تحدثنا في الجزء الثاني عن معاني العرش في القرآن الكريم حسب سياق النص القرآني، وتحدثنا عن ثلاثة معاني للعرش، واليوم بإذن الله سنتحدث عن المعنى الرابع:

رابعًا:

قال تعالى: «وكان عرشه على الماء» هود:7.

ويفسر هذه الآية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: روى البخاري (2953) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أن نَاسا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ سألوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: (كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ).

يظهر لنا بأن هذا الحديث النبوي يتحدث عن بداية الخلق بالترتيب ومنه استدل المفسرون بأن خلق الماء كان قبل خلق السماوات والأرض، وهذا هو الجانب الأهم في بحثنا كما سنتحدث عنه لاحقًا.

السؤال هنا هل العرش والماء شيء واحد؟ أم شيئان منفصلان؟ فإن كانا شيئين منفصلين فلماذا لم يذكر خلق أحدهما قبل الآخر في الترتيب؟ وخاصة أن الحديث النبوي يتحدث عن بداية الخلق بالترتيب. وإن كانا شيئا واحدا فهذا يحتاج إلى تأويل في معنى العرش إلى الملك.

قال الأزهري: والعرش: الملك، يقال: ثُلَّ عرشُه؛ أي: زال ملكُه وعزُّه. بمعنى كان عرشه على الماء أي كان ملكه على الماء؛ فقبل أن يخلق الله الماء لم يكن هناك شيء غيره سبحانه كما في الحديث؛ وقبل ان يخلق الله أي شيء فعلى من يكون عرشه؟

ولهذا جاء ذكر الاستواء على العرش بعد خلق السماوات والأرض؛ وذلك في كل المواضع التي ذكر فيها الاستواء على العرش في سبع سور من القرآن الكريم وهي:الأعراف ويونس والرعد وطه والفرقان والسجدة والحديد.

ولهذا أيضا اقترن ذكر العرش هنا بخلق الماء، والماء هو أول المخلوقات كما يقول بذلك بعض المفسرين.

إن عظمة عرش الله ليست بحجمه وإنما بنسبته الى الله تعالى (عرش الله) فمهما تعطيه من حجم عظيم في  خيالك ولكنه بالنسبة إلى عظمة الله ليس شيئًا يذكر؛ ولهذا عندما وصف الله عرش بلقيس حين قال «ولها عرش عظيم» فهي عظمة قدر وهيبه وسلطان عند قومها.

على كل حال هذا الأمر يجب ألا يكون محور خلاف سوتء كان هذا العرش كناية عن الملك أو حقيقة تعبر عن ذلك الجسم العظيم الذي يغطي السماوات والأرض كالقبة كما يرى البعض، أو أنه أكبر من ذلك؛ فلسنا مأمورين بالبحث في هذا الموضوع طالما أن الله معظم في النفوس وليس محتاجا للعرش أو غيره والكل محتاج إليه وقائم به فهو الحي القيوم، ويجب أن نكتفي بقول الإمام المجتهد أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ) أحد مشاهير علماء السلف إمام المذهب الحنفي حين قال:

«ونقر بأن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.[ كتاب الوصية، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص/ 2)، وملا علي القاري في شرح الفقه الاكبر (ص/ 75).

ويقول الإمامُ أحمدُ بن حنبل (164 – 241 هـ) رحمه الله: «مهما تصَوَّرتَ بِبَالكَ فاللهُ بخلافِ ذلك».

فانظروا كيف بدأ الخلق

ويجب أن لا يشغلنا هذا الموضوع (موضوع العرش) عن أهمية ذكر الماء في الآية وعلاقة ذلك بالبحث فيما أمرنا الله به وهو معرفة بداية الخلق كما قال تعالى: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». العنكبوت: (20).

ومن هنا يجب على الفيزيائي المسلم والكيميائي المسلم أن يبحثا في قصة بداية الخلق لربطها بالنهاية من خلال السير في الأرض، والتأمل والنظر العميق لاستكشاف الحقائق العلمية وربط الأدلة العلمية ببعضها، وإعمال العقل في الحيز المناط به بعد تحريره من القصص الخرافية والإسرائيليات التي تعج بها بعض كتب التفسير لدينا.

الآية تشير إلى أن الأرض هي مصدر كل المعلومات التي نحتاجها في هذا الجانب؛ أما السفر باتجاه الكواكب البعيدة ما هو إلا مضيعة للوقت وإهدار للأموال الضخمة في الوقت الذي فيه ثلث أطفال العالم يتضورون جوعًا! ولا أعني بذلك عدم النظر واستكشاف الفضاء الخارجي.

التدبر في كتاب الله يوجب علينا وضع بعض الأسئلة التي هي مدار للبحث العلمي والتفكر العقلي؛ فإن لم يخاطب القرآن العقل فينا؛ فمن إذا غيره يكون المخاطب؟

 ومن هذه الأسئلة

لماذا ذكر الله الماء في بداية الخلق؟ وهل هو هذا الماء الذي نعرفه ام أنه سائل آخر وصف بالماء لسيولته؟ وهل يعتبر هذا الماء هو مصدر خلق السماوات والأرض؟

والجواب في التالي.

أولًا

طالما أن الماء جاء معرفا بال التعريف فهذا يدل على أنه الماء الذي نعرفه.

ثانيًا

نعم يعتبر الماء مصدر خلق السماوات والأرض من وجوه وهي:

الوجه الأول

«أصل خلق الاشياء كلها من الماء لما رواه ابن ماجه في سننه، وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبى هريرة قال قلت: يا رسول الله، إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، أنبئني عن كل شيء قال: (كل شيء خلق من الماء)» تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.

الوجه الثاني

لقوله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ» الأنبياء: (30).

تأمل أنه لم يقل سبحانه (وجعلنا بالماء) ولكن قال (من الماء) أي جعلنا الماء مصدرًا لخلق كل شيء حي.

فالماء مصدر غني بعنصر الهيدروجين الذي يعتبر أخف العناصر الكيميائية ويحمل العدد الذري واحد، وهو بمثابة وحدة بناء هذا الكون الفسيح من خلال تفاعلات الاندماج النووي التي ينتج عنها العناصر الأثقل كالهليوم والليثيوم والكربون والكبريت والحديد…إلخ، ومن عنصر الهيدروجين والعناصر الأثقل الناتجة عنه تشكل لنا هذا النسيج الكوني الجميل ليعبر لنا عن وحدة الخلق ووحدانية الخالق.

ما معنى (كل شيء حي)؟

أليست الأشياء كلها حيه لقوله تعالى «تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا» الإسراء:(44) وإن من شيء إلا يسبح بحمده؛ فالحياة درجات أقلها حياة الجماد ثم النبات، واعلاها حياة الحيوان، وارقاها حياة الإنسان.

ومن حياة الجماد قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» فصلت (11).

الوجه الثالث

قد أخبر سبحانه أنه (استوى إلى السماء وهي دخان) والدخان تمثيل للحالة الغازية للمادة، وقد جاءت الآثار عن السلف «أنها خلقت من بخار الماء؛ وهو الماء الذي كان العرش عليه».

وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة: إن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء.

ماذا لو انهارت نظرية الانفجار الكبير؟

فإذا كانت بداية خلق السماوات والأرض من الماء وبعدها جاءت مرحلة الرتق ثم الفتق حسب قوله تعالى «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ» (30)؛ ثم بعد ذلك خلق الله الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين ليكون المجموع أربعة أيام سواءً للسائلين، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين كما قال تعالى:

«قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)». فصلت.

ثم بعد ذلك جاءت مرحلة التوسع الكوني كما قال تعالى: «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» الذاريات: 47.

من هنا يتبين لنا بأن هذا التصوير القرآني لبداية الخلق لا يتفق مع نظرية الانفجار الكبير إلا في مرحلة واحدة وهي مرحلة التوسع الكوني؛ وأن الكون بدأ من حجم أصغر وهي مرحلة الرتق كما ذكرنا سابقًا؛ أما ما تقوله النظرية من أن الكون نشأ من نقطه متفردة خارج الزمن، فهذا يعتبر من وجهة نظري قفز على «السؤال الكبير» على أهميته القصوى في البحث العلمي، وحتى قوانين الفيزياء تقف عاجزه عند هذه النقطة المتفردة، وتصبح غير صالحه.

السؤال الكبير هو:

لماذا يعتبر الماء هو الانبثاق الأول للمادة من الطاقة؟

حسب قانون أينشتاين (الطاقة تساوي حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء) أي أن الكتلة والطاقة وجهان لعمله واحده، وهذا مثبوت علميًا من خلال التفاعلات النووية.

فإذا أصلنا وأثبتنا علميًا بأن الماء هو مصدر وأساس لخلق الكون المادي؛ ينفتح امامنا السؤال الكبير وهو:

لماذا يعتبر الماء هو الانبثاق الأول للمادة من الطاقة؟ ولماذا لم يكن شيء غيره؟

وهذا السؤال تعدته بل قفزته نظرية الانفجار الكبير؛ ونحن تجاهلناه على أهميته بسبب انجرارنا وتصفيقنا لنظريات الآخرين!

سيظل هذا السؤال محك اختبار للفيزياء الكونية ومنارا لها أيضًا في نفس الوقت، ومساعدا لتبسيط الحل!

وهذه دعوه مني لكل مسلم مهتم بهذا النوع من الأبحاث لإيجاد إجابة علمية لهذا السؤال، وذلك للأسباب التالية:

أولًا

لقد اصطف خلف نظرية الانفجار العظيم التيار المؤمن من الفيزيائيين من كل الديانات، وسعوا جادين لتقديم الأدلة العلمية التي تثبتها، وجاء أصحاب الإعجاز العلمي من المسلمين لتأويل آيات القرآن الكريم لدعم هذه النظرية؛ بينما وقف التيار المناهض لهذه النظرية وعلى رأسهم الملحدين، وإن كانوا أقل عددا وأضعف حجة اليوم وذلك سعيا منهم لإجهاض هذه النظرية بغرض إثبات أزلية الكون المادي.

لأن من أقوى أدلتها هو تباعد المجرات عن بعضها البعض من خلال انزياح الضوء الواصل إلينا من النجوم البعيدة إلى اللون الأحمر وهذا يتوافق مع قوله تعالى: «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» الذاريات:47. فالآية تثبت تمدد الكون وتوسعه وأنه كان أصغر حجمًا وذلك في مرحلة الرتق كما أسلفنا؛ ولكن ذلك لا يدل بالضرورة على صحة نظرية الانفجار العظيم في كل تفاصيلها؛ ولهذا فالجري وراء نظريات ليست ثابتة والاصطفاف خلفها وجعلها حكما وفيصلا بين الإيمان والكفر فهو الجهل بعينه!

ثانيًا

يجب أن تكون علوم القرآن الكريم هي التي توجه البحث العلمي وتكون منارا له في الاتجاه الصحيح وليس العكس، وهذا الأمر في متناول المعرفة الإنسانية طالما أن الخالق هو الذي أمرنا بالسير في الارض؛ والنظر لمعرفة بداية الخلق وزود الإنسان بالقدرات العقلية اللازمة للوصول إلى هذه المعرفة.

ثالثًا

هذه صيحة لإيقاظ العقل المسلم من سباته للإستفادة من هذا الكنز العظيم الذي بين أيدينا (القرآن) واستخراج الحقائق العلمية وتقديمها للعالم، وتقديم القرآن الكريم معها من هذه البوابة الكبرى (إنها بوابة العلم) بدلًا من الجري وراء الاكتشافات العلمية الغربية والشرقية والبحث عما يوافقها في القرآن فيما يسمى (بالإعجاز العلمي للقرآن الكريم).

لماذا لا يكون لنا السبق في الاكتشاف العلمي؟ لأن هذا أجدى وأنفع لتعريف غير المسلمين بالقرآن الكريم؛ وهذا هو الجهاد الكبير الذي قال الله تعالى عنه: «وجاهدهم به جهادا كبيرًا». الفرقان:52

أي جاهدهم بالقرآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عرشه
عرض التعليقات
تحميل المزيد