أولى إرهاصات علاقة المرأة بالحجاب سوف نبدؤها من «محمد علي» حيث إنه في عام 1826 دعا إلى القضاء على الحجاب تمامًا وكان يرفض كتابات قاسم أمين، في ذلك الوقت وفي هذه الفترة نجد أن القيادة السياسية حاولت وضع المرأة على أجندة أولوياتها من خلال منعها للحجاب بل ورفض الكتاب الإسلاميين الذين يؤمنون بغير ذلك، في عام 1882 تم إصدار كتاب «المرأة في الشرق» إبان الاحتلال البريطاني حيث دعا إلى القضاء على الحجاب لأنه ما هو إلا حجاب للعقل، وبعد ذلك عام 1894 كتب «الكونت داركود» كاتب فرنسي كتابًا لمناهضة الحجاب هاجم فيه بشكل كبير المثقفين المصريين لقبولهم الحجاب، ولكن النقلة النوعية الفكرية التي حدثت لقاسم أمين حيث أصدر كتاب «تحرير المرأة الجديدة»، الأفكار التي حملها الكتاب أحدثت ضجة في ذلك العصر فكانت عبارة عن درجة عالية من درجات التحرر غير مسبوقة، فدعا المرأة لخلع الحجاب لأنه يعتبر الخطة الأولى والأساسية لنهوض المجتمع الإسلامي، بل وأنه لا يتعارض مع الإسلام في شيء، وعلى الرغم أنها لاقت هجومًا شديدًا في البداية من مفكرين آخرين إلا أن أفكاره اكتسبت قبولًا تدريجيًا فيما بعد ليس فقط في مصر إنما سوريا، الأردن، ليبيا، العراق، حيث أكد صراحةً أن الحجاب ليس في الدين الإسلامي ولم يلزم الله تعالى المرأة بالحجاب، وأضاف إلى ذلك تفسيرات دينية لكي تعضد من وجهة نظره، وبالفعل استجابت النساء تدريجيًا لهذه الأفكار وعدد من النساء والفتيات قامت بخلع الحجاب بأشكاله المختلفة التي كانت متنوعة في ذلك الوقت، وحمل الراية من بعد قاسم أمين «حزب الأمة» برئاسة «سعد زغلول» الذي نظم مظاهرات نسائية حاشدة للمطالبة بخلع البيشة في 20 مارس 1919، وهنا القيادة السياسية ولكن غير المتمثلة في السلطة بشكل رسمي بمعنى قوانين واضحة تسن من أجل الاستثمار في أجساد النساء، إنما كانت أفكارًا تطرح من قبل سياسيين يعملون في المجال العام وهذا كان يتسق مع أفكار حزب الوفد التحررية في ذلك الوقت، وبالفعل استجابت العديد من الفتيات والنساء لدعوات سعد زغلول نظرًا لأنه كان «صوتًا للأمة» وبدأت النساء بخلع الحجاب والسير على خطى التحرر وفقا لأفكار «زعيم الأمة».

ثم استكملت المسيرة «هدى شعراوي» عام 1923 امرأة من الطبقة العليا شاركت في النضال ضد الاستعمار البريطاني وأطلقت حركة لتحرير النساء من الحجاب، إذ بادرت بخلع الحجاب في ميدان التحرير للتحرر من فتات الرجعية المتمثلة فيه، وبالفعل تم استيراد كميات كبيرة من الملابس الغربية، فأصبحت نساء مصر وفتياتها في شكل ملابسها نسخة من المرأة الغربية، ولكن هذا الملبس شمل الطبقة المتوسطة والعليا فقط، أما أبناء الريف فتمردوا على هذا الأمر وتمسكوا بالحجاب وبالتالي فإن النضال للتحرر من الحجاب حمل بين طياته الفجوة الطبقية في الشكل العام، فكان من السهل على المجتمع المصري في ذلك الوقت التمييز بين الطبقة العليا والمتوسطة والطبقة الفقيرة، وهنا الربط الواضح بين خلع الحجاب وبين الطبقة التي تقوم باتخاذ هذا القرار، وكان هناك نساء من الطبقات الدنيا تقوم بخلع الحجاب تشدقًا بالطبقات العليا والمتوسطة، لعل هذا الأمر شبيه لما يحدث في المجتمع المصري حاليًا والارتباط بين الفتيات التي قامت بخلع الحجاب وبين الطبقة الاجتماعية التي دفعتها بالمال في العلم لكي تحتك بثقافات مختلفة، وبالوصول إلى عام 1950 نستطيع أن نجزم أن الحجاب كان قد اختفى تمامًا من مصر ما عدا الطبقات الدنيا التي تمسكت به، ولكن استمرت السعودية واليمن تفرض الحجاب،  ولعل السعودية هنا بلد محوري لما سوف يتم تناوله في أجزاء أخرى  للسنة الفارقة التي عاد فيها المصريون من السعودية إلى مصر.

وفي فترة الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» خصوصًا منذ عام 1950 وحتى 1960 لم يكن من أولويات عبد الناصر أو على أجندته السياسية فكرة الحجاب سواء كان من قريب أو من بعيد، فلم يربط عبد الناصر بين توجهاته للاتحاد السوفيتي ومعاداة الولايات المتحدة الأمريكية في علاقات السياسة الخارجية المصرية – الأمريكية، وبين ملبس المرأة في ذلك الوقت الذي كان متحررًا بدرجة كبيرة ويميل إلى الشكل الغربي، خصوصًا ما كانت ترتديه نساء الولايات المتحدة الأمريكية، والدليل الأكبر على ذلك هو أنه لم يكن هناك فتاة واحدة محجبة في الجامعات المصرية.

وبالتالي فإن الفترة ما بين (1926 وحتى 1960) شهدت تطورات مختلفة للحجاب ولكن جميعها كان يدور في فلك التحرر من الحجاب بدرجات متفاوتة، والدليل على ذلك تدفق المقالات التي كانت تستند لمؤشرات تلاشي الحجاب تمامًا في مصر خاصة، كالمقال الذي كتبه «ألبرت حوراني» موضحًا أن مصر على مشارف اعتبار الحجاب ظاهرة كانت مرتبطة بالعصر الحجري كناية عن «عصور التخلف والرجعية» وإنه ليس هناك تنبؤات بعودة الحجاب مرة أخرى إلى مصر، وبالفعل كان ميزان القوة للسيناريوهات المستقبلية في ذلك الوقت يميل إلى تصديق هذا الفكر. وبالتالي فإن تطورات الحجاب في المجتمع المصري قبل عام 1970 إنما كانت مرتبطة باجتهادات شخصية متمثلة في أفراد كما سبق الذكر (محمد علي، قاسم أمين، سعد زغلول، هدى شعراوي)، وكأن نضال هؤلاء الأفراد على المستوى الشخصي تحول إلى نضال مجتمعي أي إن الأمر لم يكن تحركه الإرادة الحرة للنساء المصريات إنما إرادة شخصيات بعينها، فلم يكن هناك أزمة هوية نستطيع أن نربط بها فكرة النضال من أجل التحرر من الحجاب، إنما الحركات هذه في مكنونها كانت حركات لإثبات وجود المرأة سواء من الناحية التعليمية، الوظيفية، السياسية، فاستخدمت النساء سلاحًا لإثبات وجودهن واستثمرن في أجسادهن لكي يكون لهن وجود فعلي على أرض الواقع لكي يتم لفت الأنظار لهن وبالتالي فإن المعركة لم تكن معركة حجاب قدر ما كانت معركة إثبات وجود، بالإضافة إلى أن هذه الدعوات لم تنل اعتراضًا من قبل سلطات الدولة بل بالعكس كانت الدولة تنصاع إلى رغبات النساء سواء في قبول أفكار قاسم أمين على سبيل المثال أو عدم قبولها، أو سواء قبول تحرر هدى شعراوي من حجابها واتباعها أو عدم اتباعها، وهنا الشكل الواضح لخلق المجتمع للأفكار التي على السلطة قبولها بغض النظر عن اقتناعها أو عدم اقتناعها ما دام أن السواد الأعظم من المجتمع قابل لهذه الأفكار، وبالتالي يمكننا أن نضع فرضية لهذه الحقبة التي مرت بها مصر، أن الحجاب لم يكن مرتبطًا بشكل لصيق بتشرذم الهوية قدر ارتباطه بالثورة النسائية لإثبات وجودها وظهر هذا بشكل واضح في ثورة 1919، وبالتالي فإن رأس المال الرمزي استثمرته النساء أنفسهن في أجسادهن نظرًا لأن الأمر لم يتمحور حول «العناد» مع سلطات تفرض قيودًا معينة.

على عكس الحال في فرنسا، حيث حظرت فرنسا ارتداء الحجاب في المدارس عام 2004 وحظرت النقاب في الأماكن العامة عام 2010، مما أدى إلى ظهور فكرة «العناد» مع تعسف السلطة فاندلعت أعمال شغب وتصاعدت الحركات الإسلامية المطالبة بحق المرأة في ارتدء الحجاب ومنها «لجنة حرية 15 مارس»، ولعل الأمر أكثر صعوبة في فرنسا منه مثلًا في إيران وذلك بسبب الشعارات التي تنادي بها فرنسا من الحرية واحترام حقوق الإنسان، وبالتالي فكل من الحالة الإيرانية والفرنسية الاستثمار برأس المال الرمزي يكون من قبل السلطة. ففي الحالة الأولى فرضه أو عدم فرضه إنما هو يتناسب مع توجهات السياسة الخارجية للدولة ورغبات القيادة السياسية وميولها، أما الحالة الثانية فإن الاستثمار برأس المال الرمزي يكون من قبل السلطة ولكن بسبب التخوفات من الحركات الإسلامية وأن يكون الحجاب بذرة لأرض خصبة من الحركات المتطرفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحجاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد