هي: بكيت دائمًا على مصير هيروشيما.

هو: دائمًا؟

هي: لا.

هو: الذي كان يبكيك قد انتهى.

هيروشيما حبيبتي.. فيلم اضطرتني الرواية الجزائرية الثانية للعودة إليه ومشاهدته – الأولى كانت رواية سليم باشي (اقتلوهم جميعًا) والثانية رواية سعيد خطيبي (حطب سراييفو) (وأرشح كلتا الروايتين للقراءة)، فإن كانت رواية باشي عن ما قبل رحلة أخيرة لمتشكك أو لا أدرَيّ للموت أو للقتل باسم الإسلام فرواية سعيد خطيبي عن عودة أو نجاة منهما بعد حربين كان للإسلام كلمته فيهما وحضوره في الروايتين، لا في الفيلم.

سليم باشي في روايته: هيروشيما حبيبتي، عنوان قذر لفيلم شاهده في قاعة مظلمة في باريس حينما كان يتحضر ويعد نفسه ليصبح واحدًا منهم، شخصًا قذرًا بلا تاريخ، وبلا حضارة، اندماجي في طريق التفتت، ولكنه فضل التطرف؛ من الكلمتين اختار اسوأهما. ص 13.

سعيد خطيبي في روايته: لمحت أفيش فيلم (هيروشيما حبّي)، كتب أسفله: 40 عامًا مرت على أقوى قصائد الموجة الجديدة في السينما. سمعت عن هذا الفيلم في أكاديمية الفنون، صادفت عنوانه في مقالات، لكن لم يسبق لي أن شاهدته.. وجدته فيلمًا صادمًا ومدهشًا، وندمت أنني لم أشاهده قبل. ص 194.

هيروشيما حبيبتي، هل هو فيلم؟ أم لحظات وتأملات أو مراجعات سردية حول رعب الحرب والمعاناة والنسيان والتذكر؟ هل هو رواية مصورة؟ توثيق من نوع جديد؟ امتداد للرواية الفرنسية الجديدة؟ هيروشيما حبيبتي، فيلم سردي بصوتين، لتجربتين، لحياتين؛ هناك ممثلة فرنسية (إيمانويل ريفا) في هيروشيما لتصوير فيلم عن السلام. تمضي ليلتها الأخيرة مع مهندس معماري ياباني (إيجي أوكادا). وتكشف له/لنا استكشافاتها للمدينة التي أعيد بناؤها، ولا سيما النصب التذكارية التي تشبه المتنزهات ذات الطراز الحديث، المهندس ينكر عليها معرفتها بهيروشيما، تؤكد له معرفه بها.

الفيلم (المخرج أو الكاتبة) يستغل تقنيات الرواية الفرنسية الجديدة – وهذا التيار الذي ستنتمي له كاتبة السيناريو مارغريت دوراس Marguerite Duras فيما بعد في بعض من كتاباتها الروائية- في عدم تقيداتها بخط أو مسار محدد تتجه نحوه قصة الفيلم وزماكنيته؛ فتتحول الحوارات التي يفسح الفيلم للمثلين فيها المجال لمونولوج طويل أو سرد لسيرة ذاتية. يغلب صوت الممثلة الفرنسية فيهما فمن هيروشيما إلى نوفير – القرية الفرنسية الصغيرة – تتدفق ذكرياتها المسرودة؛ ذكريات مؤلمة عن علاقة حب في نوفير – قريتها – وقت الحرب – الحرب العالمية الثانية – مع جندي ألماني، يجر عليها الإذلال وصولًا إلى العلني منه في ذروته على أيادي والديها الوطنيين المتحمسين. هكذا تتفسخ الذاكرة، وكذلك وجهتها، من رعب النسيان الحتمي إلى الأمل فيه أيضًا؛ ليكون من الأفلام القليلة التي يتقن فيها جمع الماضي مع والحاضر في سيل متدفق للتعابير عن الذكريات أو المشاعر بلا زمكانية مقيدة فننتقل من مشهد حالم جميل لِيَلِيَهُ ما يذكرنا بكابوسية عيشت تتمنى الاستفاقة الفورية منها وعدم تكرار التجربة؛ من حوارات الفيلم:

هي: اسمعني؛ مثلك، أعرف ما الذي يجب عليّ نسيانه.
هو: لا، أنت لا تعرفين ما يجب أن ينسى.
هي: مثلك، أنا لدي ذاكرة أعرف ما الذي يجب أن ينسى.
هو: لا، أنت لا تملكين ذاكرة.

فيلم سيخلد في الذاكرة ستعاد مشاهداته، تأملي لاسوداد الشاشة وصمت موسيقاه الرائعة المتدفقة بمعزوفات لا يمكن الحديث عنها، بل الإنصات لها فقط وفقط.

من الفيلم بما سيبقى محفورًا في الذاكرة أختم:

هي: عندي أخلاق مريبة، كما ترى.
هو: بماذا تصفين من لديه (أخلاق مريبة)؟
هي: أن يكون مرتابًا حول أخلاق الناس الآخرين.

الفيلم من إخراج آلان رينيه وسيناريو: مارغريت دوراس. وهو فيلم فرنسي ياباني، عُرض عام 1959، تقييم الفيلم في موقع IMDB هو ثمان من 10 وفي موقع AlloCiné هو 3.7 من خمس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد