(1)

عندما يتحدث أنصار العهد الحالي عن أهم إنجازاته فإنهم يستحضرون على الفور حل مشاكل الكهرباء التي شغلت المصريين في أواخر عهد الرئيس مرسي وخلال العام والنصف الأول من عهد 3 يوليو (تموز)، فهي في نظرهم أهم وأظهر إنجازاته الداخلية، والتي مست كل بيت في مصر.

(2)

وبغض النظر عن التآمر الواضح الذي واجهته الدولة أواخر عهد الرئيس مرسي بغرض إسقاط الرئيس، والذي شمل خلق أزمات حادة مصطنعة في السلع الرئيسية وعلى رأسها الكهرباء، فإن مصر كانت تعاني بالفعل في تلك الفترة من نقص الإنتاج مقارنة بالأحمال، مما كان يستدعي انقطاع الكهرباء على الأحمال الزائدة، وقد أخبر السيسي بنفسه في لقائه الشهير مع إبراهيم عيسى ولميس الحديدي أن هذا النقص في حدود 2000 ميجاوات، وقال السيسي يومها أنه بخطط ترشيدية يمكن تعويض هذا النقص بل وتغطيته بمثله دون الحاجة لبناء محطات جديدة.

(3)

وإذا نحينا جانبًا تلك المبالغة الأخيرة الصادرة عن غير المتخصص، فيمكن القول أن مصر كانت في تلك الفترة تحتاج إلى 2000 ميجاوات لتعويض النقص، ثم تحتاج إلى 3000 إلى 4000 ميجاوات إضافية لإنشاء ما يسمى بالاحتياطي الدوار لتغطية الأحمال في حال خروج بعض الواحدات للأعطال أو الصيانة، إذ المتعارف عليه أن (الاحتياطي الدوار) أي الجاهز للدخول مباشرة إلى الشبكة يكون في حدود 8% إلى 15% من إجمالي الأحمال، وهكذا فقد كانت مصر على أقصى تقدير تحتاج إلى 6000 ميجاوات إضافية، تزيد حوالي 1000 ميجاوات كل عام، وتم بالفعل ما يسمى بالخطة الإسعافية لإدخال وحدات على الشبكة بصفة عاجلة لسد العجز، وتم بالفعل إغلاق الفجرة في عام 2015.

(4)

لكن الذي حدث بعدها غير مفهوم، حيث توسعت الدولة جدًا – وبصورة عاجلة وفجائية وغير علمية بالمرة – في بناء محطات عملاقة متعددة في وقت واحد، ففاخر السيسي ونظامه بأنه فاوض شركة سيمنز بنفسه وحصل منها على سعر مناسب لبناء ثلاث محطات وهي (العاصمة الإدارية) و(البرلس) و(بني سويف) بإجمالي طاقات بلغ 14400 ميجاوات لتلك المحطات وحدها، بالإضافة لإنشاء محطات أخرى كثيرة مثل محطة شمال الجيزة (2250 ميجاوات)، ومحطة غرب أسيوط (1000 ميجاوات)، ومحطة عتاقة (650 ميجاوات)، توسعة محطة السادس من أكتوبر (600 ميجاوات)، ومحطة غرب دمياط (500 ميجاوات)، وغيرها من المحطات، وذلك رغم الأزمة المالية الطاحنة التي كانت مصر تمر بها – وما زالت بل وتفاقمت بمثل تلك المشروعات غير ذات الجدوى – ووصل الأمر أن فاخرت جريدة الأهرام في الصفحة الأولى من عددها الصادر يوم 25 يوليو 2018 تحت عنوان (طفرة هائلة فى الكهرباء وقفزة كبيرة إلى المستقبل) أن السيسي افتتح مشروعات محطات عملاقة في اليوم السابق بإجمالي طاقات يبلغ 25 ألف ميجاوات!

(5)

وهكذا أصبحت أرقام (إمكانية) الإنتاج بداية 2019 تبلغ 58 ألف ميجاوات بينما أقصى استهلاك يبلغ حوالي 30 ألف ميجاوات، ونظرًا لأنه لا يمكن للإنتاج أن يزيد عن الاستهلاك وإلا خرجت الشبكة تمامًا خارج الخدمة، فمعنى هذا أن نصف محطات الشبكة الكهربائية المصرية تقريبًا ستضطر للتعطل عن الإنتاج، وهي بديهية وحتمية هندسية يعلمها كل من يعمل في مجال إنتاج الكهرباء، وهو بالطبع ما حدث بالفعل وتسربت أنباؤه رغم محاولات التكتم، مما يمثل إحدى أكبر كوارث إهدار المال العام في تاريخ مصر المعاصر، وأكثرها سفورًا وفجاجة.

(6)

ولا يمكن أن يقال – كما يقول السيسي وإعلامه – أن هذه المحطات (تبنى للزمن)، فمحطات الكهرباء ليست عمارات أسسمنتية!، بل هي تتكون من معدات وأجهزة شديدة الحساسية وفي حاجة دائمة للعمل وللصيانة الدورية المكلفة، وبالتالي فإن إنشاء محطات لا تستخدم لوجود فائض إنتاج في الشبكة هو تخريب صريح لموارد البلاد التي كان يجب أن توجه للمجالات ذات الاحتياج مثل الصحة والتعليم، كما يعني فرض أعباء جديدة على الشعب من خلال أعباء الديون التي ترتبت على إنشائها بالإضافة إلى أعباء تكلفة تشغيلها غير الاقتصادي وصيانتها.

(7)

وكيف وبأي منطق وبأي حق يتفاوض رئيس البلاد مباشرة وحده مع رؤساء الشركات الأجنبية ليخرج بقيمة للمشروعات الكبرى تتحملها البلاد وشعبها؟!، كأننا في العصور الوسطى وليس في عصر الدولة الحديثة حيث الضوابط والفصل بين السلطات والمهام المحددة لكل منصب، والمفترض أن مصر جمهورية دستورية وليست سلطنة يحكم فيها السلطان بما يتراءى له، وكيف يحق لموظف عام ولو بدرجة رئيس جمهورية أن يتعامل مباشرة فيما يخص مشروعات بتلك القيم في إطار مفاوضة مباشرة مغلقة وليس في إطار مناقصات عالمية شفافة؟!، ألا يحمل هذا شبهات فساد مالي شبه مؤكدة، وينقل لنا إعلام السيسي كيف أن رئيس سيمنز وروساء غيرها من الشركات منبهرين بقدرات السيسي التفاوضية، ويعتبرونه أصعب مفاوض مر عليهم!، أحقًا؟!، يكاد المريب يقول خذوني، وتكاد الأكمة تفصح عما وراءها، وتكاد الأمور تنطق بما تحمل.

(8)

ومن المذهل أن يحدث هذا ووزارة الكهرباء في عهدة أحد أكبر الاستشاريين في مصر والعالم العربي وهو د.شاكر المرقبي، لكن الرجل ليس أكثر من منفذ طالما الرئيس يتفاوض بنفسه مع شركة سيمنز وغيرها، وهو الذي يقرر – بالإنفاق مع تلك الشركات – قدرات تلك المحطات وأسعارها!، وطالما الحال هكذا فالوزير وطاقمه ولجان الدراسات بالوزارة خارج الصورة تمامًا، وخارج دائرة صنع القرار في صميم اختصاصهم، وليس لهم من الأمر شيء إلا الإشراف الفني على تنفيذ ما أمر به الحاكم!

(9)

أما كيف ارتضى هذا الوزير العالم الخبير لنفسه هذه المهانة والتهميش؟ وأن يلصق بعهده وبه شخصيًا وصمة إهدار عشرات المليارات من الدولارات من مال الشعب (تقدر المبالغ التي أنفقت في القدرات الزائدة حاليًا بأكثر من 20 مليار دولار)؟ وأن يشارك في تلك الجريمة بوجوده وبحكم منصبه ومسؤولياته السياسية والجنائية؟ فأمر سيتوقف عنده تاريخ تلك الحقبة، وهو ما يؤكد أن كل مشارك في تلك المرحلة يصعب أن ينجو من خطاياها، ولو كان في وزارة خدمية، فلم يعد للوزير إلا أن ينفذ الإملاءات العلوية في صمت، مقدمًا الكرسي عن كل اعتبار علمي أو أخلاقي آخر، فاشترى الزائل بالباقي.

(10)

وإذا كانت تلك هي حقيقة أهم وأشهر إنجازات العهد الحالي، سفه وإهدار غير مسبوق للمال العام تسبب في المزيد والمزيد من تكبيل مصر بالديون، وفساد إداري وإهدار للدستور وللقانون وللمنطق، وتغول في سلطة الرئيس مقابل تهميش في سلطات غيره من المسؤولين، وشبهات مباشرة للفساد المالي، إن كانت تلك هي حصيلة أهم إنجازاته فكيف هي أخطاؤه؟، إذا كانت إنجازاته تحمل في طياتها تلك الكوارث، فكيف بكوارثه؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد