إن حجاب السلطة هنا هو مصطلح قامت الكاتبة بإدراجه نظرًا لتناسبه مع السياق، فإن حجاب السلطة هو ذلك الحجاب الذي تقوم السلطة بفرضه جبرًا على النساء من خلال قوانين صارمة وإجراءات تعسفية، وهنا تجسد الحالة «الإيرانية» نفسها كدليل قوي على تطبيق هذا المفهوم، في المقابل حجاب المجتمع، أي ذلك الشكل من الحجاب أو التوجه منه سواء بالقبول أو بالرفض الذي يفرضه المجتمع على السلطة نفسها، وليس لها الحق في عدم قبوله، أي يتم تحليلها بعيدًا تمامًا عن تحكمات السلطات، ولكنه لا يتم عزلها إنما تؤخذ في الاعتبار كبعد ثانوي، وتعتبر «مصر» هي الدولة التي تقوم بتجسيد هذا المعنى.

لكي يتم فهم الصورة الواضحة للحجاب بشكل عام سوف يتم تناول تطور الحجاب في مصر في السنوات الفارقة، لمعرفة البنية التحتية للحجاب نفسها، وهل الأمر كان خاضعًا في لحظة من اللحظات إلى ميول ورغبات القيادة السياسية حول وضع «المرأة» على الأجندة السياسية للدولة. ففي الحقيقة هذا الأمر غير واضح في مصر كوضوحه في «إيران»، فمنذ عام 1910 حتى عام 2010 مر الحجاب في إيران بمراحل متعددة أغلبها تخضع إلى أهواء القيادة السياسية نفسها، حيث وصل الشاه رضا البهلوي إلى السلطة في إيران من «1952 حتى 1941» في هذه الفترة أصدر قانونًا رسميًّا لمنع الحجاب في عام 1936، منع تمامًا «الشادور» أو الحجاب بكافة معانيه وأشكاله نظرًا لأنه وجد أن هذا يتعارض مع الطموحات التحديثية له، وذلك كان استثمارًا من قبل الشاه رضا البهلوي في أجساد النساء لكي يكون مظهرهن رسالةً للغرب، لأنه في هذه الفترة كان متقربًا من الولايات المتحدة الأمريكية، فسعت القيادة السياسية إلى جعل النساء انعكاسًا لمظهر النساء في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما كانت النساء تقوم بارتدائه «عندًا» في السلطة التي فرضت خلع الحجاب، بل والشرطة الإيرانية ساعدت في ذلك من خلال أنها كانت تقوم بخلع حجاب النساء بالقوة في الشوارع وحتى في المساجد، ثم خلفه محمد رضا شاه البهلوي من «1941 حتى 1979» سار على نفس نهج والده، ولكنه كان أكثر تشددًا؛ فكان يفرض خلع الحجاب بالقوة، وفي ظل حكمه كان التقرب الإيراني– الأمريكي على أشده؛ فاستمر الاستثمار في أجساد النساء أيضًا في عهده، فكانت النساء تشعر باضطهاد من قبل السلطة لأن الأمر لم يؤخذ على محمل التحرر إنما على محمل «الزي الوطني» الرسمي للدولة، وكأن المرأة تشارك بجسدها في تسيير السياسة الخارجية للدولة بعدم ارتداء قطعة القماش على رأسها، وبالتالي تشدقت النساء للحكم الإسلامي من أجل تحريرها من إجبار القيادة السياسية على إقحامها بالرمز في السياسة، بالإضافة إلى أن هذا التعسف في التشبه بالغرب كرس نوعًا من الكراهية لدى الإيرانيين عامةً والنساء الإيرانيات خصوصًا للتوجهات الإيرانية– الأمريكية، وبالتالي التمسك بالثورة الإسلامية واعتبارها الانتصار الأعظم للدين الإسلامي والنساء، فقامت «الثورة الإسلامية في إيران» 1979، وفي الحقيقة التشدق بالحكم الإسلامي لم يكن نابعًا عن رغبة حقيقية في الحكم الإسلامي، إنما كان مجرد وسيلة من أجل أن تقوم النساء بإثبات نفسها وحقها في اختيار ارتداء أو عدم ارتداء الحجاب، وساعد في ذلك وصول الخميني إلى السلطة من «1979 وحتى 1989»، وفاز في الانتخابات بنسبة ساحقة 98% تقريبًا، ولكن في الحقيقة كان مجرد انتقال من تعسف أمريكي غربي إلى تعسف ديني متطرف، بل إن النساء الإيرانيات كانت جزءًا من قبول هذا التعسف، فكانت تقوم بترديد الشعارات في الثورة «إما غطاء الرأس.. إما عصا الرأس» ومن ثم أصبح هناك زي وطني آخر وهو «الشادور»، وتدهورت العلاقات الإيرانية– الأمريكية، فلم يكن هناك مبرر لاستثمار السلطة في أجساد النساء من أجل إرضاء الغرب بعدم ارتدائه، إنما تحولت العلاقات الإيرانية مع الجماعات الإسلامية؛ مما أدى لتغير نوعية الاستثمار وهو ارتداء الحجاب، ولم يكن في الحقيقة مجرد غطاء للرأس إنما غطاء فضفاض للجسد بأكمله، وأصبح الشادور رمزًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية فاستمرت مشاركة النساء بالرمز في صنع السياسة الخارجية للدولة الإيرانية، وبينما كان هناك نساء غير منتميات للثورة الإيرانية أو للجمهورية الإسلامية، إلا أنهن كنّ مضطرات لارتداء الحجاب نظرًا للممارسات التعسفية من قبل الدولة اتجاه الخارجات عن الزي الوطني، وكأن الشادور أصبح «شيكًا على بياض» للدولة من قبل النساء لكي تستطيع الدولة الإيرانية الحفاظ على أمن وسلامة نسائها، ولكن في حالة تمردهن على ذلك لن تسطيع الدولة أن تحافظ عليهن، والدليل على ذلك أن حملات نبذ التحرش الجنسي بالنساء كانت مجرد دعوات لارتداء الشادور الرسمي والالتزام به، ومن ناحية أخرى صدر قانون عام 1984 ينص على أن كل من تظهر في الأماكن العامة وهي لا ترتدي الحجاب يحكم عليها بـ72 ضربةً بالسوط، ونظرًا لهذه القوة المتحكمة من قبل القيادة السياسية في النساء كان لا بد أن توجد المقاومة بشكل أو بآخر.

تغيرت القيادة السياسية في إيران بين رفسنجاني الذي خلف الخميني من «1989 حتى 1993»، ثم خلفه محمد خاتمي من «1997 حتى 2001»، وخلفة أحمد نجادي من «2005 حتى 2009»، ثم روحاني حتى الأن ،هذه القيادات السياسية جميعًا لم يكن لهم تصريحات فارقة أو وضوح لمواقفهم اتجاه النساء، وكأن النساء في أذاهن وقضاياهن غير موضوعة على أجنداتهم السياسية، بل كانت التصريحات بسيطة تتسم بالفتور في المواقف الصريحة سواء بإصدار قوانين للخلع أو للارتداء، فظل الأمر كما هو معهود في عهد الخميني، ولكن ليس بسلطة الدولة إنما بسلطة جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهناك من بين هؤلاء الرؤساء من كان متعاطفًا مع قضية المرأة، والتعاطف هنا ليس معناه التصريحات بالحرية في ارتدائه من عدمه، إنما الصمت عن تحديد الاتجاه فتح الباب للتفكير في الضغط لاكتساب بعض الحقوق، هذا بدوره ولد شحنة لدى النساء للمطالبة بحقوقهن، والدليل على ذلك أن روحاني في حملته الانتخابية 2013 دعا إلى إلغاء قانون الحجاب لأنه يعطي صلاحيات كبيرة لجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكاد تفوق سلطة الدولة نفسها، والدليل على أن هذه الجماعات قد اتخذت من الدين مسلكًا للتدخل الصارخ في الشئون الداخلية للنساء لدرجة وصلت إلى تشويههن الجسدي، وذلك بسبب ظهور ما يسمى «الحجاب السيئ» أو Bad veil أو Bad hijab كرد فعل من المحافظين كشكل من أشكال تمرد النساء على الشادور المفروض عليهن، فقامت هذه الجماعات بسكب الأحماض الكاوية على وجوههن في الشوارع؛ مما أدى إلى وفاة بعض من الفتيات متأثرات بحروقهن، وأخريات تم تشويه وجوههن تمامًا، وهذا لم يزد الفتيات إلا تمردًا من خلال إظهار خصلات من شعورهن، وظل كفاح المرأة الإيرانية قائم حتى وقتنا وتأثرت إيران بثورات الربيع العربي خصوصًا مصر، حيث إن الإيرانيات تعاطفت مع علياء المهدي وتعبيرها عن تحرر المرأة بشكل مختلف عن ما ألفته المجتمعات العربية، ورغم أن عددًا كبيرًا من الفتيات المصريات رفضت الطريقة التي قامت بها علياء المهدي في التعبير عن آرائها، إلا أن هذه الطريقة كانت لها صدى إيجابي عند الفتيات الإيرانيات، بل وكانت حافزًا من أجل الاستمرار في كفاحهن ضد سيطرة السلطة التي تجسدت سابقًا في رأس النظام السياسي والقيادة السياسية.

هذا العرض للثورة الإيرانية كان تأكيدًا على أن إيران لها تداعياتها السياسية وميول قيادتها التعسفية هي التي جعلت من الحجاب أيقونةً يتم التلاعب بها لتصبح انعكاسًا لانتهاجات معينة، وبالتالي فإن النساء الإيرانيات كانت كعرائس «الماريونت» تحركها القيادة السياسية، ولكن في مصر سوف نجد أن الذي يحرك النساء المصريات في علاقتهن بالحجاب هم أشخاص أو مواقف على مستويات فردية بعيدة عن السلطة أو القيادة السياسية، وبالتالي لم يكن هناك موقف للسلطة من الحجاب موضوعة على أجندة القيادة السياسية، وهذا هو الفارق الواضح بين علاقة إيران بالحجاب وعلاقة مصر به، وعندما نتحدث عن تطور الحجاب في مصر سوف نجد أن تغير أفكار العلماء والمفكرين، بل والكتاب أنفسهم تتغير على إثرها مواقف النساء من قضية الحجاب كرد فعل فقط لتغيير أفكار هؤلاء السابق ذكرهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حجاب السلطة
عرض التعليقات
تحميل المزيد