يقول نجيب محفوظ: تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة

فعقارب الساعة ماضية وقطارالحياة سائر بحلوه ومره، ماعلينا إلا أن نتشبث ببقايا فطرتنا التي فطرنا الله عليها وبكل قشة من قش القرب والأنس، فإننا إن نفعل يبث الله فينا قوة خفية نتحمل بها الأمانة التي شرفنا الله بحملها، ونتحمل بها تبعات قراراتنا وخياراتنا التي ارتضيناها لأنفسنا.

فلما أرسل الله الرسل لعبيده لدعوتهم لعبادة الفرد الصمد، خالقهم وخالق كل شيء، وأمرهم بطاعته والقيام بشعائر مخصوصة وعبادات مخصوصة، وهم في ابتلاءات دائمة وأذى متواتر، وكأن الابتلاء قرين لمن يؤمن ويوحد، فعلمنا أن أشد الناس هما وبلاءً هم الأنبياء وأتباعهم وأتباع أتباعهم، وكلما اقتربت من هديهم اشتد تمحيص الله لك، حتى تخلص له وتصل لدرجة من السكينة والصبر تتحمل بهما كدر الحياة وأعاصيرها المتتالية.

فتقع وتنهض، وتفتر وتنشط، ويسقط من يسقط ويثبت من يثبت بفضل من الله ورحمة كاختيار النقاب، وبلا تطرق للناحية الشرعية فالكلام فيه قديم وموجود ومن يبحث يجد. فمقدمتي السابقة أوجهها لمن اختارته ورضيت به، ستتعرضين لأزمات عديدة ولا بد!

فعهد الرسول والخلفاء قد ولى، والآن أنتِ في زمان تضيق به الأرض بكافة الناس فضلا عن المسلمين، فالمواجهات الدائرة بين بعض المؤسسات والمنتقبات طبيعية وقائمة وقديمة، فمقالي ومقالات غيري لن تردعهم، فتلك سنة الدفع، لكن عليكِ أن توجهي جهدك ودفاعك عن كونه خيارك، اختيار لشكل من أشكال الحجاب وليس بدعا من الثياب.

لو نحينا الأزمات السياسية والسلطوية جانيا، بقيت جهات أخرى تواجه مجتمع المنتقبات، كالمجتمع بأكمله والنساء عامة والمحجبات والمنتقبات أنفسهن خاصة! وغالبا لن تنصلح الأفكار السائدة عند المجتمع إلا بمواجهة ومحاولة حل مشكلات مجتمع المنتقبات أنفسهن، ذاك النسق المغلق لأسباب داخلية وخارجية.

قد نصنع بأنفسنا سياجا عاليا ونُحبس فيها حتى يصير ديدنا ووصفا نتصف به، نتفق أن جزءا كبيرا من الجمود والانغلاق تسبب فيه بعض المشايخ ورجال الدين، وخطابهم الموجه للمرأة والمسلط على شكل حجابها وصوتها والمظهر الخارجي, مع إهمال الجانب النفسي والعلمي والروحي للمرأة، وجاء بعكسه الخطاب العصري الذي يركز على تشفير مصطلح الحجاب الشرعي وتسويقه بشكل عقلي, يبتعد نوعا ما عن مفردات شرعية يجب أن تقال بداية قبل هذا التسويق، مثل إننا نرتدي الحجاب أولا طاعة لأمر الله الذي يعلم طبيعة المرأة وفطرتها.

ومن ثم حدثت الفجوة التي نلمسها، حتى أننا نلمسها بين المحجبات والمنتقبات! فبعض المحجبات يبتعدن عن صحبة بعض المنتقبات بسبب التوجس والقلق من بعض معتقداتهن، والعكس أيضا يحدث، ونسين أنهن جميعا مسلمات تنوعن في اختياراتهن ليس إلا.

السبيل الوحيد لمزيد من المرونة والخروج من ضيق النسق لرحابة الدين هو العلم والبحث وغربلة ما تعلمناه قديما وما قيل لنا من آراء وأقوال، واتساع العقل لما هو جديد علينا نحن لا جديد على الدين، ثم إسناد القصور لأنفسنا ونبذ العند في استقبال هذا الجديد بحجة أن هذا ما وجدنا عليه فلانا وعلانا.

المرونة التي تجعل المنتقبة لا تخاف إن اختارت رأيا تراه يناسب طبيعتها وحالها، لا تخاف تسلط المتسلطات وهجوم المهاجمات، فهي تسير داخل دائرة الدين الواسعة الفسيحة، لا دوائر الأنساق الضيقة وكلام رجل الدين الواحد، والكتاب الواحد، والرأي الفقهي الواحد.

المرونة والتفتح الذي يجعلها ترتدي ثيابا تتماشى مع مواصفات الحجاب لا مواصفات “الباترون” الواحد، المرونة التي تجعلها تتذكر دوما أنها مسلمة وغيرها مسلمات أيضا آمرات بالمعروف ناهيات عن المنكر، معدل تقواهن يزيد بمدى القرب وسلامة القلب لا بلون الحجاب الأسود أو البني، وغير المحجبة مسلمة عاصية كما هي عاصية أيضا بترك عمل آخر غير الحجاب، كذلك كانت وربما تكونين مثلها، فالقلوب بين أصابع من خلقهن.

المرونة والسعة والتدارس التي تجعلنا نقلل في يوم ما أسئلتنا عن حكم الكحل والنمص والاختلاط وهذه الأمور التي ضخموها في عقولنا حتى أصبحَت فوبيا أبعدتنا عن فروع العلم الكبرى، وأرهبتنا حتى إن تكلمت المنتقبة مع المحجبة عن الفنون أو الشعر أو قصت القصص والروايات وغيرها اتهمت بالانتكاس المفاجيء!

هذا المجتمع يعاني مما يعاني منه الآخرون، وأكثر، متى يفهم الناس أنها امرأة حرة اختارت رداءً معينا يحجب ملامحها وجسدها -فقط- عن الغرباء، لم يحجب تطلعها في الوصول لهدفها، ولم يحجب حبها للعلم، ولم يحجب كونها أنثى تحب الزينة والحياة والتواصل.

متى يفهم الناس أنها امرأة اختارت أن تزداد تقربا من ربها, ولكن هذا لا يعني تقشفها وزهدها في حياة كريمة حسنة، حتى يأتي إليها رجلا للزواج فيعتقد أنها لن تطلب مهرا ولا ذهبا ولا شيئا من متع الحياة الدنيا, أوعدم حقها في البحث عن مستوى اجتماعي وعلمي ومادي متكافيء كأنها “درويشة” بثياب مرقعة.

حقي أن أختار، وحقك أن ترفض ما أختاره من غير أن تنبذني، كما هو حقك في أن تختار ما أنت عليه بغض النظر عن قبولي أو رفضي له دون أن أنبذك.

حجابي استجابة لأمر الله وتنفيذا له، ليس عصمة لي يرفعني لمرتبة القداسة حتى إن وقعت في معصية تسقط السماء فوق رأسي, أو أن تضيق ما وسعه الله فيحصل الانفجار والخروج التام أو إنتاج نفوس مكبوتة ضعيفة الشخصية تفعل ما تفعله خوفا من ملاحقة النظرات لا لله، أو أن تفتح الأبواب على مصراعيها فيدخل منها دين مختلط بكلام آخر فيحدث الشطط ويكثر فيها الغلط.

وسطية هذا الدين ليست كلمة ترويجية نحاكي بها الغير، إنما هي حقيقة لمن فهمها جيدا وبحث بحق، وسطية لأصحابه أولا قبل أن يكون وسطية لغير معتنقيه، وسطية لا إفراط فيها ولا تفريط ولا وعلمنة للشرائع.

النقاب / الحجاب أوسع من مجرد قطع ثياب، وأضيق من اختزال الدين والعقل والروح فيه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد