إلى روح زينب المهدى، إلى كل هؤلاء الذين عجز مجتمعنا الضيق عن استيعابهم.

لم تختر أية فتاة مصرية محجبة ارتداء الحجاب، ولم تفرضه الأسرة كذلك، ولم تختر أخرى خلعته، أو لم ترتديه من الأصل أن تخلعه، وكذلك لم تتح لها الأسرة، لم يختر المدافعون عنه أن يقفوا بصفه، ولم يقف المعارضون على الجانب الآخر بإرادتهم ولا عن اقتناع بقضيتهم. تناقضات غير منطقية ربما هي كذلك، تلك التي نشأت حينما سار كل في طريقه وفقـًا لتراكمات سياسية واقتصادية وتبعًا لعقائد زرعت على المدى الطويل بباطن النفسية الجماعية، فشكلها كل على حسب موضعه ونشأته، وأحسب أن كل امرأة لو خرجت من مجموعها الذي شكل اختيارها الذي هو في الأصل فرض، لعادت عن رأيها سواء من: ارتداء أو خلع، أو من دفاع وانتقاد، أو حتى هجوم.

 مقدمة لا قيمة لها:

أنت تحيا بمجتمع تعتصره الفروض والتحكمات وسياسة الرأي الواحد في كل شيء، مجتمع لم يعتد الاختيار ولم يقدر حتى الآن على تخطي إحدى معضلاته التاريخية المتمثلة في “الموروث”، وأقصد هنا كل موروث خاطئ أو مغلوط الفهم والتطبيق، بديهيات ومسلمات الشعب المصري التي فرضها على نفسه وأوثق بها عنقه كانت الصخرة التي تحطمت عليها كل مفاهيم الحرية الشخصية، واحترام الإرادة من أدنى قواعد الأسرة وصولاً للقواعد والمناهج السياسية.

خلال المائة سنة الأخيرة مرت مصر بمراحل سياسية واقتصادية نشأت عنها أحوال اجتماعية شبه متناقضة، اكتسبت تبايناتها من تباينات مناهج الدولة أو الزعيم وتوجهاتهما، تلك التوجهات التي فصلت المجتمع وقسمته ورتبت مراحل حياته وخطوات تفكيره فقامت ببرمجة المواطن المصري من الميلاد وحتى الموت، فمن الملكية إلى الناصرية ثم توغل الرأسمالية والانفتاح في عهد السادات وصولا إلى النموذج شبه “النيوليبرالى” تحت حكم مبارك ثم دعك من الفترات اللاحقة لأنها زمنيًا لا تعتبر مقياسًا على الإطلاق فالمجتمعات بطبيعة الحال تحتاج للعديد من السنوات حتى تتشكل لها طبائع وخصائص جمعية، ولكن يمكن قياس فترة ما بعد الثورة إلى الآن على أنها مرحلة صعدت فيها كل تلك النماذج إلى السطح لتنفجر في وجوهنا، وتكشف عن مجتمع مهترئ تكالبت عليه التناقضات، وتمدد فيه الكبت حتى خرج لنا مسخ لا ينضح بشيء ويسير كل من فيه تبعًا لهواه ومصلحته.

هنا أقدم وجهة نظر عن الحجاب تستند إلى التاريخ والحركة السياسية والاقتصاد، ولا أعرض وجهة نظر فقهية أو دعائية – مؤيدة أو رافضة – زائفة كتلك التي نراها يوميًا على شاشات الإعلام التي تبث النقاش في نواحٍ عبثية، وتختص بتقديم رؤىً مشوهة وغير مستندة إلى أدلة ومناهج نقدية صحيحة، بل هي قمعية لرأى الطرف الآخر في كثير من الأحيان. هنا الحجاب بعيدًا عن المذاهب وبعيدًا عن القبول والرفض، وقريبًا من روح التاريخ وتشكل وتبدل الطبقات ونمط الفكر العام.

بين تراث مهزوم وحداثة تشق الطريق:

مصر يحكمها ملك بشرعية دستورية في ظل وجود برلمان قوي مسموع رأيه معظم الأحيان وتشكيلة متنوعة من أحزاب وحركات وجماعات المنخرطة بالعمل السياسي بشكل علني وأخرى متسترة ومحظورة، كل ذلك تحت عين المستعمر البريطاني، كانت تركيبة غنية نوعًا ما، ميزها الصراع بين: تراث مهزوم متمثلاً في إمبراطورية الدولة العثمانية المندثرة، التي وإن لم تخضع مصر لسلطانها تقريبًا منذ الاحتلال البريطاني، أو قبل ذلك في عهد محمد علي إلا أن الكيان التي كانت تشكله الخلافة الإسلامية كقيمة حضارية وفكرية سيطر على النفسية الجمعية للمسلمين حول العالم، وبالتأكيد في مصر، كذلك الأزهر كمؤسسة لها مكانتها في نفوس المصريين وعقولهم.

وبين حداثة غربية قدم بها المستعمر البريطاني ونجح نسبيًا في إحداث نوع من التوازن مع الجانب الآخر، وحركات نسوية متأثرة بنظيراتها في فرنسا وإيطاليا كحركة هدى شعراوي تلك الداعية لتحرير المرأة من سلطات المجتمع الذكوري ومنحها حقوقها السياسية والاجتماعية ومن ضمنها حق خلع الحجاب (بعيدًا عن اضطهاد هدى شعراوي ذاتها للمطربة فاطمة سري التي تزوجها ولدها سرًا وأنجبت منه، فما كان من المناضلة إلا أن هددت الزوجة بتلفيق قضية دعارة والضغط على ابنها للطلاق منها، وكأنها بذلك داست كل مبادئها عند أول باب للمصلحة والسمعة الشخصية).

كانت المرأة حينئذ معتصرة ما بين الموروث الذي فرض على بناته ارتداء الحجاب وبين الحداثة التي اقتدى بها الساسة وطبقة الإقطاعيين، انقسم المجتمع إلى طرفين، الأول عانى طوال الوقت من الفقر والتهميش وغياب العدالة الاجتماعية ولم يملك الوقت الكافي للنقد، فلم يُكون فكرًا أو وجهة نظر خاصة، واكتفي بوجهات النظر القديمة أو ما وجهه إليه مفكروه، وكان غالبيتهم من شيوخ الأزهر والدعاة، أما الطرف الثاني فهو من امتلك الأرض والأموال وبالتالي الوقت، وسافر للخارج وتأثر بحركة أوروبا الفكرية – وإن كان في نطاق ضيق يسع مصالحه الشخصية- ليشكل وجهة نظر عن أن الحجاب غير ذي  أهمية-لأن الأوروبيات غير محجبات ومتقدمات في ذات الوقت- فكان بذلك مقلدًا فقط وشبيهًا بجاره الأول في أنه ليس ناقدًا وليس صاحب رأى.

 يأمركم بالتقدمية:

جاءت حركة الضباط بيوليو وجاء نموذج المرأة البعيد عن الحجاب أو بالأحرى إمكانية تحقيقه، صعد إلى الزعامة من يزعم أنه اشتراكي يدعو للتقدمية، ألغيت الطبقية، أو بالأحرى استبدلت، حل كبار الضباط محل الإقطاعيين والبشوات، أعيد تشكيل علاقات إنتاج جديدة لعبت على تغيير وضع المرأة بالمجتمع من كونها الآن عاملة، وظهرت طبقة منظمة من العمال بعد أن أقيمت هيئات صناعية وتجمعات سكنية كبرى وعدت بالكثير.

اعتلى المشهد كل ما هو معاكس للمفاهيم والمناهج القديمة، الإسلاميون بالسجون، والمؤسسة الدينية الرسمية الممثلة في الأزهر تحت قبضة الحكومة، يختفي الحجاب من الشارع المصري بشكل شبه تقريبي، فطبقة الضباط سارت على نهج الإقطاعية والاقتداء بالتصور الغربي عن المرأة- وإن كان في المظهر فقط- وكان نادرًا ما تجد امرأة محجبة إلا من كبار السن أو المنتمين للتيار الإسلامي بصورة ما، أيضًا هجرة الفلاحين من الريف إلى المدن ساهمت في تلك النقلة النوعية، السينما لعبت دورها أيضًا في غرز الشكل الذي ظهر بكونه منطقيًا.

الزعيم ذاته ينتقد الحجاب ولو بصورة غير مباشرة بإحدى الخطب، والإعلام الرسمي – الذي لم يوجد غيره حينها- يتبنى منهجية الحاكم كما اعتاد منذ نشأته، عبد الناصر أراد أن يمحو كل ما يمت لفكر الإسلاميين بصلة، حتى وإن لم يكن يقصد الإسلام بحد ذاته، عبد الناصر دعا للتقدمية ومجابهة فكر الظلام ومع ذلك اعتقل كثيرين وقمع الفكر فخيم القصور الفكري والنقدي على عقول المواطنين ونفوسهم، فكيف ينشأ الجيل القادر على التفكير والتدقيق والنقد واختيار ارتداء الحجاب من عدمه في مثل هذا المناخ. المهم أن الغالبية سارت وراء توجهات الدولة وآراء الزعيم وبروباجندا الإعلام، بعيدًا عن صحة الطريق المسلوك من عدمها.

 

 الانفتاح على المجهول:

جاء السادات، رجل حوله العديد من علامات الاستفهام، سيحاول أن يكسر أسطورة عبد الناصر ويطمس ملامح عصره، أقر الإصلاحات، وأحدث ما سمي بـ “ثورة التصحيح” أغلق عديدًا من معتقلات عبد الناصر، خرج الإسلاميون وفتحت السبل أمام الدعوة، كانت السبعينيات هي “الفترة الذهبية” للعمل الطلابي داخل الجماعات، انغمس الإسلاميون وبخاصة “الإخوان المسلمون” و”الجماعة الإسلامية” في الحياة الجامعية والحركة الطلابية بشكل شبه حر، نادوا الفتيات إلى ضرورة ارتداء الحجاب، والعودة إلى المرجعية الدينية للشعب المصري -المتدين بطبعه- أعانهم على ذلك إعلان الرئيس نفسه رئيسًا مؤمنًا يشيد دولة العلم والإيمان.

قابل ذلك انفتاح المجتمع المصري على الثقافة الغربية بشكل مفاجئ تبعًا للسياسة التي اتبعتها السلطة المصرية ما بعد حرب أكتوبر في الانتقال من اشتراكية عبد الناصر إلى الرأسمالية والسوق الحر، ظهرت دعوات عدم الالتزام بالحجاب اقتداء بالحضارة الغربية المتطورة، وساعد على ذلك انتشار مفهوم الموضة والأزياء الغربية عن طريق المحال ومراكز التسوق المنشئة حديثًا، ساهمت بدورها السينما- العربية والغربية- في تشجيع تلك الحالة، تقريبًا أنتجت في تلك الفترة أكثر الأفلام العربية جرأة وصعد نجم جيل من الفنانات هو الأجرأ في تاريخ الفن المصري والعربي عمومًا.

ساهم ذلك بالطبع في نشر الصورة المناقضة للمرأة لا المحجبة ولكن للمرأة الفاضلة عمومًا (رأيي أن أفضيلة المرأة لا ترتبط بمظهر معين) . وظلت الأمور على هذا الوضع حتى اغتيال السادات عام 81 وصعود نجم نائبه الطيار حسنى مبارك إلى سدة الحكم.

 

للجميع ولا لأحد:

أحسب أن مبارك قد فوجئ بتربعه على حكم مصر، كان غامضًا نوعًا ما، كل ما كان معروفـًا عنه هو أنه “صاحب الطلعة الجوية الأولى”، ونائب الرئيس السادات الكفء والمخلص، كان حكمه بداية الأزمات الاقتصادية الحقيقية التي مهد لها السادات باتفاقية السلام، والانفتاح الرأسمالي المتوحش الذي أكل الأخضر واليابس، وخلق جوًا من الأنانية المفرطة سعى فيها كل فرد وراء لقمة العيش، وسار وراء ما تمليه عليه جماعته أو يأمره به حزبه فلم تتح للفتاة أو الأسرة فرصة الاختيار ما بين الالتزام بالحجاب من عدمه، فكل على حسب ما يمليه وضعه الاجتماعي، ومكانه بين الطبقات تتباين فرصه ما بين القبول والرفض.

كانت أيضًا فترة خروج المرأة المصرية بكثافة إلى العمل لمساعدة الرجل على تحمل أعباء المعيشة، وكانت أيضًا فترة ازدهار نوعًا ما بالنسبة لتعليم الفتيات، وإكمالهن حتى الجامعة، ما فرض على الأسر نوعًا من الالتزام الفتاة بالحجاب نتيجة لاختلاطهن بالرجال في الدراسة والعمل، رجال بالطبع قد ظهر عليهم أثر الظروف المعيشية الصعبة وتأخر الزواج، فكان لابد في نظر المجتمع من ارتداء المرأة للحجاب حماية لها من رغبات هؤلاء ودليلاً دامغـًا على استقامتها والتزامها الأخلاقى!

ساهم في ذلك التوسع الهائل للدعوة السلفية التي نشأت بذرتها بأوائل السبعينيات تحت رداء الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية، حتى عصر مبارك كانت قد توسعت بشكل لافت للنظر على امتداد القطر المصري، تلك الدعوة التي سرعت بشكل ملحوظ وتيرة انتشار الحجاب إلى جانب الإخوان المسلمين بالطبع، مبارك بسياساته “النيوليبرالية” نوعًا ما- وإن كان فيما يخص الاقتصاد فقط- ترك الحبل على الغارب لصالح الدعوة فيما يخص تلك الأمور، بل إنه أتاح لهم حرية نوعية في الظهور على الفضائيات فيما بعد، ويبدو أنه وجد انشغال العامة بأمور العبادة والمظاهر الدينية خير شاغل عن أمور السياسة، وتدهور الوضع الاقتصادي والحقوقي، اكتملت في عصر مبارك صورة المجتمع المصري ذي الأغلبية الكاسحة من المحجبات، ولم يفلح كل من الإعلام والسينما باتباعهما نهجًا يظهر النساء في مصر بصورة أبعد ما تكون عن الحجاب، لم يفلحا في تغيير الوضع القائم.

غير مفهوم على الإطلاق:

قامت الثورة في عام 2011، أزاحت مبارك من على كرسيه بعد ثلاثين عامًا من الحكم وسياسة “خليهم يتسلوا” المتبعة في العقد الأخير تقريبًا من ولايته، وكان من المفترض أن تحدث تغييرًا اجتماعيًا جذريًا في بنية المجتمع المصري وتوجهاته، ولكن ما حدث أن الثورة لم تحقق ذلك التغيير الكبير المنتظر، لأعلى المستوى الاقتصادي ولا على السياسي تقريبًا حتى يتاح لها العمل على الجانب الاجتماعي.

ظهرت كل التيارات والأفكار علانية على السطح، شغلت النقاشات عن وضع المرأة وحقوقها- ومن أهمها حق خلع الحجاب- العديد من السياسيين والحقوقيين على الفضائيات، وفي جلسات مجلس الشعب الذي حُل فيما بعد، ونقاشات وضع الدستور أيضًا الذي ألغى قبل أن يتم عامًا من العمل به، كان المجلس العسكري في السلطة أولاً، ولم تكن الساحة مستعدة بما يكفي لإعارة تلك النقاشات اهتمامًا، ثم صعد الإخوان إلى الحكم عندها ظن كثيرون أن شيئًا مما قد حلم به الإخوان، ودعوا إليه منذ نشأتهم وهو تعميم الحجاب، قد آن أوان تنفيذه، حتى إن زوجة الرئيس المعزول وفي سابقة لم تمر بها مصر في عصرها الحديث من قبل كانت محجبة. أما ما بعد الثلاثين من يونيو، ووصول وزير دفاع المعزول مرسى إلى الحكم.

فقد رأينا دعوات لمليونية لخلع الحجاب أطلقها أحد السياسيين للاحتشاد بميدان التحرير، ولم تلق رواجًا واسعًا وإن قابلت صدًا إعلاميًا كبيرًا، وانبرى فقهاء الأزهر ومشاهير المشايخ مدافعين عن الحجاب كفريضة، بينما تصدى آخرون داعين إلى خلع الحجاب نهائيًا، وعدم احترام حق المرأة في ارتدائه من الأساس، رأينا أيضًا منتجعات وفنادق سياحية ومراكز تسوق تمنع المحجبات من زيارتها أو من العمل بها.

في النهاية أنا لا أٌقول إن كل من ارتدت الحجاب أو لم تفعل، قد أجبرت على شيء فأنا أثق بأن كثيرًا من نساء مصر قد اخترن أحد المسلكين حتى وإن رفض المجتمع، وأؤمن بأن لجميع النساء حق الاختيار، ولكن أقنعوهن أولاً بما تريدونه منهن، لا ترغموا فتاة على ارتداء الحجاب ولا تجبروها على خلعه، احترموا الذات ولا تنشدوا المظهر وتحكموا به، لا تتصدروا القنوات وتدعوا إلى فرض الحجاب بالمدارس أو منعه بتاتـًا منها.

ذلك المجتمع عليه أن يختار لا أن تفرض عليه ظروفه المادية والاجتماعية شيئًا، لا تناضلوا من أجل ارتداء الحجاب أو خلعه، ناضلوا أولاً من أجل الحق في الحرية والمساواة والعيش الكريم، لا تؤيدوا الفاشية على اختلاف مشاربها ثم تظهروا على الإعلام لتقولوا قال الله وقال الرسول أو لتقتبسوا عن المفكر والمنظر هذا وذاك. فمهما بلغ بنا النقاش عن الحجاب فإنه يبقى متبوعًا وليس تابعًا، ولن يُصلح فرضه أو منعه، التعليم والصحة ولن يرمم الاقتصاد. لا تضطهدوا مظهرًا ولا فكرًا. وأصلحوا بنية المجتمع أولاً ثم دعوه يختار.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد