تحدثنا في الجزء الأول عن تنزيه الله عن الأين والجهة والمكان؛ كما قال تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» الشورى:11.

واليوم نتحدث عن العرش حتى تكتمل الصورة ويستقيم الفهم.

جاء ذكر العرش في القرآن الكريم في أكثر من موضع بمعاني مختلفة تفهم من سياق النص؛ وهذا الذي سبب لبس لدى البعض، وسنحاول بإذن الله وتوفيقه أن نوضح هذه المعاني.

أولًا

ورد ذكر العرش في القرآن الكريم بمعنى سرير الملك، كما في قوله تعالى في قصة ملكة سبأ: «وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ» [النمل: 23]، وقوله تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا» [يوسف: 100].

ثانيًا

جاء ذكر العرش الذي تحمله الملائكة وتحف حوله قال تعالى: «وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَّبِّهِمْ» [الزمر: 75]. وقال: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية» [الحاقة: 17] وقال: «الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ» [غافر: 7]. وهذا العرش بمثابة قبله للملائكة مثلما بيت الله الحرام قبله للبشر تطوف حوله؛ فالمخلوقات بطبيعتها تحب ان تلمس شيئًا محسوسًا لتعظمه، فجعل الله الكعبة للبشر والعرش المذكور للملائكة؛ وأما نسبة البيت والعرش لله فهي نسبة تشريف فقط؛ فليس قولك للكعبة بأنها بيت الله لأن الله يسكنها، وليس قولك للعرش الذي تحمله الملائكة (عرش الله) لأن الله يجلس عليه؛ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فهو القائم بذاته، والكل قائم به ومحتاج إليه.

وللإمام الفخر الرازي كلام جميل في هذا الموضوع في تفسيره الرائع المسمى بالتفسير الكبير «ومفاتيح الغيب» في تفسيره لقوله تعالى: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية» [الحاقة: 17]؛ إذ يقول: «قالت المشبهة: لو لم يكن الله في العرش لكان حمل العرش عبثًا عديم الفائدة، ولا سيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) [الحاقة: 18]، والعرض إنما يكون لو كان الإله حاصلًا في العرش، أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في العرش، وذلك لأن كل من كان حاملًا للعرش كان حاملًا، لكل ما كان في العرش، فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل فنقول: السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتًا يزورونه، وليس أنه يسكنه، تعالى الله عنه وجعل في ركن البيت حجرًا هو يمينه في الأرض، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه، لكن هذا هو المتعارف فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير، ووقف الأعوان حوله أحضر الله يوم القيامة عرشًا وحضرت الملائكة وحفت به، لا لأنه يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف». انتهى كلامه رحمه الله.

وذكر الرازي أيضًا لفتة ذكية للزمخشري في تفسيره المسمى «الكشاف»، وذلك في معرض تفسيره لقوله تعالى:

«الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ» غافر:7.

حيث قال:

«مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) فإن قيل فأي فائدة في قوله (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله؟ قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب «الكشاف»، وقد أحسن فيه جدًّا، فقال إن المقصود منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضرًا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجبًا للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرًا جالسًا هناك، ورحم الله صاحب «الكشاف» فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرًا وشرفًا» نقلًا عن تفسير الرازي.

ثالثًا

العرش بمعنى البناء، أو الملك، وهذا ما اختاره أبو مسلم الأصفهاني نقلًا عن تفسير الفخر الرازي حيث قال: «فإن كل بناء فإنه يسمى عرشًا، وبانيه يسمى عارشًا، قال تعالى: (وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) [النحل: 68] أي يبنون، وقال في صفة القرية (فَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا) [الحج: 45]، والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها، وقال: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء) [هود: 7] أي بناؤه».

ولهذا نجد بأن الله ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع من القرآن الكريم، وكلها جاءت بعد ذكر خلق السماوات والأرض أي بعد خلق هذا البناء الكوني العظيم والمحكم، وهذا البناء العظيم يسمى العرش والاستواء عليه يعني السيطرة والتدبير المحكم، وهذا لازم للحفاظ على هذا البناء أو العرش من الزوال وديمومته لقوله تعالى: «إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا» (فاطر:41).

و قال شيخنا الشعراوي رحمه الله: «الاستواء تمثيل للسيطرة ومعناه التمكن».

وهذا الاستواء بما معناه السيطرة والتدبير المحكم، ولتأكيد هذا المعنى وإثباته نجد أن الله بعد ذكر خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش ختم هذه الآيات بقوله: «يدبر الأمر» في سورتي يونس والرعد، أما في سورة الأعراف ختمها بقوله: «ألا له الخلق والأمر»، وهذا يؤكد المعنى الذي ذكرناه والله أعلم بمراده.

أما ما يتصوره البعض من أن الله جلس على سرير الملك بعد أن خلق السماوات والأرض، فهذا لا يليق بالله تعالى من وجوه ذكرها الإمام الفخر الرازي في تفسيره البديع والكبير، والمسمى بمفاتيح الغيب، وذلك في تفسير قوله تعالى «الرحمن على العرش استوى» سورة طه:5.

حيث قال:

«المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه. أحدها: أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنيًّا عنه، فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع الله عرش.

ثانيها: قوله تعالى: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية) [الحاقة: 17] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان معبودهم، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم، وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق، أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله.

ثالثها: أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض وبالعكس، فلو كان المعبود مختصًا بجهة فتلك الجهة وإن كانت فوقًا لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال المعبود تحت جميع الأشياء».

نكتفي بذكر ثلاثة وجوه، ومن أراد الاستزادة فعليه بالرجوع إلى المصدر.

أما في تفسيره لقوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ» [الأعراف: 54].

فقد ذكر الإمام الرازي 16 حجة عقلية، وثمانية أدلة نقلية، ثم قال رحمه الله: «فثبت بمجموع هذه الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله: (ثُمَّ استوى عَلَى العرش) على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز، وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان: الأول: أن نقطع بكونه تعالى متعاليًا عن المكان والجهة، ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل، بل نفوض علمها إلى الله، وهو الذي قررناه في تفسير قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ) [آل عمران: 7]، وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه.

والقول الثاني: أن نخوض في تأويله على التفصيل، وفيه قولان ملخصان: الأول: ما ذكره القفال رحمة الله عليه فقال: «العرش» في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك، يقال: ثل عرشه أي انتفض ملكه وفسد. وإذا استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا: استوى على عرشه، واستقر على سرير ملكه، هذا ما قاله القفال. وأقول: إن الذي قاله حق وصدق وصواب، ونظيره قولهم للرجل الطويل: فلان طويل النجاد وللرجل الذي يكثر الضيافة كثير الرماد، وللرجل الشيخ فلان اشتعل رأسه شيبًا، وليس المراد في شيء من هذه الألفاظ إجراؤها على ظواهرها، إنما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية، فكذا ههنا يذكر الاستواء على العرش، والمراد نفاذ القدرة وجريان المشيئة» انتهى كلامه رحمه الله.

الخلاصة

يجب علينا أن نحسن الظن في الجميع، أي من خاض في تأويل معنى الاستواء على العرش، ومن أخذ الآية على ظاهرها بغير تأويل، طالما أنهم اجتهدوا برأيهم بغرض تنزيه الله عما لا يليق به؛ وكلا حسب فهمه؛ أما تبديع وتفسيق الآخرين وأحيانًا قد يصل الأمر إلى تكفيرهم، فهذه هي الطامة الكبرى، وما ينتج عنها من مصادرة للفهم ومحاربة للتفكر والتدبر في آيات الله.

ومما أدهشني وأنا أقرأ في تفسير الإمام الفخر الرازي، وهو يغوص في معاني القرآن الكريم؛ لتجد القرآن يقدح شرارة فكره؛ ويفتح له نافذة أكبر ينظر منها إلى ملكوت الله؛ فإذا به يقدم الأدلة القاطعة لإثبات كروية الأرض، وهذا في القرن السادس الهجري الذي عاش فيه؛ بينما نجد اليوم بعض مشائخنا ممن لا يستوعبون حركتين (للأرض والشمس معًا)، الأولى حركة الأرض حول الشمس، والأخرى حركة الشمس مع الأرض وبقية كواكب المجموعة الشمسية في فلك آخر ضمن المجرة! فتجدهم يقدمون الأدلة المعوجة من القرآن لإثبات العكس، وهو أن الشمس هي التي تدور حول الأرض في مفارقة عجيبة لا تميز بين حركة الشمس الظاهرية، كما وجدها ذو القرنين وهي تغرب في عين حمئة، وبين حركة الشمس الحقيقية في فلكها داخل المجرة.

فأنت حين تنظر إلى الشمس وقت الغروب، وأنت واقف على الشاطئ فإنك تجدها تغرب في البحر، فهذه حركة ظاهرية وليست حقيقية أي أنها كما تظهر للرائي من على سطح الأرض.

لست أدري كيف سيقدمون الإسلام للعالم وهم يعترضون على أبسط الحقائق العلمية، وينسبونه للقرآن الكريم تعسفًا على حسب فهمهم الضيق.

وإني لأخشى أن يتم استنساخ تجربة الصراع الأليم بين جاليليو والكنيسة، إن لم يراجع أولئك حساباتهم.

رابعًا

العرش الذي على الماء…

نكمل الموضوع إن شاء الله في الجزء الثالث؛ وحتى ذلك الحين نترككم في رعاية الله وحفظه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عرشه
عرض التعليقات
تحميل المزيد