سنة على الحراك

تقترب ذكرى حراك الشعب الجزائري الذي انطلق في 22 من فبراير (شباط) 2019 وأطلق العنان لمظاهر جديدة من المظاهرات السلمية تنأى بالبلد والشعب عن براثن الاقتتال والتدخلات الأجنبية في الشأن الداخلي.

لكن هل انتصر الشعب أم لا زال الصراع مستمرًا بينه وبين طغمة حاكمة تأبى الاستجابة لمطالب عمرها الآن السنة إلا قليل؟ في الحقيقة لم يتغير شيء، بل جرى الالتفاف على مطالب الشعب، تاركين إياه يخرج كل جمعة ناشرًا مطالبه التي تطورت بمرور الأيام، فبعد استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وسجن بعض رؤوس الفساد، نسخ النظام نفسه من جديد وجاء بأشخاص كانوا فاعلين في الحكومات السابقة وكانوا رؤوسًا للنظام القديم، إلا بعض الشخصيات الجديدة التي أتوا بها لذر الرماد في العيون وللقول إن هناك تغييرًا، وأن التغيير يجب أن يكون على مراحل، وليس دفعة واحدة، وهذا كذب وافتراء على الشعب؛ فما يحدث اليوم هو نفس ما كان يحدث في عهد الرئيس المخلوع من سياسة «محيطي هو الأولى بي وأصدقائي ومعارفي أولى بالمناصب».

الشيء الوحيد المختلف عن البارحة أن هناك رئيسًا يتكلم ويا ليته ما كان يتكلم، ففي خطاباته قلة خشونة وكثرة ليونة وغياب «كاريزما»، كما أنه يظهر بمظهر الضعيف جدًا أمام كبار الشخصيات العالمية، ويفتقد للخبرة والدبلوماسية، وما الخطأ الذي ارتكبه مع اوردوغان حول ملف الذاكرة سوى خير دليل على ذلك.

أما بالنسبة لوزرائه المعينين فكان وزير التجارة الأكثر إطلالًا على الجزائريين من خلال مواضيع في قمة التفاهة وتتحدث عن الدينار والدينارين لكيس الحليب، الذي هو أصلًا عبارة عن بودرة مستوردة وخليط ماء كيس عار يباع بـ25 دينار، ليخرج الوزير للحديث عنه، وهو كيس عار لا يحمل فائدة، فكان الأجدر أن يخرج للحديث عن ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء والسمك وعن تقنين البيع ووضع الأسعار على المنتجات كاملة كي يكون متعارفًا عليها ولا يكون هامش الربح للبائع يوازي الضعف في كل السلع، وليس فقط كيس العار.

وفيما يخص بقية الوزراء من قطاع التكنولوجيا، الذي لا أدري إلى أين يسير، فقد خرج علينا بعض عباد الله يتحدثون عن الذهاب نحو تقنية الجيل الخامس التي كان سببًا في اشتعال حرب اقتصادية عالمية بين أمريكا والصين، لتأتي الجزائر التي لا تغطي حتى كامل ترابها الوطني بالجيل الثالث راغبة في تغطية شاملة لأراضيها بالجيل الخامس. شيء يثير الضحك والحيرة في نفس الوقت لبلد يتذيل ترتيب التصنيف العالمي لأعلى سرعات التدفق.

قطاع النقل، الصيد البحري، وزير الداخلية، رياضة النخبة، وزارة الحاضنات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والوزير ذو 26 سنة، وما شابههم لم نرهم ولا سمعنا لهم صوتًا إلى غاية كتابة هاته الأسطر.

وهنا يقودنا المآل للتطرق لقضايا وزير العدل ووزارة العدل التي وضعت الحراكيين من سجناء الرأي وأولئك الفاسدين من رجال الأعمال والوزراء المسجونين بنفس المقام، قبل أن يطلق البعض منهم مؤخرًا بعفو قيل إنه رئاسي، وزير العدل الذي يظهر وكأنه يعيش تحت وطأة ضغوط بسبب ما يحدث في وزارته من عدم تفاهم مدرائه وتراشقهم بالبيانات، ففيهم من أعطى أمرًا ليخرج آخر بنفيه، ولا أريد الخوض في القضية حتى لا يطول المقال أكثر مما هو عليه.

لنعد للأمور السياسية، الشجرة التي تغطي الغابة هو وزير الخارجية صبري بوقادوم، الذي يقوم بمهامه على أكمل وجه، فلسنا بصدد نقد الجميع في هذا المقال، بل نحن نريد تقييمًا شاملًا لمهام الموكلين من المنتخبين (وأنا لم أنتخب) لبناء ما سمي الجمهورية الجديدة، التي يبدو أنها قديمة بطابع أسوأ من القديمة.

في النهاية تمنينا أن تكون بلادنا كتلك التي رآها أجدادنا من المجاهدين والشهداء الذين وهبوا أنفسهم فداءً لهذا الوطن كي يكون مستقلًا قويًا بين البلدان، ولكن للأسف أولئك آبائي فجئني بمثلهم. لقد افتقدنا أمثالهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد