الحراك الشعبي إلى أين؟

الساعة الحادية عشر أو  ما يقارب ذلك، رئيس اللجنة الوطنية المستقلة يطل على الجزائريين حاملًا بين يديه  أوراق خطابه الإنشائي، بينما وقف الجميع في انتظار وقت إعلان النتائج الرئاسية، جل الكاميرات سَلطت عليه الضوء بينما اكتفت بعضها بتسليط الضوء على الشارع الذي كان يشتعل غضبًا، اختلفت المشاعر بين خيبة الأمل والامتعاض الشديد من السلطة، التي أظهرت براعتها في وضع سماعات الأذن وتجاهل ما يريده الشعب في تذكير مباشر بما كان يحدث زمن الظلام، حين سيطر بوتفليقة ونظامه على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الجزائر، الأمر مختلف الآن السلطة فعلًا لا تحتاج لارتداء سمعات؛ لأن الشعب لم يعد واحدًا مثلما كان، بل شردته المواقف وصار مشتتًا بين مختلف الآراء والتوجهات في ما يعرف سياسيًّا بمصطلح «الفوضى»، النظام قرر أن يميل لصالح الطرف الذي يلائمه أكثر «داعمي الانتخابات»، كان الأمر مثيرًا للشفقة والخيبة أن يفقد الشعب قوته كلها، والمتمثلة في شمولية مطالبه ووحدتها، «الحراك لم يكن يومًا مصدرًا للقوة، الشعب هو بحد ذاته كان القوة، الحراك كان وسيلة ضغط وطريقة تعبير فقط».

من هنا وبالتحديد مذ أعلن الجيش المغلف بسلطة مدنية توجهه نحو الانتخابات، انقسم الشارع إلى ثلاثة أقسام مهمة:

أولها الرافضون، عِلتُهم واضحة «الرفض التام لإجراء انتخابات يشرف عليها نظام فاسد خشية أن يلتف حول مكاسب حراكهم ويحرمهم إياها ويرصص الطريق لعشرية جفاف أخرى»، لكن مشكلة هذه الشريحة من الشعب كانت في الحلول التي تعبد طريق الديمقراطية في البلاد، كانت الأفكار شحيحة ومنعدمة، فيما قوبل كل اقتراح من السلطة بالرفض، ربما كان يمكن لهم أن يقدموا حلولًا ناجعة إذا كان للحراك نخبُ سياسية، لكن بطريقة أو بأخرى جُرِد الحراك من نخبه السياسية خشية الأفكار التي لا تلائم توجه النظام وعقيدته، السلطة لم تكن يومًا لقمة سهلة، وبما أنها تقدم الآن تنازلًا للسلمية، فكان على الحراك أن يدفع ثمنًا آخر من غير الدم، وهو الاعتقالات المُمنهجة ضد النخب التي تزعجها، الشعب هجر السياسة طويلًا، ومن دون الفاسدين جرئيًّا الذين انشقوا عن الفساد وركبوا موجة الحراك الشعبي مبكرًا أملًا في سلطة أكبر، سيضيع المتظاهرون في غياهب السياسية التي لا يفقهونها، أضف إلى ذلك سياسة التعتيم الإعلامي التي فرضت ضد الحراك، وغض الطرف عن وجودهم في الساحة، حتمًا ستعاني الفئة السالفة الذكر  نفسيًّا وسياسيًّا وستفقد شيئًا فشيئًا شغفها بالتغيير، وتنحرف المطالب، ويفترق الجمع، ويصبح صوت الفرد أقوي من الجمع.

الفئة الثانية، المهللون للانتخابات، هؤلاء يرحبون بفكرة الانتخاب ليس كقناعة بالممارسة الديمقراطية الشفافة، بل كضرورة لإنقاذ الدولة من هلاك سياسي واقتصادي وشيك، أو كما يقولها صديقي المراسل الصحافي «أخشى من أن تدخل البلاد في جدار فولاذي».

سؤال آخر ينبغي طرحه ما الجدار الفولاذي؟ وكيف أصبحنا أمامه هكذا فجأة؟

السلطة، لا أدري كيف تملصت من تهمة الانهيار الذي نعيشه اليوم، فيما راحت  تتلقى الثناء لأن حال الجزائر لم يؤل للعنف مثل الكثير من الدول العربية،   أليست السلمية صفة اكتسبها المتظاهرون، فكيف أصبحت هكذا توأمًا للسلطة؟

داعِمُو الانتخابات شعروا بأنهم أمام حتمية الاختيار، فدولة بلا رئيس هي دولة فاقدة الشرعية، انتخاب تبون أو غيره هو من أجل القرارات التي سيتخذها فيما بعد تحت ضغط الوعود الانتخابية، تعديل الدستور ومحاربة الفساد، إحداث تغيير في المعايير الانتخابية، إصلاح قطاعات التعليم والصحة.

لكن أيعقل أن يقدر رئيس منتخب حديثًا بعد ثورة على أن يحدث التغيير سريعًا؟

أتذكر دوما مرسي – رحمة الله عليه- حين ألقى وعدًا انتخابيًّا ثقيلًا كان بنسبة كبيرة سببًا مباشرًا  في انقلاب يونيو الذي نفذه الجيش برعاية جزء من الشعب، مرسي وفي يوم من أيام حملته الانتخابية، وعد المتظاهرين المقهورين من نظام مبارك بتغيير جدري في مائة بوم فقط، في بعض الأحيان أشعر أن مرسي كان ساذجًا جدًّا، وليس على دراية بدهاليز السياسة أولًا، ومشكلات الدولة المصرية ثانيًا، فبعد انتخابه وجد الواقع مغايرًا جدًّا، الدولة المصرية منهارة وعاجزة ومن الصعب أن تقلع مجددًا دون إصلاح واسع النطاق يتطلب الكثير من الجهد والوقت، ربما لم تكن تكفيه فترة رئاسية لمعالجة قضايا بسيطة كالبناءات العشوائية، وظاهرة تهريب الآثار مثلًا، التي بلغت بعد ثورة يناير أرقامًا قياسية، وعدُ المائة يوم ذاك كان مقصلته أيضًا، الثورة لم يصبها الصقيع بعد، ومرسي سيكون رمادها الذي ستندلع منه مجددا.

تبون رئيس آخر لثورة أخرى في بلد مغاير، ولكن التحديات والصعوبات نفسها، يواجه الآن تحدي المائة يوم، الشعب الذي ذهب للصناديق لأجل التغيير الشرعي سيفقد ثقته في شخصه بسهولة، وسريعًا ما ستنقلب تلك الشريحة ضده، أضف إلى ذلك من هم في الشارع مسبقًا، سيصبح حاله كحال سابقه، وسيعود شعار «يرحل الرئيس» إلى الشارع مجددًا.

تبون أمام تحد أول يتمثل في كسب ثقة الفئة التي انتخبته، وثانيًا وهو الأصعب إفراغ الشارع من المتظاهرين المتعصبين لدولة جديدة بمقاييس مغايرة عن دولة الخمسين عامًا السابقة.

– «سيل من الشتائم والتخوين يدفع بفئة كبيرة من الشعب إلى التزام الحياد»

الفئة الثالثة، التي ترى في كون الحياد موقفًا، المحيط السياسي في الجزائر متعفن، الأحزاب فاشلة والمجتمع المدني والجمعوي أصبح مصدرًا للشائعات بكونه مرآة للسلطة غرضه غسل الأموال المشبوهة فقط. النخبة تفرقت بين من غادر صوب العالم الأول، ومن قرر البقاء في الظل خوفًا من الشمس، الحياة السياسية في الجزائر أصبحت مرادفًا للفساد وكل ما يلزمك لتصبح سياسيًّا هو القليل من الفساد العلني، أضف إلى ذلك سياسية التخوين والشتائم التي انتهجها الفئتان السابقتان بعضهما ضد بعض، «الزواف ولحاسين الرونجاس» تلك المصطلحات دفعت بالكثير من الجزائريين من النخب المثقفة إلى الحياد خوفًا من الرأي الآخر، الانتخابات شهدت عزوفًا عن المثقفين؛ لأن الكل بات خائفًا من أن يحرق فرصته في الظهور، لوهلة أصبحت الجزائر عاقرًا عن إنجاب قيادات بكفاءة عالية في التخطيط والتنفيذ، لكن الحقيقة التي يجب ذكرها هو أن الجزائر ليست عاقرًا، بل تعاني من التوحد.

المشكل اليوم أعمق من أن يختزل في  شارع وسلطة ورئيس، الواقع أننا نعاني من أيديولوجية التغيير، مشكلتنا أن الفساد أصبح علنيًّا وفي بعض المراحل تحول إلى فساد يحميه القانون، وذلك هو ما جناه المجتمع من فترة بوتفليقة التاريخية، خصوصًا بعض تولي أخيه زمام الحكم مستغلًا بذلك ظروف أخيه الصحية بطريقة قذرة، في الجزائر وبالتحديد بعد عام 2014، أصبح  الجميع في نظر الشعب البسيط، الجميع، خائنًا وفاسدًا، وهذا ما صنعته الصورة النمطية لنظام بوتفليقة السابق، قوة سياسية وعسكرية جعلت من الفساد وليمة يتقاسمها الجميع برغبتهم ورغمًا عنهم أيضًا.

وعد تبون الأول كان بمد يد الحوار للحراك أملًا في الوصول إليه، الكل الآن ينتظر جواب الشارع يوم الجمعة وبين معارض ومؤيد لمبدأ الحوار، يفقد الحراك من جديد نسبة أخرى نتيجة اختلاف الرؤى والطموحات، لكن ما هو أكيد أن جميع الأطراف ستتجه بطريقة أو بأخرى لطاولة الحوار، لكن شروط الحوار وعناوينها ستحددها قرارات تبون والسلطة الجديدة بنسبة كبيرة، لكن مجددًا تبون أو غيره، التغيير لا تحدثه أنظمة الحكم بل شعوبها، المشكل يكمن في طريقة التفكير، وليس في الرؤوس التي تفكر، الفساد لن تقطع دابره محاكمة أو سجن، بل نظم تعليم وتكوين جديدة بأياد محلية، استيراد الأفكار محطم للشعب نفسه.

وكما يقول مالك بن نبي في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي:

نحن لا نستطيع أن نصنع التاريخ بتقليد خُطى الآخرين في سائر الدروب التي طرقوها، بل بأن نفتح دروبًا جديدة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد