خمسة وخمسون عامًا خطب بين المسلمين، ولم يقل كلمة فيها كلمة مديح لسلطة فاسدة، أو حاكم مجرم، وعلى الرغم من تعرضه لتهديدات وتخويف، فإنه بقي وفيًا لسيرة والده وتقاليد أهل العلم الأنقياء فلم تلن عزيمته، ولم تهن قناته.

العلامة الشيخ هشام عبد الرزاق الحمصي، نجل الشيخ العلامة عبد الرزاق مفتي سوريا الأسبق رحمهما الله تعالى.

خطيب دمشق وأديب الخطباء وفقيه الأدباء كان أمةً وحده بحق، كان علامةً فهامةً، فقيهًا مفسرًا، مجددًا مجتهدًا، مفتيًا من الطراز الرفيع، أديبًا خطيبًا مصقعًا، لا يُضارع، شاعرًا ذواقةً للشعر، كانت له ميزةٌ عن العلماء والدعاة والناس جميعًا هي التواضع بشموخ، والشموخ بتواضع. وهذا لم يكن من فراغ، بل من ثقته بنفسه، وعلمه، ومكانته، وهيبته، ووقاره، ونزاهته، وثباته على الحق، والمبادئ السامية.

في رشده الأخلاقي

1. أحسن إلى الخلق

وأما تعامله مع الناس جميعًا فكان يحسن إلى الجميع دون استثناء، قولًا و عملًا، وإكرامًا وتكريمًا.

2. ادفع بالتي هي أحسن

كان يرد إساءة الحُسّاد بالإحسان والصفْح، والترفُعِ عنهم، وعن الرد على إساءتهم.

3. علم أو تعلم

وكان لا يرد أحدًا لجأ إليه لفتوى أو حاجة، أو لإلقاء كلمة في فرح أو ترح. أو تأليف قصيدة في مولود أو فرحه. وكان من أشد أنواع كرمه عطاؤه بالعلم، فكان يبذل كل وقته وجهده وراحته للعلم وطلاب العلم وكان يقول لمحيطه رحمه الله: أرجو أن أخرج كل ما في قلبي وفكري وجعبتي من علم وأعطيه للطلاب.

وكانت جل سعادته عندما يسأله أحد عن سؤال عميق فيه علم وتفسير وتوضيح وشرح حتى إنه رحمه الله وهو على فراش المرض بالمشفى زاره أحد طلاب العلم والمشايخ فكان يقول له وهو في حالة الألم والتعب والجهد هل عندك سؤال فبدأ بالإجابة والحديث وكأنه شاب وما به من مرض. وكنا إذا أردنا أن نواسيه وننسيه ألمه وتعبه، نسأله في العلم والقرآن والتفسير، فما إن يبدأ الحديث حتى ينتقل من التعب والجهد والمرض إلى الشباب والحيوية والنشاط، ويظل يتكلم بالعلم ساعتين دون كلل أو تعب حتى نشفق عليه ونطلب منه الراحة.

4. الحياة فكرة

كان رحمه الله في المنزل يقضي يومه بالقراءة والكتابة والتأليف، فهو إن لم يكن في صلاته أو على مائدة الطعام أو نائمًا، فهو في مكتبه منكب على القراءة والتدقيق والتمحيص والتأليف. وكان من المستحيل إن جاءه كتاب جديد واطلع عليه وعرف أنه جيد وفيه خير أن ينام تلك الليلة حتى يتم قراءته والتعليق عليه وتصحيح بعض أخطائه ولغته.

أذكر في ثمانينات القرن الماضي، كان رحمه الله يخطب الجمعة في جامع الفردوس بدمشق وكان يصلي عنده الشيخ مصطفى محايري رحمه الله. وعرف والدي أن لدى الشيخ مصطفى كتبًا جديدة غير موجودة في السوق، ومنها كتاب الكليات للكفوي، وكتاب فتاوى ابن تيمية. وطلب منه استعارتها وقراءتها، فكنت كل يوم جمعة آخذ من الشيخ مصطفى رحمه الله كتابًا جديدًا وأعيد له الكتاب الذي قبله حتى انتهت السلسلة كاملة. وهكذا كل أسبوع كان يأخذ الكتاب ويبدأ بقراءته من بعد صلاة الجمعة مباشرة وينهيه خلال أسبوع قراءة وتمحيصًا وتلخيصًا وتعليقًا ونقلًا حتى آخذه وأسلمه وأحضر له الجزء الذي يليه.

ٍكان له ثبات على الحق منقطع النظير. خطب ما يزيد عن 55 عامًا. لم يتكلم بكلمة واحدة خارج موضوع خطبه ومما يتكلم به الخطباء من:

5. ترفع عن سفاسف الأمور:

كان يترفع عن سفاسف الأمور، ولا يغتاب أحدًا، ولا يسمح أن يُغتاب أحدٌ أمامه.

6. جود في ألفاظك:

ولا يسمح أن يُنطقَ بأية كلمة أو مزحة لا تليق أمامه.

7. الدين ليس دكانًا:

كان علمه وتعليمه وعمله ونصحه وكتبه ومحاضراته كلها خالصةً لله، لم يحصل على أجر منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد