعة على أقل تقدير مهما بذل فيها من جهد؛ فالواقع المغاير لا بد له من أساليب أخرى؛ والبناء في تربة «حلولية» غير هذا الذي في تربة توحيدية: فهل ينفع من يزرع في تربة صخرية مثلًا زيادة السماد بدعوى أنه يريد الخير أم أنه عليه أن يجتهد في فهم نوعية التربة جيدًا بما تقتضيه عملية الزراعة في تربة صخرية، لا وفقًا لما تراكم لديه من خبرات عن الزراعة في تربة طينية مثلًا. ولا ضير من استدعاء الخبرات القديمة في الزراعة شريطة أن يجد أنها تناسب فعلًا واقع التربة الجديد، فهو لا يفرضها على الواقع فرضًا ولا يتكلفها تعسفًا، ويتحمل مشاق عدم الإنجاز والزراعة المباشرة لمدة من الزمن حتى يصل إلى وسائل جديدة للزراعة وفقًا لاختلاف التربة الحاضنة للبذور؟!

فالمنطلق الذي أثار غضبي بحدة في بداية الكتابة عدم إدراك الفارق المتابين لما نحياه الآن، وهذا تجلى بقوة من السطور الأولى –كما سأبين عندما أتعرض للنص نفسه– وأهم ما يثار لأجله الغضب شعور الشخص المستقبل دومًا بأن من يمثل الدين يحاول دائمًا أخذه إلى النقطة لا تعبر عن مشاعره الحقيقية التي داخله، لا تكلمه عن إحباطه، عن وهنه، عن كسله، ولا تقبل معاناته وتفسخ ذاته على إثر «المعارك الصغيرة»[6] التي يشعر بسحقها إياه في كل لحظة، بل إنه في حاجة دومًا للانتقال لحالة مفترضة لا يعرفها، عليه أن ينهض حتى يذوق، وكأن كل ما يعتمل في نفسه من مرارة وإخفاقات غير منظور له، وغير مُقَدَر، ولا بد له حتى يُقبَل أن يفعل كيت كيت ويقلع عن كذا وكذا. وهذا الطرح –وإن كان قد يثير الوجدان سابقًا بسرعة– فهو الآن يثير الغضب والتحفز بعد الأحداث الجسام التي تحدث في عالم النفوس الداخلي والمعترك الحياتي الخارجي، ومع كثرة المتتاليات المُحبِطة والجهود المضنية المبذولة لقولبة الحق في صورة مُنَفِرة، أنتج الوجدان الجمعي أجسامًا مضادة لمثل تلك المضادات الحيوية الوعظية التقليدية، بات الغضب والنفور ردة فعله منها بدلًا من تأنيب الذات، ثم شحذها نحو التهذيب.

وإذا ما انتقلت من الحديث عن انطباعي الشخصي لرصد العلاقة بين ذات الكاتبة والنص، لن أستطيع طبعًا أن أغفل أن معرفتي بالكاتبة ستتدخل لا محالة في تحليلي– وحتى وإن لم أفعل ذلك بشكل واعٍ. فالكاتبة إنسانة أحسبها صادقة جدًّا– ولا أزكيها على الله -حية المشاعر والوجدان- وأظن حيويتها ظهرت في النص بدليل قدرته على استثارة مشاعر الغضب داخلي بداية من أوائل صفحاته؛ فما يحفز الشعور بالإيجاب أو بالسلب يدل عندي على صدق صاحبه، ويبرهن على حيوية القضية التي يتناولها في نفسه.

وعلى مستوى الكليات، فهي تفقه بعمق نفسها وربها، وأكثر ما لمسني وفضح قدرتها على البيان والفهم العميق لمكنونات النفس مقالها عن الاعتذار في الفصل الأخير من الكتاب. وهي -في الوقت نفسه- تفتقر إلى فهم الواقع الذي نحياه الآن كما هو، وأحسب أن هذا ليس تكاسلًا منها أو تغافلًا متعمدًا، ولكنها أقدار الله التي ساقت لها نشأتها وتربيتها والتي أظن أن قدر المتغيرات فيها كان معدومًا أو شبه معدوم، فبالتالي لم تضطر إلى التفاعل مع الواقع كما هو، والفارق أشبه بمن لم تضطره الظروف لدس يده العارية في جسد عليل، ولهذا فإن تجاربه كلها منقولة من تحت القفاز.

وهي كذلك عندها قدر عالٍ من المخاوف تجاه أي مؤثر خارجي يمكن أن يصيبها بالحيرة أو الاضطراب، وتعتبره شرًّا بالضرورة لا بد من تخطيه مما يعيقها عن الوصول إلى إدراك مُرَكَب؛ وحمى عدم اختراع العجلة من البداية تصيب دائمًا من يتبنى رؤية ثنائية الأبعاد، بل هي متتالية منطقية للمقدمة الأولى؛ فالرؤى المُرَكَبَة مُربكة، وتحتاج لمكابدة يخاف الكثير خوضها وتكبد مخاضها، ويكتفي بالقراءة عنها أو السماع من تجارب الآخرين لا معايشتها بنفسه ومكابدة معانيها، وفقًا لتفاعل جاد مع أقداره دون قفاز.

وأكرر أن الكاتبة ما زالت غير مُدركة لهذا البعد الذي أتكلم عنه، بل قد تظن أنها على درجة عالية من فقه الواقع لأنها في النهاية تتفاعل معه فعلًا، ولا تدرك ما قيمة نزع القفاز وملامسة الجسد العليل، وما الاضطرار لتحمل احتماليات الإصابة بمرض معد أو التقزز العام الذي يصحب هذه العملية. وأحسب أن صدقها كان سيجرها بالتأكيد لما أقول لو أدركته هي بنفسها، ولكن الإنسان في النهاية مطالب بفهمه هو كما يراه، لا كما يراه له غيره إلا إذا وقع في قلبه شيئًا مما يُقال له، واستشعر صدقًا أوجبه الالتفات إلي ما ينقصه لثقل تصوره وتعميق حسه وفهمه.

ولن يعدو الاستشهاد بالنص إلا تقريرًا للنقاط السابق ذكرها في مجال الحديث عن انطباعي كمتلقٍ للنص، ورؤيتي للرؤية التي تتبناها كاتبته من كون الكتاب يعكس عدم إدراكها للواقع إدراكًا عميقًا يكافئ إدراكها لنفسها وربها؛ مما أفضى إلى رؤية تتسم بالفاعلية والإنجاز السريع ولكن -على ما أزعم- ضررها أكبر من نفعها وفقًا لرؤيتي للواقع الذي نحياه الآن، وبناءً على مشاعر الغضب الجامحة التي هيجها النص منذ طليعة المطالعة.

استهلت الكاتبة كتابها بعنوان فرعي: نعم الله السابغة: هل لها من شكور؟ وأعقبته بتلك الفقرة:

ألم تتفكر يومًا في آلاف المشردين حوال العالم، الذين لا حظ لهم من أبسط مطالب الحياة الإنسانية الكريمة، بل لعل بعضهم يُمضي سحابة يومه بحثًا عن قوت يسد رمقه، في حين أنك تتمتع برفاهية التعلم وأسباب طلبه، آكل شارب نائم قائم في مسكن آمن، ألا تشعر بثقل هذه الأمانة؟ أنت ولدت بامتيازات أسبغها عليك وضع لم يكن لك فضل في تحصيله، فلا أقل من أن تشكر تلك النعم علها أن تدوم؟

إن من صميم شكر الله تعالى لكل نعمة وهبة تفضل بها علينا، هو استثمارها فيما خلقت له وتنفع به، وجحود ذلك الفضل لا يكون فقط بسوء استغلال النعم، بل كذلك بإهمال أمانتها وإهدار طاقتها.

وإذا ما شرعنا في تحليل هذا المقطع من حيث المنطلق الذي يبدأ به، فنجد أن كاتبته تفترض إنسانًا يعي على الحقيقية مثل تلك الكلمات (التعلم – طلب العلم – الأمانة – شكر)، ويعلم مقتضى العمل بها والسعي وفقًا للمسؤوليات المُلقاة على عاتقه على إثرها. وما ندعيه أن مثل تلك الكلمات لا بد لها من منطلقات تنطلق منها وتنبي عليها مثل (الإله – الذات – المسئولية الفردية)، فالكلمات الأولى فرع على الأصل الذي ذكرناه، وأحسب بدرجة ترتقي إلى غلبة الظن أن المتوسط العام من المجتمع غائبة عنه تلك المفاهيم الأولى، فضلًا عن تكوين فروع عليها.

وبالتالي يكون حال من يقرأ إما عدم الاكتراث لأن الكلمات لم تضرب أوتار قلبه بسبب تهرئتها منذ زمن، لذا فالبداية ليست في محاولة العزف على أوتار قلب المتلقي ابتداءً، بل في تنبيهه أن عنده قلب بداية! وصدقًا يقول أحد معارفي نقلًا عن إنسان آخر لا أعرفه تحديدًا من هو: يجب علينا البدء من نقطة أن للكون ربًّا، وأنه خلق السماوات والأرض، ثم مساعدته في فهم مشاعره ثم في نهاية المطاف بعد عملية طويلة تزويده بالأدوات التي تناسب احتياجاته لا الكلام معه عن الأدوات بشكل مطلق، وكأن كل الأدوات صالحة لكل الناس. وإذا لم يتم ذلك، يكون الغضب هو حال المتلقي من تلك الرسائل التي لا تعبر عنه لأسباب عدة أدت إلى تشبع وجدانه من هذه الحالة الوعظية التي لا يضع ساطروها في حسبانهم أنه غالبًا ما يشعر بأقصى درجات الشقاء؛ فما يقال له إنها نِعَم توخزه باستمرار، فالأهل والمدرسة وغيرهما هم جاثم على نفسه كما يتوهم، وليس الأمر هذا فحسب بل وعليه في هذا الشقاء واجب إضافي أن يشكر الله –الذي لا يعرفه على الحقيقة- على ما يراه من بلاياه! والشقاء يتأتى لأن هذه النعم لا تبنى على تصور حقيقي يشعر فيه الإنسان أنه حر وبالتالي مسئول عن تصرفاته. هل سيجادلني أحد إن قلت إن معظم طلاب المدارس والجامعات لا يعلمون حقيقة لماذا هم في هذه الأماكن؟ هل سيناقشني أحد إن قلت إن شعورهم بسلب الإرادة يجعل من هذا التعلم حملًا ثقيلًا جاثمًا على الصدور وهمومًا طابقة على النفوس؛ مما يجعل مثل تلك النبرة الوعظية الحادة تُقَابل بالسخط والضجر أو السخرية (الوجه الآخر للحالة الأولى). فالمشرد المسئول الواعي قد يكون أفضل حالًا ألف مرة من طالب المدرسة الإنترناشونال الذي يغدق عليه أبواه أموالًا طائلة ليحصل على أعلى الشهادات، وهو في الحقيقة لا يعرف نفسه ولا يفهم عن ربه الذي هو مطالب الآن بشكر ما نسميه نحن له نعمة، والحقيقة أنه لا يشعر بالحياة بسبب القيود المُكَبِلة له، والرسائل الخفية في المواقف الحياتية المؤكدة له بعجزه وضرورة إذعانه للأمر الواقع.

كثيرًا ما ورد في الكتاب الحديث عن التخطيط لليوم وإدارة الوقت وفكرة التطوع وقضاء الوقت في الأعمال التطوعية، وأن الدراسة شيء وطلب العلم أمر آخر، فعلى الإنسان أن يجعل لنفسه خطًّا موازيًا من التعلم لا علاقة له بالمدرسة. ومثل تلك الفرضيات تعكس قصورًا في إدراك الواقع كذلك، وتوحي بطرف خفي الإغفال غير المتعمد للتربة «الحلولية» التي تحاول الكاتبة الزراعة فيها واستثمار طاقات الفرد داخلها. فهل سيستطيع الطالب مسلوب الإرادة هذا أن يجعل لنفسه خطًّا موازيًا للتعلم الذي رسخ في وجدانه أنه يكبل حريته، وأنه لا يعبر عنه حقيقة؟ وهل سيقوم آخر بالتطوع في منظومة تعطيه رسائل خفية دومًا أن الوقت يساوي مالًا؟ لذا فلم يبعثره دون عائد! ناهيك عن أن تلك المنظومات الحديثة مثل الجمعيات الخيرية والمدراس وغيرهما، ما هي إلا تجليات لتصورات لم تقم ابتداء على التصور الإسلامي الصحيح لله والكون والإنسان، لذا فهي غالبًا ما تدار وتتحرك لنقض البداهات التي يقوم عليها هذا التصور، حتى وإن تمت عملية النقض تلك بشكلٍ لا واعٍ بواسطة أناس مسلمين، بل قد يكونون من الملتزمين أصحاب اللحى للرجال والنقاب للنساء. باختصار مثل تلك المنظومات، ما هي إلا خمارة بعدما لصق على واجهتها «خمارة الحاج محمد» على حد تعبير المهندس أيمن عبد الرحيم.

والسؤال الذي أطرحه: أليس من الممكن أن تكون عبادة الله في ترك الطالب المكبل للدراسة النظامية؟ أليس في وهب الحياة كلها لله مكابدة للتعبد أولى من إقرار الواقع على ما هو عليه بإنفاق بعض الساعات في الأنشطة التطوعية؟ أليس من الأولى محاولة استنطاق مفاهيم أكثر جدية من التطوع والمدرسة والعمل النظامي تعبر حقيقة عن تصور كلي صحيح؟ وخاصةً إذا ما علمنا أنه قد أقيم ابتداء على جثة الفطرة الإنسانية وأشلاء التصور الرباني!

وعلى مستوى الأسلوب الخطابي اتسمت الفصول أجمعها عدا الفصل الأخير بنبرة وعظية خطابية، تنوعت بين ترسانة شرعية، وديباجات تنمية بشرية لم يتم هضمهما في ذات الكاتبة هضمًا كافيًا، وهذا لا يعد عيبًا أو نقصًا في مراحل التأليف الأولى حيث ما زالت القراءات على مثال «الفخفخينا» كل جزء قائم بذاته. وفي تقديري، أن معايشة الأفكار –أو وفقًا للمصطلح القرآني مكابدتها– هو ما يعين على الهضم، ومن ثم الإضافة الفريدة.

ومن أمثلة الخطاب الوعظي التقليدي المشوب بنكهة التنمية البشرية إيراد الكاتبة استدلالات منطقية على شاكلة أننا نعلم علم اليقين أن الخشب يتم تلميعه، فلا يعقل أن ينظفه أحد بنقعه في الماء مثلًا وهلم جر من حجج للوصول إلى أنه كما كان الحال في حالة الخشب، فكذلك هو في حالة مثلًا اكتساب المهارات أو التعلم أو بناء المعاني… إلخ. فكل تلك الأشياء المعنوية –مثل ثقل المعاني- لها سبلها الواضحة الجلية تمامًا كما هو الحال في مثال تنظيف الخشب بتلميعه لا نقعه في الماء. وهذا الأمثلة ذكرتني بالمثل الدارج الذي يُساق دومًا للاستدلال على وجوب إخراس من يتصدر للحديث عن الدين من غير المتخصصين، وهو كما أنه لا يجوز أن يتكلم في الطب من ليس بمتخصص فيه، فالدين أولى.

وفي تقديري أن مثل تلك الحجج تدل على مغالطة واضحة على أقل تقدير، بل وعلى إقحام ضمني للتصور المادي في عالم الغيب وما يستتبعه من معاني؛ فالمؤمن والكافر يعلمان مثلًا أن الخشب لا ينقع في الماء، ولكن كليهما يختلف على ما يظنه الآخر من البداهات. وحتى لا أستطرد كثيرًا، فما أريد تفنيده أن عالم المادة واضح جلي، أما عالم المعاني فسيظل محل تفاوت في الفهم بحسب العقول والقلوب الشاربة له، ولا يعني ذلك السيولة التامة والنسبية المطلقة في أن يفهم من يشاء ما يشاء، فهذا خطل لا أقره، ولكن القصد أن السعة هي الأصل في عالم المعاني والمُجَرَدَات، وأضف عليها الربكة التي يجب علينا تفهمها، لا بسبب نسبية المعاني ولكن بسبب التباس الواقع الذي نحياه، وبالتالي لا بد من التأني والتروي قبل رسم الصور ووضع المنهجيات للتأكد أنها تناسب الحالة المنوطة لها. لذا فإيراد الأمثلة المادية للبرهنة على مساحات المعاني هي مغالطة منطقية على أقل تقدير، وشرك خفي في أعلى مستوياته – الذي أحسب أن الكاتبة لا تقصده قطعًا ولا تعيه على هذا النحو؛ لأنها المساحة التي تصل في أعلى تجليتها إلى خضوع عالم الشهود والغيب للمحاكمة في محكمة الواقع، لا العكس التي من المفترض أن تكون الحالة السوية في التصور الإسلامي.

مما جذبني بشدة في الكتاب الفصل الأخير إجمالًا بعنوان في النفس والقلوب والمعاملات وخاصة المقالة التي تحمل عنوان فلا أنت أسف ولا أنا. حملت المقالة حالة مكابدة حقيقية وأصيلة وعكست خليطًا ناضجًا لفهم كاتبته للكليات الثلاثة إجمالًا، فأتى المقال لا على مثال «الفخفخينا» أي أن كل قطعة من التصور بمفردها ولكن على مثال الموز باللبن؛ فالموز واللبن والسكر قد اختلطوا بصدق وأصالة، فبات ثلاثتهم حاضرين ولكن لا يمكن نزع أحدهم. وأحسب أن مثل هذا الفهم هو المطلوب في الوقت الحالي. ومن أفضل ما خطت يمينها في الكتاب على الإطلاق بناء على ما تذوقته «وقد يبكي فيك من الألم كل شيء سوى عينيك». وتظهر هذه المقالة أن الكاتبة –في فصول الكتاب الأولى- لم تتغافل الواقع عن عمد، ولكن هذا الطرح يعبر على ما أدركته منه، وهذا يعكس الصدق وهو ما يهدي إلى البر، ومناطه في تقديري فقه أوسع وإدراك أعمق للتصور الصحيح بفقه الواقع على حقيقته.

وكإجراء تحسيني، أرى أن يتم تقديم الفصل الأخير في الكتاب ليتصدره؛ فاللين والهدوء الذي يتسم به هذا الفصل، بل وشذرات الإدراك العميق الذي يحويه الفصل أدعى للتصديق والقبول، خلافًا للقرع الوعظي في أول صفحات الكتاب إذا ما قُدِر للكتاب أن يُعاد طبعه بإذن الله.

وختامًا أرى أن الكتاب بهذا النمط وفقًا للحالة المجتمعية السائدة بحسب ما أرى لن يزيد الوجع إلا إيلامًا، ولن يزيد المرض إلا استفحالًا، وسيكون ضرره أكبر من نفعه إذا ما تم تداوله على نطاق واسع؛ لأنه سيكون كالمضاد الحيوي في جسد قد كون أجسامًا مضادة لمثل تلك العقاقير، فيكون عمله تقوية للمرض وحصانة له وإن كان هو في ذاته قد يصلح كدواء في ملابسات حياتية أخرى. ولذا أقترح أن يتم تداوله على نطاق ضيق بعد عملية معايشة طويلة للكليات لمن سيقرأه، فيكون الكتاب جيد على مستوى الأدوات بعد مرحلة استنطاق الفطرة، وحث التصور على أن يصبح حاكمًا ومهيمنًا بمقتضاه على صاحبه. وعلى حد علمي فالكتاب مسودة لرحلة طويلة عايشتها الكاتبة مع البعض لتشرب ما جاء في الكتاب، وأرى أن يظل الكتاب في نطاق التداول الضيق ممن يمكن لهم التشكل وفقًا للنموذج المطروح في الكتاب، ولكن على الشخص المتلقي الوعي أنه ما زال أمامه الكثير من فقه الواقع ومعايشته ووضع ما قيل محل اختبار حتى لا يعصف به أو بها الواقع، فيكون اليأس والعجز الإحباط الثمار والعياذ بالله نظرًا لما تفتقده الرؤية المطروحة للعمق الكافي في إدراك الواقع وفقهه.

وأحسب أن صدق الكاتبة سيسوق لها من الأقدار ما يعمق لديها الشعور بالواقع وتحدياته الحقيقية ليصبح إنتاجها المستقبلي أكثر سدادًا ونفعًا بإذن الله.

كانت هذه هي حالة قراءتي لكتاب «إضاءات على طريق بناء الذات» لوالدته هدى عبدالرحمن النمر. أسأل الله لها القبول بين أهل الأرض والسماء.

والله الموفق والمستعان.
_________________________________________________________________________________________________________

[1] مصطلح الجوانية ترجمه أ. محمد يوسف (1934-) عدس لكتاب «الإسلام بين الشرق والغرب» للمفكر البوسني والمجاهد علي عزت بيجوفيتش (1925-2003).

[2] أفرق بين المنطلق التوحيدي الذي يُبنى عليه فروع من جنسه وبين الواقع الحلولي في مجموعة من الأبحاث. أسأل الله أن يكتب لي إنجازها وأن يُكتب لها القبول.

[3] المقابلة هنا لا تعني التضاد.

[4] الثناية هنا ليست حدية ولكنها فضفاضة.

[5] في كتابه «رحلتي الفكرية» يشرح المسيري الحلولية ص386-394 كنموذج تفسيري.

[6] مصطلح استخدمه المسيري في كتاب «رحلتي الفكرية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد