تناقش الكاتبة إلين إن. أرون في هذا الكتاب سمة الحساسية المفرطة لدى بعض الأشخاص، السمة التي يتميز بها 15- 20% من الأشخاص على مستوى العالم؛ تلك السمة «الأرستقراطية» كما أحبت أن تقتبس الكاتبة في مقدمة كتابها، والتي لا تعني بها الأرستقراطية السلطوية؛ وإنما أرستقراطية سامية متجسدة في فرط الحساسية والإحساس المرهف، ومراعاة شعور الآخرين. فالأشخاص بالغو الحساسية – حسب مفهومها- هم عماد المجتمعات على مر العصور وجوهر رقيها، وهم النور وسط ظلمة الوحشية والفوضى والعنف، هم الشجعان بقدرتهم الفائقة على مراعاة شعور الآخرين ودعمهم دون الشعور بالضجر مع قدرة عظيمة على الصمود.

عند حديثها عن «البحث الأول» الذي قامت به هي وزوجها في هذا الشأن، والذي كان الغرض منه هو توضيح أن الحساسية المفرطة تختلف عن الانطواء أو العصبية (حيث الميل للتوتر أو القلق المفرط)، ثم ما تلاه من دراسات توضح أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الطفولة هم أكثر عرضه للإصابة بالاكتئاب، أو القلق، أو الخجل من أولئك الأقل حساسية ومروا بالظروف نفسها.

من هم الأشخاص بالغو الحساسية؟

تشير الكاتبة إلى رغبتها في تيسير وتبسيط هذا الحالة فتضع توصيف للحساسية المفرطة/ البالغة في أربع نقاط نفصلها كالتالي:

الصفة الأولى: معالجة الأمور بتعمق

وهي النزعة إلى معالجة الأمور بعمق شديد، ورؤية ما يقبع خلف العناوين وما بين السطور، مع قدرة عالية على الربط بين الموقف الآني وتجاربهم السابقة والمواقف المشابهة، ويأتي كل ذلك متزامنًا مع المقارنة والمقاربة؛ سيان بشكل إرادي أو لا إرادي. وكل هذا يكون مصحوبًا بحدس عالٍ يُمكِّنهم من الفهم والربط والمعالجة، ومن ثَم الوصول إلى قرارات حكيمة (غالبًا). ومردود ذلك – طبقًا للأبحاث- هو ارتباط هذه السمة باستخدام نسبة أكبر من المخ؛ تلك المعنية بالمعالجة و«الأكثر عمقًا وفهمًا» للمعلومات؛ مما يُمكِّنهم من المراقبة الدقيقة وتوظيف تلك المهارات الإدراكية العالية على هذا النحو. فهم يتطلعون إلى ما وراء القشور ليعرفوا طبيعة الأمور. كما أوضح بحث آخر لـ«أسيفيدو» أنه لدى ذوي الحساسية المفرطة نشاط ذهني أكثر من غيرهم في منطقة تسمى إنسولا؛ وهي الجزء من الدماغ المسئول عن الحالة الداخلية والمشاعر، ووضع الجسد، والأحداث الخارجية، تلك المسماة بـ«مركز الوعي».

الصفة الثانية: سرعة الإثارة

يتميز مفرطو الحساسية بأن استجابتهم للأمور الجارية في محيطهم عالية جدًّا مع القدرة على جمع التفاصيل الصغيرة المتعلقة بهذا الشأن. ويؤدي كل هذا – بشكل ما- إلى استنزاف طاقتهم (تخيل الأمر باستخدامك لبطارية هاتفك عند استخدام تطبيق ما بمعدل استهلاك عالٍ)؛ فهكذا يتفاعل ذوو الحساسية المفرطة مما يؤدي إلى الإجهاد الذهني والقلق، ومن ثَم النزوع إلى الصمت قليلًا والتوقف مؤقتًا، مع تجنب المواقف المثيرة للانفعال أكثر من غيرهم، بناءً على ما تعلموه سابقًا.

وفي دراسة حديثة أعدها «فريدريك جيرتسبرغ» في ألمانيا، أجرى فيها مقارنة ذوي الحساسية مع غيرهم في القيام بمهمة مضمونها تحديد وجود حرف معين بين الكثير المكرر من حرف معين آخر على الشاشة. وأظهرت النتائج أن ذوي الحساسية المفرطة أسرع وأكثر دقة من غيرهم، ولكنهم أكثر شعورًا بالإرهاق من غيرهم. وكان هناك تساؤل: هل كان هذا مردوده المجهود الإدراكي أم التأثير الانفعالي؟ لكن لم يكن الهدف هنا الإجابة عنه بقدر إثبات حقيقة الإرهاق الناتج عن التعرض للحمل الزائد.

الصفة الثالثة: الاستجابة العاطفية

ثبت بالدليل استنادًا إلى العديد من الدراسات والتجارب، أن ذوي الحساسية المفرطة يتفاعلون مع التجارب بنوعيها؛ الإيجابية والسلبية بشكل أكبر من غيرهم ممن لا يتسمون بهذه السمة، كتلك التي أجرتها «ياجا ياجيلويتز»، والتي تؤكد ذلك وخصوصًا في المواقف التي تحمل تكافؤًا إيجابيًّا، على حد قولها، بل تمامًا في حالة قضائهم طفولة سعيدة. كما أكدت في دراستها المذكورة آنفًا أن تلك الاستجابة للصور الإيجابية ليست فقط في مناطق المخ التي تتعلق بالتجربة الأولية عن المشاعر، وإنما أيضًا بالمناطق «العليا» الخاصة بالتفكير والملاحظة تلك السابق ذكرها عند مناقشة نقطة التفكير بعمق؛ إذ إن الاستجابة لتلك الصور الإيجابية، والتي تتحسن عندما يكون الشخص قد قضى طفولة آمنة، تتناسب مع المفهوم الذي قدمه «مايكل بلويس» و«جاي بلكسي» وهي فكرة «الاستجابة المتميزة». وقد وضعا العالمان هذا المفهوم بهدف إبراز الإمكانات المحتملة لدى مرهفي الحس للاستفادة من الظروف والأنشطة الإيجابية.

وتنطوي هذه الصفة أيضًا على التعاطف، وهذا ما تَبرهن بنظر ذوي الحساسية المفرطة إلى بعض الصور المتضمنة لبعض المشاعر، فإذا بهم يُظهرون نشاطًا أكبر في منطقة الإنسولا ومناطق عصبية أخرى، وخاصةً عندما ينظرون إلى الوجوه السعيدة لمحبوبيهم. ووُجد أيضًا أن هذه المناطق المخية لا تجعلنا فقط قادرين على التعلم من خلال المحاكاة، وإنما – عند مفرطي الحساسية- تساعدهم على معرفة ما يفكر فيه الآخرون وما يشعرون به. فيما يمكن وضعه تحت عنوان الأعصاب المسئولة عن قدرة التعاطف. وهذا ما يمكن صياغته بعبارة أن ذوي الحساسية المفرطة لا يعرفون فقط ما يشعر به الآخرون؛ وإنما يشعرون إلى حد ما بما يشعر به الآخرون، وهذا يتأكد بنشاط تلك الخلايا العصبية لديهم، وخصوصًا إذا كان هناك شخص حزين حولهم، فإنهم يشعرون بنشاط كبير في هذه الخلايا مصحوبة برغبة في التفاعل والقيام بشيء ما (ما نسميه نحن التعاطف).

عند هذه النقطة استحضرت الكاتبة سوء فهم شائع بين الناس؛ وهو أن العواطف تجعلنا نفكر في الأمور بطريقة غير منطقية، لكن هذا ما نفته دراسة حديثة عن التفكير العلمي، والتي استعرضها المعالج النفسي «روي بوميستر» وزملاؤه، إذ أثبتت أن العواطف هي أحد أسباب الحكمة؛ ومنبع هذا من خلال أننا نشعر بمعظم تلك العواطف بعد وقوع الحدث، وهذا بدوره يساعدنا على تذكر ما حدث والتعلم منه، فعمق التفكير بالحدث، ومدى التأثر به، هو ما يجعلنا نهضمه بشكل أفضل ونتفادى الوقوع فيه مرة أخرى، مع ازدياد فرص نجاحنا في المجمل. هذا بالإضافة إلى ما أثبتته الدراسات من أن وجود دافع عاطفي هو ما يحفز الناس للتعلم بشكل جيد، والأمر أكبر لدى الشخص مفرط الحساسية؛ لأن وجود الدوافع العاطفية هي بمثابة حافز له. ثم أعقبت الكاتبة هذا بملحوظة مفادها أن الشخص مفرط الحساسية منبع تفاعله مع الأحداث بصورة كبيرة هو مدى شعوره بالعواطف الإيجابية؛ مثل التطلع للمعرفة، وتوقع النجاح، والرغبة الجامحة في القيام بشيء ما، والشعور بالرضا، والبهجة، والقناعة على حد قولها. كل هذا بالإضافة إلى اختلاف تفاعل ذوي الحساسية المفرطة عن غيرهم؛ فهم يتفاعلون مع الأحداث ولديهم نضج أكبر، وهذا بدوره يُمكِّنهم من الاستمتاع بصورة مميزة عندما يحصلون على النتائج الجيدة، مع معرفة طريقة الحصول عليها.

الصفة الرابعة: استشعار التفاصيل الدقيقة

يتميز مفرطو الحساسية بمحور شديد الأهمية، وهو الاهتمام بالمدخلات إلى عالمه؛ تلك المدخلات المتمثلة في الاهتمام بالتفاصيل، وخصوصًا الصغيرة. فالأشخاص مفرطو الحساسية يلتفتون إلى التفاصيل الصغيرة التي لا يكترث لها الآخرون. لكن على الرغم من ذلك، فإن هذه السمة لا تدور فقط حول الإدراك غير العادي، وإنما لأنهم يتعاملون مع المعلومات الحسية بمزيد من العناية، وهذا ليس لوجود حواس أو قدرات خارقة؛ وإنما لنشاط أجزاء المخ نفسها التي تقوم بمعالجة معقدة للمعلومات الحسية. تلك التي تبحث عن المعنى الدقيق (والعميق) للكلمة.

وتختم الكاتبة هذه الفقرة بوصفها بأن استيعاب ذوي الحساسية المفرطة لتلك التفاصيل الدقيقة (والعميقة)، أو كما أحب أن أقتبس وصفًا يتمثل في امتصاص الحياة حتى نخاعها، هو أبسط ملذات الحياة بالنسبة لهم، وما يصحبه من وضع خطط للرد بناءً على معرفتهم الواعية بالإشارات غير اللفظية للآخرين؛ تلك التي تعبر عن حالاتهم المزاجية، ومدى مصداقيتهم.

مفرطو الحساسية ليسوا متطابقين

تحت عنوان «كل فرد من ذوي الحساسية المفرطة مختلف عن الآخر، والواحد منهم يتصرف بطريقة مختلفة في الظروف المتباينة» توضح الكاتبة أن مفرطي الحساسية طيف أو مدى واسع، وليس لدى الجميع منهم مقدار الحساسية نفسه تجاه كل الأشياء والظروف، وأن للشخص نفسه مقياسًا يختلف من آن لآخر تبعًا لحالته وللظروف المحيطة بحسب حالته الشعورية، وبحسب سماته الأخرى وتجاربه وخبراته السابقة، وبالتبعية هم ليسوا متفهمين ورائعين طيلة الوقت. وأن هذه الصفات الأربع هي بمثابة مبدأ توجيهي لفهم هذه السمة، ولكنها ليست بجامعة مانعة .

من الملاحظ أنه من الممكن أن نقول بأن الجميع قد يمرون بحالة من الحساسية المفرطة في بعض الأحيان، كما أن الشخص نفسه يصبح أكثر حساسية كلما تقدم في العمر. وفي واقع الأمر أن أغلب الأشخاص يصبحون مفرطي الحساسية في مواقف معينة سواء أقروا بذلك أم لم يقروا. وبالطبع قد يشعر بعض الأشخاص ممن لا يمتلكون هذه السمة بأنهم معزولون، ويشعرون بالسوء لاعتقادهم بأفضلية مفرطي الحساسية عنهم أحيانًا ويتساءل هل بذلك أنا لست حساسًا؟ وبالطبع ليس هذا هو المقصود؛ وإنما تعني كلمة حساس أيضًا أن الشخص لديه قدر أكبر من التفهم والوعي، وبشكل ما هذا مشروط بقدر كبير بتحسن شعور ذوي الحساسية المفرطة، وشعورهم بالاسترخاء، ولكن في حالة الإثارة، وهي شيء متكرر لديهم، لا يصبحون أولئك المتفهمين الرائعين، ولا يتمتعون بالحساسية والقدرة على إدراك التفاصيل، وعوضًا عن ذلك يشعرون بالضجر والنَصَب والحاجة إلى العزلة، وعندها سيدرك مَن حولهم ممن لا يتميزون بهذه السمة الصورة بشكل أفضل منهم وسط الفوضى الطاحنة بداخلهم.

«أنت شخص مفرط الحساسية/ حساس جدًّا بشكل قد يضرك»

لو أنك شخص مفرط الحساسية فقد سمعت كثيرًا ما هو على شاكلة هذه العبارات، مما جعلك تشعر بأنه لا بد من وجود شيء مختلف بشأنك. أمّا ما ترد به الكاتبة – وهو مشجع للغاية- أن حقيقة الأمر أن هناك شيئًا صحيحًا فيما يتعلق بشخصك، ولكي تعرف إذا ما كنت شخصًا مفرط الحساسية فإن الكتاب ملحقٌ باختبار ذاتي من عدة أسئلة (وهناك العديد غيرهم على الشبكة) للاستزادة.

أمّا وإن كانت النتيجة إيجابية، فأنت نوع فريد بين بني البشر؛ أنت شخص مفرط الحساسية، وهذه صفة محايدة/ متنحية تظهر لدى 15- 20% من البشر، تلك السمة التي تعني أنك تعي تمامًا ما يدور حولك بتفاصيله، وتلك ميزة كبيرة. وإن كنت عزيزي القارئ ترى الأمر مثاليًّا انتظر قليلًا من فضلك.

الحساسية المفرطة والانطوائية والكبت

هناك خلط شائع بين حالة الحساسية المفرطة وبين الانطوائية، والخجل، والكبت، وغيرها من الأسماء الخاطئة الشائعة في الأوساط العلمية والاجتماعية، وقد تعني هذه السمة أي شيء سوى الإيجابية لدى البعض. ولهذا على صاحب هذه السمة أن يتأهب ويعي جيدًا ما سيواجهه، وعليه الدفاع عن حالته كشخص حساس، ومعرفة حقيقة وجود الكثيرين المتميزين بهذه السمة، حتى وإن لم يتسن له الاجتماع بهم بعد.

نوعية فريدة من البشر ولكن يُساء فهمها

تحت هذا العنوان تشرع الكاتبة في سرد بعض الخصال التي يتميز بها أصحاب الحساسية المفرطة فتقول؛ هم يتذكرون الكثير؛ كل التفاصيل التي لا يتذكرها الآخرون، وأحيانًا ما يبدو طبيعيًّا بالنسبة لبقية الأشخاص كالتجمعات أو بعض الأصوات قد يكون مصدر إثارة وإزعاج لذوي الحساسية المفرطة؛ مما يضعهم تحت ضغط، فتراهم بعد يوم حافل – حتى وإن كان ممتعًا- يحتاجون إلى قدر من العزلة لشعور جواني بالتوتر والاضطراب، فالشخص مفرط الحساسية قد لا يستطيع التحمل كما يستطيع الآخرون. ثم تنتقل للحديث عن التفاتهم للاهتمام بالتفاصيل؛ فهم لا يلتفتون فقط لماديات المكان من أثاث مثلًا، وإنما ينتبهون أيضًا للحالة المزاجية المسيطرة على المكان، وإلى طبيعة علاقات من فيه، وإلى المناخ العام… وإلى كل تلك الأشياء غير المرئية.

وتشير الكاتبة أيضًا إلى أنهم ينتمون إلى مجموعة تمتلك قدرات خاصة متعلقة بالإبداع، والحصافة، والشغف، والاهتمام، وكلها تحظى بتقدير المجتمع. ولكن ورغم كل ذلك، فإن بقية المجموعة المتكاملة تعني أنهم حذرون وانطوائيون ويحتاجون إلى قضاء وقت أطول بمفردهم؛ ويترتب على ذلك أن يظن من لا يتسمون بهذه السمة أنهم جبناء وخجولون وضعفاء، أو أنهم ببساطة ليسوا اجتماعيين ومنعزلين، ومن ثَم قد يحاولون مجاراة غيرهم حتى لا يبدوا في هذه الصورة؛ مما يصيبهم بالتوتر والقلق والعصبية.

 فقدرة الشخص مفرط الحساسية على ملاحظة أدق التفاصيل تجعل منه شخصًا ذا حدس وبداهة؛ وذلك مرجعه وبكل بساطة للقدرة على التبصر بالمعلومات والتعامل معها بطريقة شبه واعية، أو لا واعية. والنتيجة هي أنه في معظم الأحيان «فقط يعلم» دون معرفة كيف أتاه هذا اليقين. وعلاوة على هذا فإن معالجة الأمور بهذه الصورة (أي بتعمق وتحليل وربط) تُمكِّنه من التفكر أكثر في الماضي أو المستقبل؛ فهو يعرف كيف أصبحت الأمور هكذا، أو ما الصورة التي ستئول إليها، أو فيما يُعرف بالحاسة السادسة، مما يجعله مصيبًا إلى حد بعيد، وبالطبع، هو ليس معصومًا من الخطأ. وبسبب كل ما سبق ذكره فإن ذوي الحساسية المفرطة غالبًا ما يكونون أصحاب رؤى، ومبدعين ملهمين، ومخترعين، بالإضافة لكونهم ذوي ضمير حي ويتسمون بالحذر والحكمة.

إليك عزيزي مفرط الحساسية؛ إلى هنا قد يبدو الأمر جيدًا تمامًا، لكن حقيقة الأمر أنه لا شيء كذلك، وخصوصًا في ثقافتنا، إذ عليك أن تعي أنك من الأقلية، وكثير ممن حولك قد لا يفهم أو يتفهم طبيعتك ولا ردود أفعالك، وما يعقبه من شعور بالغربة، وبأنك لا تنتمي حقًّا لهذا العالم، ويعني أيضًا أنه من السهل أن تُستثار عندما تتعرض لموقف حافل بالمحفزات لفترة طويلة؛ فتلك الأشياء تُجهدك وتؤثر في جهازك العصبي بصورة أو بأخرى؛ لذا فالحساسية المفرطة لها مزاياها وعيوبها. وللأسف فإن هذا الجانب السلبي لهذه السمة يظهر عند التعرض لقدر أكبر من الإثارة التي تحتملها؛ فما يمثل مستوى معتدلًا من الإثارة لشخص ما قد يكون شديد الإثارة بالنسبة لك، أما ما هو مستوى مرتفع يمثل إنهاكًا بالغًا لشخص مفرط الحساسية للحد الذي قد يصل بك إلى نقطة انغلاق نفسي فيما يُسمى بـ«التثبيط التجاوزي»؛ ذلك المفهوم الذي وصفه العالم الروسي «إيفان بافبوف». وبالطبع لا أحد يريد أن يصل لهذه النقطة. ثم تكمل الكاتبة سرد أنواع المثيرات التي قد تؤدي لذلك.

تنتقل الكاتبة في فقرة تالية للحديث عن السعادة، ويلي هذا إثارتها لنقطة أن غير مفرطي الحساسية يرون مفرطي الحساسية غير سعداء، وتوضح فيها أن هذا يعتمد على مفهوم السعادة لديهم، فتقول إن أرسطو قد أوضح هذه المسالة عندما طرح سؤالًا اعتباريًّا يسأل فيه «هل تفضل أن تكون حيوانًا سعيدًا أم إنسانًا غير سعيد؟». فالأشخاص ذوو الحساسية المفرطة يفضلون الإحساس بالشعور الجيد؛ لأنهم أشخاص ذوو وعي شديد وذوو إنسانية، حتى وإن كان ما هم على وعي به ليس مدعاة للسعادة.

التعرف إلى ثقافة مجتمعنا- ما لا تدركه «سوف» يؤذيك

تحت هذا العنوان تحاول الكاتبة أن تحث مفرطي الحساسية على النظر إلى حالتهم نظرة محايدة – مفيدة وضارة على حسب الموقف، مع التأكيد على أن المجتمع لا ينظر إليها أو إلى ما على شاكلتها نظرة محايدة. ثم توضح ذلك من خلال الوسائل التي يدفع إليها المجتمع من خلال الألعاب، والأغاني، والكتب، والعروض، والأنشطة التي تشجع صفات معينة، وتتجاهل أو تدحر أخرى؛ فجميعها يخبرنا أنه علينا التحلي بالقوة والرزانة تمامًا، وأن نكون اجتماعيين، وأن نبتهج لرؤية الأضواء الساطعة والضوضاء، وأن استياء أحدهم من اجتماع الأصدقاء بمرح في المقهى هو بمثابة خطأ وسلوك مستهجن. ثم تقول لو أنه عليك – مفرط الحساسية- أن تتذكر شيئًا واحدًا من هذا الكتاب فسيكون تلك الدراسة التي قام بها باحثون من كندا وشانغهاي، والتي قارنت 480 تلميذًا من شانغهاي مع 296 من كندا ليروا ما الصفات التي تجعل منهم أشخاصًا محبوبين، وفي الصين كان كل الأطفال الذين يتسمون بـ«الخجل» أو «الحساسية» يقع عليهم الاختيار كأفضل أصدقاء ورفقاء للعب. أمّا في كندا لم يكن الوضع كذلك.

ثم تختم هذه الفقرة قائلة «فكِّر في تأثير أن تكون غير مثالي في نظر ثقافة مجتمعك، فهذا سيؤثر فيك حتمًا، ليس فقط فيما يتعلق بالكيفية التي تعامل الآخرين بها، ولكن كيف أصبحت تعامل نفسك».

المستشارون الملكيون والملوك المحاربون

إن عالم اليوم أصبح واقعًا، وبشكل متزايد تحت سيطرة المجتمعات العدوانية التي تسعى للتوسع والانتشار والمنافسة وتحقيق الفوز. وسبب ذلك أن احتكاك الثقافات يفضي إلى أن الثقافة الأكثر عدوانية تفرض سيطرتها، في أغلب الأحيان. وهذا الوضع، كما يعتقد أغلب سكان العالم، بدأ في سهول آسيا، وأن (نشأة وانتشار) الثقافة الهندية- الأوربية حدث بما يمكن وصفه اليوم بالتمدد العسكري عن طريق زيادة القطعان، والاستيلاء على الأراضي، حتى وصل بهم الحال إلى أوروبا والشرق الأوسط بكثير من طرق التوسع، إمّا بالحرب وإمّا عن طريق التجارة. لكن السؤال هو كيف استطاعت الثقافات الهندية الأوربية أن تصبح الأطول عمرًا والأكثر سعادةً؟

لقد كان هذا بسبب التوازن بين فئتين للقيام على شئون الحكم: الملوك المحاربين، والمستشارين الملكيين. وفي المجمل كان بلاء هذا حسنًا، إذ أن نصف العالم يتحدث بلغات من أصل اللغات الهندية الأوربية، وما يعنيه ذلك من التفكير بطريقة هذه الثقافة؛ فالتوسع والشهرة هي أمور الملوك المحاربين، أمّا البقاء فهو دور فئة المستشارين الناصحين، بما يمثله الأخير من ذلك القدر من الليونة التي تمنح تلك الصلابة، والتيبس، المرونة، والاستيعاب، والمعالجة التي تُمكِّنها من الاستمرار والبقاء، فتلك الفئة تفكر على نحو أعمق وتعمل على كبح أهواء فئة الملوك المحاربين ونزواتها، والتي قد تكون قاصرة على المصلحة الآنية والفردية. وبما أن فئة المستشارين غالبًا ما تكون على صواب فإنها كانت محل احترام كمستشارين، ومؤرخين، ومعلمين، وعلماء، وكُتاب، ومناصرين للعدالة بما لديهم من نظرة عميقة شمولية ترى عواقب أي اختيار، وضمير يقظ يسعى للخير والعدالة، فهذه الفئة تتمتع بالبصيرة والرؤية الأعم التي تضمن مراعاة حق عامة الشعب وصالحهم. فقد كانت فئة المستشارين الملكيين (الأقوياء) تُصر على التمهل والتفكر مليًّا في الأمور، وكانت تركز على صرف طاقة مجتمعاتها المتجددة بعيدًا عن العدوان والسيطرة (تحقيق أهداف البقاء بعيدة المدى في مقابل الأهداف التوسعية قصيرة المدى للحكام طبقًا لمعيار البقاء) وتوجه هذه الطاقات وتسعى لاستغلالها علو نحو أفضل في الإبداع والاستكشاف وحماية الكوكب والضعفاء (التخلي عن هدف في مقابل الفوز بالنهاية). ولفعل ذلك كما ينبغي بكفاءة وصدق وأمانة، يجب عليك – مفرط الحساسية- أن تشعر بالرضا تجاه نفسك، ويجب عليك تجاهل تلك الرسائل التي يبعثها المحاربون، ومفادها أنك لست جيدًا مثلهم، ويكون الرد بأن كلًّا مسير لما خُلق له، وأنك أيضًا تمتلك طريقتك الخاصة وإسهاماتك المهمة التي يجب عليك القيام بها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد