شكلت عهود ما قبل التاريخ مرحلة في حياة الإنسان الأول، تمكن فيها من تدريب حواسه وقدراته العقلية، والاستفادة من تجاربه الطويلة المختلفة. وكان لذلك أثره في نقل حياته إلى مراحل أكثر تطورًا في العقلية، والاستفادة من تجاربه الطويلة والمختلفة. وكان لذلك أثره في نقل حياته إلى مراحل أكثر تطورًا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفنية والدينية.

وشكل علم الآثار الأداة الرئيسية للتعرف على الماضي البشري، وذلك بالاعتماد على دراسة المخلفات المادية التي تركها الإنسان، من آثار معمارية، وأدوات وأسلحة وأوان، وسجلات مكتوبة، وكتابات ورسوم منقوشة على الصخر وغيرها. واستعان الباحثون الأثريون بعدد من العلوم في تدقيق الأزمنة والحقب التاريخية: فقد أدت معرفة النشاط الإشعاعي لنظائر الأورانيوم إلى تحديد عمر الأرض في 4،6 مليار سنة. كما أدى النشاط الإشعاعي للكربون 14 إلى تحديد عمر المخلفات العضوية للإنسان القديم ولبعض الحيوانات.

وكشف العلماء عن أهمية مادة الفلور الكيماوية في تحديد عمر حفريات الإنسان، فتوصلوا إلى أن هذا العنصر يتحد مع العظام بعد دفنها في التربة، إذا ما تعرضت للمياه الطبيعية المتسربة في الأرض، والتي تحتوي على هذا العنصر. ويسرت طريقة كشف الفلور، بعد تحسينه وضبطها، التمييز بين العظام التي تنتمي لكل عصر جيولوجي، إذا ما وجدت مختلطة مع بعضها في المعظمة نفسها.

وقد اتفق المؤرخون على تسمية الماضي البشري ابتداءً من ظهور الإنسان على سطح الأرض حتى اختراع الكتابة، بعهود ما قبل التاريخ، والتي استخدمت في صناعات إنسان هذه الحقبة، وقسم إلى ثلاثة عصور رئيسية، وهي:

العصر الحجري القديم.

العصر الحجري المتوسط.

العصر الحجري الحديث.

وتوصلت الأبحاث العلمية إلى بعض التطورات التي مر بها الإنسان الأول، وذلك من دراسة مجموعة من الأحفوريات الإنسانية في جهات متفرقة من العالم. وكانت هذه الأبحاث قبل الاكتشافات الأخيرة بالمغرب قد وصلت إلى أن أقدم كائن بشري تم العثور على مخلفاته، قد عاش بالنصف الجنوبي من القارة الإفريقية، في كينيا وتنزانيا وجنوب إفريقيا الحالية.

وانتقل الإنسان الأول، مع مرور الحقب الزمنية الطويلة إلى أشكال أكثر تطورًا، والتي تبينها مراحل تطور جمجمته وقامته وأدوات عمله. ومر الإنسان الأول مع توالي الحقب الزمنية عبر عدة أشكال وهي كالتالي:

الإنسان ما قبل الماهر Australopithèques

الإنسان الماهر Homo-Habilis

الإنسان المنتصب القامة Homo-Erectus

الإنسان العاقل Homo Sapiens

الإنسان الحالي Homo Sapiens Sapiens

الاكتشافات الجديدة حول الإنسان العاقل:

من خلال الأحفوريات الإنسانية كان الاعتقاد قائمًا – كما أشرنا في السابق- على أن أقدم كائن بشري تم العثور على مخلفاته قد عاش بالنصف الجنوبي من القارة الإفريقية «كينيا- تنزانيا -جنوب إفريقيا» ، لكن التنقيبات الحفرية الأخيرة في المغرب، وبالضبط بنواحي اليوسفية خاصة في موقع جبل إيغود، كشفت أن أقدم مخلفات كائن بشري تعود إلى حوالي 315000سنة، أشرف على هذا العمل فريق تكون من عبد الواحد بن نصر، عن المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التابع لوزارة الثقافة والاتصال المغربية، وجان جاك يوبلان، عن معهد ماكس بلانك للأنثربولوجيا المتطورة بألمانيا.

وغداة الإعلان على هذه النتائج العلمية برز طرحين في الإعلام، خاصة على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، الأول علمي والآخر شعبوي. الطرح الأول استبعد بشكل قاطع بعد هذه النتائج الحديث عن أن المغاربة يمثلون أصل الإنسان العاقل نظرًا لثلة من الأسباب العلمية، والطرح الثاني سارع إلى إصدار أحكام، بعضها وصل إلى تكذيب وتشكيك مجموعة من النظريات التاريخية حول أصل سكان المغرب، منها نظرية بعض المؤرخين العرب حول أصل الأمازيغ الذي يرجع إلى توافدهم على شمال إفريقيا من الجزيرة العربية عن طريق الحبشة منذ آلاف السنين – وهي النظرية التي تناولها المؤرخ الإسلامي ابن خلدون وأجاز منطقها في كتبه- وأعاد هذا الطرح النقاش حول أصل سكان المغرب، هل هم عرب أم أمازيغ أم ساسانيون أم جرمان، وكثيرًا ما يخلق هذا النقاش تقيحات فكرية وجدالاً عقيمًا دون التوصل إلى نتائج ذات أسس تاريخية، مستبعدة للذاتية، متفق عليها بين الباحثين في تاريخ المغرب.

كما فتحت هذه النتائج المجال أمام طرح مجموعة من الأسئلة، من بينها، هل يشكل المغرب مهدًا للبشرية؟ إن الجواب على هذا السؤال يستدعي الابتعاد عن الخطاب الشعبوي وعن الذاتية، والتشبث بالموضوعية العلمية، والخطاب العلمي الأكاديمي، الذي يرفض بشكل قاطع الجواب بنعم على هذا السؤال، وهذا ما أشار إليه جون جاك هيبلان، أحد المشرفين على الاكتشاف الجديد، في ندوة عقدت يوم الثلاثاء بـ« COLLEGE DE FRANCE كوليج دو فرونس» بباريس، وعرضت خلالها النتائج وتم نشرها بعدد خاص في مجلة «NATURE ناتشر» «الطبيعة» الخميس الماضي. وقال هيبلان جوابًا على هذا السؤال: «الجواب هو لا، لأنه من الصعب تحديد أصل ثابت للإنسان».

إن علما التاريخ والأركيولوجيا يرفضان بشكل قاطع تسويق فكرة أمة ما أصل الإنسان، لكون التنقيبات ما زالت مفتوحة على مصراعيها على نتائج جديدة. فقبل بضعة أشهر كنا نعتقد أن أقدم كائن بشري قد عاش في الجزء الجنوبي من القارة الإفريقية، ثم ظهرت نتائج أخرى خطأت هذه النظرية بنتائج جديدة. وكما قال أحد أهم الفلاسفة الفرنسيين غاستون باشلار: «الحقيقة العلمية خطأ تم تصحيحه»، بمعنى أن النتائج العلمية لا تكون في جوهرها مطلقة بل تطبعها النسبية. فما دام العلم قائمًا يشتغل من الصعب أن نقول هذا أصل هذا، والآخر أصل كذا. فمن المعلوم عند المؤرخين وعلماء الآثار أن الإنسان عمر الأرض عبر ملايين السنين، وحتى الآن كشفت أحفوريات الإنسانية تمثل 300000 سنة فقط، ومن المحتمل علميًّا أن تظهر نتائج أخرى في الأيام والسنوات القادمة. فهل ستكون النتائج التي سيتوصل إليها علماء الآثار مستقبلاً، تمثل مجال البحث الجديد نفسه أم أن النتائج ستكتشف بمجال آخر؟

ويبقى السؤال مفتوحًا على ما سيسفر عنه البحث العلمي عمومًا، وعلم الأركيولوجيا بشكل خاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد