حجابك محرّك المجتمع؟

صادفتني ذاك اليوم تغريدة نشرتها إحدى الصفحات الإعلامية المصرية حول نزع الممثلة «حلا شيحة» لحجابها، تعجبت أو بالأحرى اشمأزيت من هذا الاهتمام المفرط بأخبار من هذا النوع، فلطالما علّقت في نفسي: «أهذا ما درستكم إياه كليات ومعاهد الصحافة لسنوات؟ أهذه ثمار صحافة الرأي وصحافة الوكالة والتحقيق والاستقصاء والروبورتاج والاستجواب وغيرها من مشمولات الصحافة؟ أهكذا تجذبون اهتمام قرائكم، بالتسلل إلى عوالم الناس والنبش في أعماقها؟».

بينما تجول ببالي الأفكار نفسها قاطعني تعليق لم أستطع منع نفسي من الحديث عنه، أفادت كاتبته الفاضلة: «هذه مرتدة، غادرت دين الله ومن الأجدر معاقبتها». جملة رغم قصرها إلا أن بها زخم هائل من العنف، بها آلاف الموجات السلبية التحريضية، بها حكم مصيري أطلق في بضع ثوانٍ ليلقى على عاتق شخص يعلم الله وحده ما مرّ به، كمية لا متناهية من الحقد والكره عجزت عن فهم مصدرها.

انتابتني حينها رغبة شديدة في محاورتها، في فهم منطقها الخاص، في تحليل وجهة نظرها، ولكنني اكتفيت بعد غضب وغليان في التعليق على كلماتها بـ: «من هنا يولد الإرهاب». شرعت آنذاك في التفكير بمنطلق بسيط مبسّط، كيف يمكن أن يطفو الإرهاب على سطح حياة الشخص؟ خلت الإجابة الصحيحة: من الانغلاق الفكري، من التكفير والتحقير والتقوقع.
ما الذي كانت هذه السيدة قادرة على فعله لو كان بإمكانها لقاء الفنانة ومعاقبتها؟

الإرهاب لا يقتصر على سفك الدماء، ليس أجسادًا بريئة ملقاة أو أرواحًا قبضت من غير خالقها فحسب، بل الإرهاب فكر كذلك، لطالما تترصد نقاط ضعف غيرك، تلقي الأحكام يمنة ويسرة، تكفّر وتدّعي الكمال والألوهية، تحرّض وتنصب الفخاخ فهنيئًا لك أشواطًا كثيرة قطعتها نحو الإرهاب الفكري.

تونس بين براثن العرب

بينما تتأرجح أفكاري بين صدّ وردّ، وردني تعليق آخر، من أحد الرجال المحترمين، يفيد: «لا أستغرب إجابتك، فأنت تونسية أين يكمن التسيب والانحلال الأخلاقي». دفن هذا الشخص في أقل من ثانية تاريخًا عظيمًا من الحضارة، ثلب عصورًا من النضال، اعتدى على أحرار البلاد وعلى أعراض العباد، هدم مواريث وأعراف يعتز بها الأجداد والأحفاد، تطاول على نجاحات شتى في جلّ مجالات الحياة، لمجرد أنه ينضم إلى رأي تلك السيدة.

كيف بإمكانك الحكم على شعب، على أمة، على بلد، على تاريخ بأكمله انطلاقًا من حدث ما؟ نعلم نحن التونسيون أن مسألة المساواة التي دعت إليها لجنة الحريات الفردية قد ساهمت مساهمة كبرى في الظفر بنظرة دونية تتداولها عدة بلدان عربية، كما ينبغي أن تعلموا في المقابل أن غالبية الشعب التونسي، حسب عديد الاستفتاءات، ترفض المساواة في الإرث مثلًا، وترفض الاعتراف بحق المثليين في ممارسة ميولاتهم الجنسية بحرية، وترفض المجاهرة بالإفطار في شهر رمضان، وترفض المطالبة بإلغاء المهر والعدّة… إلخ.

ما أطلت شرحه أعلاه عينتان من آلاف العينات التي تعترضنا يوميًّا، كمّ هائل من الآراء المسبقة يطلقونها في شكل أسهم حادة لتصيب أحد الأماكن في جسمك أو روحك دون مبالاة أو اهتمام.

لماذا لا نحترم بعضنا البعض؟

لمَ نعجز عن قبول الآخر رغم اختلافه؟ لمَ نحاول أن نضفي عليه ألواننا الخاصة دون موجب حق؟ لمَ لا نقدم له النصيحة بابتسامة؟ لمَ كل هذا التعالي في مواجهة هموم الناس ومشكلاتهم وزلاتهم؟ ألسنا بشرًا وجلّ من لا يخطئ؟ من نكون لنطلق الأحكام ونكفّر ونلعن ونعاقب؟ أليس الله هو رب الناس جميعًا؟ أليس القانون هو منهجنا على الأرض؟

أتعجب حقًّا من هذا الاحتقار ومن حملات التشويه التي تتعرض لها «قالعة الحجاب»، ما نوع الضرر الذي لحق بك في هذه الحالة؟ أليست واعية بما فيه الكفاية بديانتها وحقوقها وواجباتها؟ كيف يمكن لشعر رأسها أن يشكل أزمة قومية، ثورة اجتماعية غاضبة، احتقارًا جماعيًّا؟

ربما كان الحجاب نتيجة تسرع طفولي أو حماس عاطفي لفترة ما، ربما كانت مرغمة على ارتدائه، ربما كانت مقتنعة به ثم تراجعت، ربما أكرهت على خلعه، ربما كانت لا تؤدي صلاتها فشعرت بأنها تنافق نفسها ودينها، ربما وربما…
إمكانات شتى يمكن أن تكون سببًا لاتخاذها قرارًا بهذه الأهمية، أقول إمكانات وليست مبررات، فأنا لا أبرر خلعها للحجاب رغم أنني مررت بهذه التجربة منذ سنوات، أنا فقط أجرّدها من شبهة الإجرام التي أحاطت بكل جوانبها، أحاول أن أميط عنها نظرات نخرت جسدها وزعزعت ثقتها بذاتها.

الحجاب والطلاق والحب والزواج والسفر وغيرها من تفاصيل كثيرة في حياتنا يجب أن تظل ملك الشخص، أقول ملكه وليست قضايا رأي عام، لا يحق لنا اقتحام دنياه ومحاسبته، لسنا مخولين لذلك ولن نصير.

في مجتمعاتنا نعيش للأسف آلاف القضايا التي تتطلب تدخلنا، تتطلب اتحادنا وتوحيد اهتمامنا، فقر وخصاصة، رشوة، فساد، سرقة، إرهاب، تمييز عنصري وجنسي وجهوي وإقليمي، أمراض تتفشى، تعليم يتجه نحو المنحدر، متاجرة بالدين، خطابات دعائية تبث الفرقة بين الناس، استغلال، تكفير، عنف، اغتصاب، زواج مبكر…

كلها أولويات تستحق تضامننا، تستحق أن نثور ضدها، أن نبدأ بالإصلاح من أنفسنا أولًا، أن نربي أجيالنا الناشئة على الصدق والعدل والكرامة، أولويات أهم ملايين المرات من سقوط فستان هذه الفنانة، وخلع حجاب تلك، وطلاق الأخرى وزواج أخرى للمرة الخامسة، ارتقوا ودعوا الخلق للخالق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد