عادة ما يكون القرار الأخير، أو المبادرة الأخيرة لرئيس الدّولة، مطلق دولة، عبارة عن رسالة أخويّة يقرّ فيها قاطن القصر بصوت الشّعب، ليُسلِّمَ خلفه مكتوبًا مُفعمًا بالوطنيّة ومشاعر الانتماء متمنِّيًّا للأخير كلّ النّجاح، ليس حبًّا به وإنّما لما فيه ذلك من مصلحة للبلاد والعباد. وقد يصحّ القول أنّ مبدأ الديمقراطيّة بحدّ ذاته مرهونٌ بسلاسةِ الموقف: التّسليم والتّسلُّم. إلّا في لبنان! لبنان الّذي لم يسلم يومًا من فراغٍ، فعايشه بجميع أشكاله، رئاسيٌ، حكوميٌ، نيابيٌ، لدرجة أنّه بات مشهدًا طبيعيًّا في السّياسة اللّبنانيّة يتكرّر بين فترة وأخرى، إلى أن تكيّف النّاس مع هذا الواقع، لتسقط عنه صفة «الخلل» ويسارع حكّام الوطن إلى ترقيته إلى رتبة «الضّروري»، فالمُهَلُ الدّستوريّة لم تعد تكفي لعقد صفقة من هنا أو نسج تسوية من هناك.

والأكيد أنّ دستور البلاد لا يعترف بالفراغ، لا بل أنّه يقطع الطّريق أمام أيّ محاولة للتّسويق له، فيجزم تولّي رئيس الحكومة مهامّ رئاسة الجمهوريّة إذا ما تعذّر انتخاب رئيسًا جديدًا للبلاد، ويَمنحُ الحكومة صلاحيات استثنائيّة في حال انتهاء ولاية مجلس النّوّاب دون الدّعوة الى التّوجّه إلى صناديق الاقتراع، فضلًا عن إلزام مجلس الوزراء بتصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة تنال ثقة أعضاء البرلمان. إلّا أنّ ثقة المواطن بالدّولة والمسؤولين لا يُمكن أن تكون إلّا معدومة طالما أنّهم عاجزون عن تجنّب الفراغ والشّلل المؤسّساتيّ، فما بالكم بالمجتمع الدّولي والقوى العظمى!

وفي حين انتظر اللّبنانيّون على امتداد 10 آلاف و452 كم مربّع أن ينتهي عهد الرّئيس السّابق ميشال سليمان بلفتة جميلة أو نداءٍ أخيرٍ يبعث الأمل، ما كان من سليمان إلّا أن يترك على طاولة المكتب مرسومًا يتيمًا يوافق بموجبه على فتح دورة استثنائيّة للبرلمان، بهدف «لمّ الشّمل» والإتيان بقائدٍ جديدٍ. خرج الرّئيس من قصر الشّعب ليحلّ مكانه «فخامة الفراغ»، رافضًا التّمديد حفاظًا على قدسيّة الدّستور واحترامًا لنصوصه. ولم يكن عهد سليمان بطبيعة الحال أفضل العهود في تاريخ لبنان، ولا أكثرها استقرارًا. وكانت جلسة انتخابه قد وُلِدَت من رحم مؤتمر الدّوحة بعد سلسلة من الأحداث الأليمة الّتي كادت أن تُدخل البلاد في دوّامة الحرب الأهليّة من جديد بعد أحداث السّابع من مايو (أيّار) من العام 2008.

ومن المعلوم أنّ ما من تغيير حقيقي حصل خلال تولّيه الرّئاسة، إلّا أنّه نجح في دوره كحكم وبقي على مسافة واحدة من الجميع، فدعا إلى طاولة حوار أفرزت «إعلان بعبدا»، وفصل بين الدّولة وحزب الله لما فيه من مصلحة للدّولة، فلم يدخل لبنان اللّائحة السّوداء ولم يشعر الحزب بحصار، كما لاقى انتخابه ترحيبًا عربيًّا ودوليًّا تجلّى بحضور سلك ديبلوماسيّ عريق إلى جلسة الانتخاب. وكان لذلك انعاكاساته الايجابيّة على القطاعات الاقتصاديّة والسياحيّة الّتي شكّلت أرباحا استثنائيّة خلال النّصف الأوّل من عهده ليصل النّموّ إلى ما يقارب الـ11%.

إنّ الأحداث الّتي ضربت المنطقة مع انطلاق الرّبيع العربيّ تركت بصمتها السّوداء على العهد، لكنّ مستجدّات السّياسة حينها ظلّت تترك انطباعًا إيجابيًّا لدى الغرب، فمعارضة المشروع الإيرانيّ داخل قاعات الدّولة كان كافيًا لكفّ المطالبات الدّوليّة بحلّ ميليشيات ما قبل الطّائف واعتبار المسألة داخلية، وهو ما حاول وفشل سليمان في تأكيده مرارًا وتكرارًا في جلسات حوار دون جدوى، لكنّه حاول!

وإذا كان يصرّ البعض على اعتبار سليمان «خشبيّا» حسب تعبيرهم، إلّا أنّه لم يرمي بنا إلى العصر الحجريّ، إنّما حافظ على القليل القليل من كرامة المواطن الّذي كانت ودائعه محفوظة وبالعملة الصّعبة، وأدويته في رفوف الصّيدليّات لمحاربة أمراضه المستعصية، دون ذكر المازوت الّذي أنار البيوت والمؤسسات قبل أن يتحوّل إلى نادرة من نوعه في عهد خلفه.

نعم، إنّ طموح الشّعب لا يقف عند حدود تقنين كهربائيّ طفيف تغطّيه مولّدات خاصّة، ولا عند بضعة دولارات، ولكنّ ذلك لا يعني أبدًا تفقير الشّعب أو تجويعه، بل المضيّ قدمًا في تحسين أوضاعه المعيشيّة. وهنا الفرق!

لم يفلح عون في اتّباع سياسة الحياد، فوقف بجانب محورٍ بعيد كلّ البعد عن سيادة لبنان ورسالته، فاحتقر الجيش بالتّشكيك في قدرته على الدّفاع عن لبنان في كلّ مقابلاته، الجيش الّذي قاده الجنرال نفسه قبل 30 عامًا. وعاد ليخنق طرح الإستراتيجيّة الدّفاعيّة الّتي كانت لتُجنِّبَ البلاد الحصار الحاصل، فلم يَثِر تلك المسألة ولو مرّة، وراح بعدها يغضّ الطّرف عن تهريب حاجات الشّعب إلى سوريا، تاركًا حدود الوطن مستباحة كما لو أنّها ملعب كرة قدم، ليطلّ علينا اليوم، برفقة رئيس حكومة «بلاستيكيّة» معلنًا معركته «الدونكيشوتيّة» على شياطين متآمرين من دون تسميتهم. ولا زال الرّئيس ومعاونوه يتساءلون عن سبب شحّ الدّولار وإفلاس الشّركات وارتفاع معدّلات الفقر في البلاد.

الأكيد أنّ المسؤوليّة لا يمكن أن تقع على عون وحده، حتّى أنّه من غير المقبول لوم الرّئيس فقط لا غير على ما آلت إليه الأمور، لكنّ التّاريخ سيكتب أنّ في عهده فرغت أمعاء الشّعب، وخطف الظّلام أرجاء العاصمة، وأطفأت المستشفيات آلالتها، وعلقت أموال النّاس في المصارف لتتحوّل إلى مجرّد أرقامٍ وهميّة، واعتقلت الجهات الأمنيّة من شتمه من شدّة جوعٍ وفقرٍ، وتحوّل لبنان إلى مركز عمليّات لحكومات شرقيّة دخيلة على النّسج اللّبنانيّ الحقيقي. وقد يذكر التّاريخ إنصافًا للحقّ ونقلًا للحقيقة أنّ مرّ على بعبدا رجلًا كان اسمه ميشال عون، لكنّه لم يملأ كرسي الرّئاسة. أمّا أنا فأقولها وبصراحة: كرسي بعبدا لا يزال فارغًا منذ عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد