يمكننا القول إن أمس العرب في الجاهلية كان أحلك ما يكون، ولكن ليس من حيث الإضاءة والخدمات، إنما من حيث ظلمة العقول، وهكذا كان عرب الأمس.

حيث حلف الفضول مفخرة من مفاخر العرب في الجاهلية حتىٰ يومنا هذا.

وبرغم الانحلال الأخلاقي في الجاهلية قبل الإسلام من أكل الحقوق ومال اليتيم ووأد البنات والإغارة على القبائل المجاورة أو الأقل قوة والعادات الجاهلية القبيحة إلا أن العرب قديمًا عرفوا لحقوق الإنسان سبيلًا، وللأسف منّا من لا يعرف عن هذا الحلف وعظمتهِ وتأثيره حتىٰ بعد اندثار الجاهلية بانتشار الإسلام.

وحلف الفضول هو اتفاق بين قبائل قُريش على أمر عظيم بعد العودة من حرب الفجار وسميت هذه الحرب بذلك الإسم بسبب انتهاك الأطراف المتنازعة للأشهُر الحُرم وقطع صلات الرحم وقد شارك النبي في هذه الحرب مع أعمامِه وعمره آن ذاك 14 سنة.

قصة حلف الفضول

أن رجلًا زبيديًا – من اليمن – أتىٰ العاص بن وائل وباع له بضاعتهِ فمنع العاص حق الزبيدي وكان العاص بن وائل عزيز قومه فلم يقدر الزبيدي علي أخذ حقهِ فطلب النُصرة من أقرباءه بالدم وهم عبد الدار ومخزوم وجمح وسهم وعدي فرفضوا نُصرتهُ فما كان له، إلا أن الأسدي الزبيدي صعد جبل وأشراف قُريش عند الكعبة وصاح في وسط مكة بأبياتهِ التي أقامت قُريش ولم تُقعِدها:

يا للرجال لمظلوم بضاعته ببطن مكّة نائي الدار والنفر

ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر

إنّ الحرام لمن تمت كرامته ولا حرام لثوب الفاجر الغدر

فقام الزُبير بن عبدالمطلب من مقامه وعرف قصتهُ وقال: «ما لهذا منزلٍ» فاجتمعت قبائل «هاشم وزهرة وتيم بن مرة» في دار عبد الله بن جُدْعان، وكان سيد قُريش فصنع لهم طعام وفي شهر ذي القعدة تعاهدوا بالله ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما، بل بحر صوفة وما رسا حراء وثبير مكانهما وعلى التأسي في المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف «حلف الفضول».

وقالوا عنه: «لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر».

وبعدها ذهبوا كقوة ضاربة إلىٰ العاص بن وائل فما كان له، إلا أن رد إلىٰ الزبيدي ما لهُ وحتى ننصف فقد انتزعوا منه حق الزبيدي ونصروه على سيد قُريش فمهما كان العاص من أسياد قومه، لكن لا يستطيع مُعاداة حلف اشترك به سادة قُريش وقال الزُبير بن عبدالمطلب شِعرهُ المشهور في حلف الفضول:

حلفت لنقعدن حلفًا عليهم وإن كنا جميعا أهل دار

نسميه الفضول إذا عقدنا يعز به الغريب لدى الجوار

يعز به الغريب لدى الجوار أباة الضيم نمنع كل عار

وقال أيضًا:

إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ألا يقيم ببطن مكة ظالِمٍ

أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا فالجار والمعتر فيهم سالِمٍ

وقد شهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا الحلف قبل بعثته وعمره آن ذاك 20 سنة.

وقال عنهُ لاحقًا:

«لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت».

حلف الفضول في الإسلام

بعد ما يُقارب 80 عام من وقت عقد حلف الفضول في الجاهلية عام 590 ميلاديًا كان يوجد منازعة مال بين الحُسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عُتبة والي المدينة المنورة في خلافة معاوية بن أبي سفيان وانتهك الوليد حق الحُسين.

فقال له الحُسين: «أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله، ثم لأدعون بحلف الفضول».

فقال عبد الله بن الزبير القرشي: «وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعًا».

فبلغ الأمور المسور الزهري القرشي فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان التيمي القرشي، فقال مثل ذلك فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين مالهُ خوفًا من غضب قوة هذا الحلف هكذا كان أمس العرب برغم الكثير من الخرافات والضلالات التي انتهت بانتشار الدين الإسلامي في شبه جزيرة العرب والتي أدت بدورها إلى اندثار جُل العادات الجاهلية المنبوذة هكذا كان صدى هذا الحلف العظيم حيث عظمة الإسلام والمسلمين بأخذ ما يعزز الدين وقيمهِ السامية وحرصهِ علي حقوق الإنسان حيث حرم الإسلام الكثير من العادات الجاهلية، ولكن لم يمنع حلف الفضول الجاهلي.

فكيف يكون عرب اليوم مع هذا التقدم الهائل؟

إنها البررية في أبهىٰ أشكالها.. عبارة عن حكام جائِرين لا يعرفون للسماء سبيلًا نعم حكام جائرين وليس مجتمعات جائِرة.. فسادة قُريش عندما أقاموا هذا الأمر العظيم كانت بيدهم زمام الأمور.

وهكذا حكام العرب يضعون الدساتير ويشرعون القوانين ويجرمون كل ما يفسد راحة المجتمع، ولكن لا يضعون هذا كُله إلا لحماية عروشهم الواهيه وردع كل من قال أو يقول أو سيقول إن ديني من دين آبائي وبني جلدتي قديمًا هو حلف الفضول الذي نصر رجُلًا علي سيد قومه وأرعب والي المدينة المنورة لمجرد القسم بهِ.

اليوم في ظل هذا التقدم الهائل كم من الألُوف المؤلفة يقبعون سجون السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، وسوريا، والعراق… إلخ؟

اُكرر يضعون الدساتير ويشرعون القوانين ويجرمون مُتعديها ولكن! إذا وجدوا لوطئتِها موضِعًا ما ادخروا لذلك حيله.. وعلاقة عرب اليوم بالتشريع والدستور والقانون الذي يحفظ الحقوق ويُملي الواجبات كأنما ترىٰ هذا الرجل الجاهلي الذي صنع إلٰهًا من العجوة، وعندما أهلكهُ الجوع أكل ربهُ، ولكن أكلهُ في القرن الحادي والعشرين!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد