منذ بداية القرن الحالي، وخاصة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، والجدال حول ما إذا كان الإسلام دين اضطهاد جارٍ، وازداد هذا الجدال حدَّة في الآونة الأخيرة مع صعود الأحزاب اليمينية في أوروبا والولايات المتحدة التي اتهمت الإسلام بكونه دينًا عنيفًا مضطهِدًا والمسلمين بكونهم مجموعة من الإرهابيين الذين يريدون تدمير الحضارة الغربية. في المقابل نجد الخطاب الليبرالي في هذه البلدان والذي لا يكف يؤكد أن الإسلام دين سلام وأن لدى المسلمين طريقة حياة مختلفة فقط لا غير. اتخذ هذا الخطاب مما يسمى بالنسبيَّة الثقافية كركيزة من ركائزه، وتنص النسبية الثقافية على أن أفعال ومعتقدات الفرد يجب أن تُفهم من قبل الآخرين ضمن سياق الثقافة التي ولد بها، وأنه لا يجوز أن نحكم على أفعال ومعتقدات الآخرين من دون فهم السياق الثقافي الذي طور فيه الفرد هذه المعتقدات وارتكب فيه أفعاله. وعلى الرغم من أن هذا المبدأ يبدو مقنعًا للوهلة الأولى، إلا أن تطبيقاته الواسعة في مختلف المجالات والتي تعدَّت المفهوم الإنثروبولوجي الدقيق إلى تطبيقات سياسية واجتماعية قد أدت إلى إساءة استعماله لتبرير أفعال واعتقادات تناقض حقوق الإنسان الأساسية بحجة النسبية الثقافية وارتباط بعض الممارسات والعادات والتقاليد بثقافة محددة، وسوف أناقش في هذا المقال هذه التبريرات في حالة الحجاب.

مع بداية الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق أصبح الحجاب – من وجهة نظر الغرب – رمزًا لاضطهاد المرأة في البلدان الإسلامية، بحجة أن نساء العالم الإسلامي تجبرن على لبس الحجاب كما تجبرنَ على فعل الكثير من السلوكيات الأخرى كزواجِ القاصرات ومنع العمل وغيره الكثير. وتصاعدت الدَّعوات لتحرير وإنقاذ المرأة المسلمة من الظلم التي تعيشه واتخذت إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش من هذا عذرًا من الأعذار الكثيرة للتدخل في الشرق الأوسط.

وقد عادت هذه الجدالات للظهور مؤخرًا بعد قرار الحكومة الفرنسية بمنع النقاب في المساحات العامة، ومع ذلك برزت الأصوات الليبرالية الناقدة لهذا النهج في التعامل مع العالم الإسلامي والإسلام بشكل عام بحجة النسبية الثقافية وخصوصية الحجاب في المنطقة الإسلامية كونه جزءًا من ثقافة هذه المنطقة وضرورة فهمه في هذا السياق كتقليد ثقافي مهم. وأن المرأة المسلمة يجب أن تعطى الحرية الكاملة لتقرر ما إذا كانت تريد أن ترتدي الحجاب أم لا، وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الدعوات تدعو لاحترام الحرية الدينية الشخصية للمرأة المسلمة في تحديد كيفية اتباع دينها، إلا أن هذا الخطاب سطحي في فهمه للحرية الدينية والحجاب على حد سواء. فإن للحجاب، كغيره الكثير من العادات والتقاليد، معنىً أيديولوجيًا أعمق من كونه مجرد قرار شخصي للتعبير عن المعتقد الديني لمرتديته، بل إنه يحمل في ثناياه نظامًا اضطهاديًا للمرأة يبطِّن القمع داخليًا إلى درجة يصبح بها المضطَّهَد مقتنعًا بضرورة اضطهاده. وتحمل كل الثقافات -لدرجات مختلفة – عادات وتقاليد ومعتقدات كهذه تعمل على تثبيت وإعادة إنتاج الظروف المجتمعية التي تحافظ على العلاقات الطبقية السائدة.

لفهم هذه المعتقدات والعادات والتقاليد لا بد لنا من العودة إلى المفهوم الماركسي للبناء المجتمعي. حيث يتخذ ماركس من قوى الإنتاج (القوى العاملة ووسائل الإنتاج) وعلاقات الإنتاج (الملكية والتوظيف) كقاعدة البناء المجتمعي لأي تنظيم اقتصادي – اجتماعي ويشكلان معًا نمطًا إنتاجيًا أو ما يدعى بالبنية التحتية (إقطاعية، عبودية، رأسمالية… إلخ) يختلف حسب اختلاف هذه العلاقات والقوى، ويحدد هذا النمط الإنتاجي البنية الفوقية للمجتمع من بنية سياسية وقانونية (الحكومة، الشرطة، الدستور… إلخ)، بالإضافة إلى الأيديولوجيا (المؤسسات الدينية والأخلاقية وغيرها). وقد اقترح هذا التمييز في البنية الفوقية للمجتمع الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير، حيث يقترح التمييز بين أجهزة الدولة الأيديولوجية من أجهزة الدولة القمعية.

وتشمل أجهزة الدولة القمعية: الحكومة، والإدارة، والجيش، والشرطة، والمحاكم، والسجون، وما إلى ذلك، هذه الوكالات تعمل عن طريق العنف، من خلال فرض العقاب أو الحرمان من أجل تثبيت السلطة. بالمقارنة، تعمل أجهزة الدولة الإيديولوجية عن طريق الإيديولوجيا، والتي بدورها تعمل على إخفاء السلطة والقمع ضمن أفكار ومعتقدات تبدو من مسافة على غير صلة بالسلطة والبناء الطبقي للمجتمع من خلال مؤسسات كالعائلة والمدرسة والدين والثقافة وغيرها الكثير.

هنا تكمن القوة القمعية للحجاب كجهاز أيديولوجي يعمل على إخفاء وتبطين العلاقات السلطوية المضطهدة لحقوق المرأة داخليًا، والتي تعمل بدورها على تثبيت السلطة الرجولية في المجتمع الإسلامي والحفاظ على العلاقات الطبقية من خلال إعادة إنتاج الظروف المجتمعية وعلاقات الإنتاج السائدة. فالحرية الدينية التي يدافع عنها الخطاب الليبرالي لا تحمل الكثير من الحرية في ثناياها عندما تكون أجهزة القمع والاضطهاد مبطنة داخليًا. فحتى عند اختيار المرأة المسلمة ارتداء الحجاب عن قناعة ذاتية خالصة من الممكن أن يكون هذا القرار نابعًا عن قمعٍ مبطَّنٍ وليس عن قناعةٍ شخصيةٍ، ولكن هذا لا يعني منع الحجاب بحجة كونه أداة قمعية، بل إن المطلوب هو معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تحافظ على هذا النظام القمعي.

ليس القصد مما تقدم مهاجمة الحجاب بشكل خاص ولكن جميع العادات والتقاليد التي تؤدي وظائف مماثلة في مجتمعاتنا، ومن الأمثلة الأخرى على سبيل المثال لا الحصر المناهج المدرسية التي تروج أجنداتٍ سياسيةً محددةً. وليس القصد دعم الخطوات الغربية لتحرير المرأة المسلمة بأي شكل، فإن كان للتدخل الغربي في الشرق الأوسط خاصةً، والعالم الإسلامي عامةً أي تأثير فهو الزيادة من حدَّة المشاكل الاجتماعية والحفاظ على الأنظمة القمعية بشكليها السياسي والأيديولوجي، من خلال سلسلة من التدخلات التي لم تأت على المنطقة بأيِّ تقدُّمٍ يذكر، فالغرب تحت راية دمقرطة الشرق الأوسط قد جلب الويلات على بلدان كالعراق، ودعم في الوقت ذاته أنظمة استبدادية كآل سعود، ولكن القصد دراسة أعمق للطرق التي تعمل من خلالها الأيديولوجيا كأداةٍ قمعيةٍ، والتأكيد على ضرورة عدم تعميم فكرة النسبية الثقافية لتبرير ممارسات وعادات تعمل على تعميق الاضطهاد في مجتمعاتنا والحفاظ على نظام اقتصادي – اجتماعي يحافظ على علاقات السلطة ويروج لمجتمع ذكوري طبقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد