إن الأمة التي لا تستفيد من تاريخها تغتال مستقبلها.

بسم الله الرحمن الرحيم

لطالما كانت تتردد على مسامعي قولة مفادها أن تاريخنا فخر لنا، فكنت أرى في قصص التاريخ وأحداثه مجرد استعراض لبطولات أسلافنا في الماضي، كلما سمعنا أو قرأنا عنها أحسسنا بالفخر والعزة، ثم ما يلبت أن ننسى ما سمعناه فنعود لحياتنا اليومية مهزومين خانعين، على أمل أن تأتي المناسبة لنقلب أوراق الماضي من جديد.

لكن اليوم فهمت بأن تاريخنا ليس فخرًا لنا.. إنما درس لنا

إن دراستنا للتاريخ دراسة تحليلية عميقة بغرض استخلاص الدروس والعبر سيجعلنا نتوقف عند قوانين كونية، من أخذ بها وعمل بمقتضاها نجا، ومن تصادم معها هلك، هذه القوانين هي السنن الكونية.

قال عز وجل (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) (فاطر 43).

السنن الكونية لا تحابي ديانة أو شعبا وهي سنن ثابتة لا تتغير، الأصل هو الاخذ بها ومراعاتها في كل وقت وحين، والتاريخ بما ينقله لنا من وقائع وأحداث يعيننا على استخلاص هذه السنن، وبالتالي وجب ان نعي ان الدعوة الى دراسة التاريخ تترفع عن كونها مجرد ترف فكري، لتكون هذه الدراسة هي المنطلق لفهم الحاضر و للاستعداد للمستقبل، لأن الأمة التي لاتستفيد من تاريخها تغتال مستقبلها.

من هذه السنن الكونية سنة تغيير ما بالانفس ،قال جل جلاله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[الرعد:11]، وبالتالي فكل دعاوى الاصلاح لا يستقيم دون مراعاة هذا القانون، لأن المجتمع هو مجموعة من الأفراد، فكلما صلح الأفراد انعكس صلاحهم على مجتمعهم.

ومنها سنة العدل، فالله ينصر الأمة الكافرة لعدلها، ولا ينصر الأمة المسلمة لظلمها، وغيرها الكثير من السنن الصارمة التي بمراعاتها سنتقدم، ونضمن مستقبلًا زاهرًا.

قال الدكتور جاسم سلطان

السنن الكونية هي ما أودعه الله في الكون من أسباب وقوانين لا تحابي أحدًا، ولا تتغير ولا تتبدل، يبني عليها الإنسان أمور معيشته، فبها نسّير أمور حياتنا، وبها يثق الإنسان أنه إن أطلق مركبة من الأرض لتلتحم بمركبة في الفضاء فبعالم الأسباب ستلتحم بأختها في التوقيت المرسوم، وأن أرواح من عليها من البشر ستصان في حدود ما يستطيعه الإنسان من دقة، وأن أي خطأ هو بسبب سوء تقدير من طرف من وضع الخطة أو بسبب مانع من جنس الأسباب حال دون تحققه، وأنه لو لم تنجح الرحلة سنعود لدراسة عالم الأسباب لنكتشف الخلل، ونعيد الكرة بعد معرفته.1

دومًا ما يواجه دعاة دراسة التاريخ تيارين متناقضين، أحدهما هو التيار الماضوي الذي يحاول نقل الماضي إلى الحاضر والمستقبل ويظل حبيس الماضي بانهزاماته وانتصاراته، والتيار الحداثي أو التقدمي الذي يرى بضرورة القطع مع الماضي نهائيًا إذا أردنا التقدم ومواكبة الحداثة، ويعتبرون دعاوى دراسة التاريخ مجرد رجعية مقيتة.

إن دراسة التاريخ بنية استخلاص العبر تترفع عن كونها حنينًا للماضي ورغبة في إحيائه، كما تبرز وتجلي أنه لا مستقبل لمن لم يعتبر من دروس التاريخ.

غالبًا ما نسمع عندما تقع حادثة شبيهة لما وقع في الماضي بأن التاريخ يعيد نفسه، لكن الأصل أن التاريخ لا يعيد نفسه، إنما أخطاء الماضي هي التي تتكرر، وتكرر هذه الأخطاء يجعل صورة المستقبل في أعيننا ضبابية، ويجعل خوفنا من المستقبل يزداد يومًا بعد يوم.

كلنا نحلم بمستقبل مشرق لأوطاننا، ونتمنى أن نفتح أعيننا غدًا على وطن لا مكان فيه للظلم أو الحقد، نتنفس فيه العدالة والحرية، لكن أمانينا هذه ستظل مجرد أحلام، ما إن نواجه موقفًا مناقضًا لما نحلم به حتى ننهار ونستيقظ منها، وبالتالي لكي ننزل من سماء الحلم والتنظير إلى أرض الواقع والتطبيق، وجب أن نساهم جميعا في بناء المستقبل.

وبناء المستقبل يستلزم الانطلاق من الحاضر مستفيدين من دروس التاريخ، حتى نحمي أنفسنا من الوقوع في نفس أخطاء الماضي، ونضمن عدم التصادم مع السنن الكونية.

هذه دعوة منا لمدرسي التاريخ كي يبدعوا في تدريس التاريخ لأبنائنا، و يفهموا تلاميذنا أن ما يدرسونه أكبر من مجرد معلومات تلقى على مسامعهم ليتعرفوا على بطولات أجدادهم، إنما هو الأرضية لفهم حاضرهم والتخطيط لمستقبلهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موقع مشروع النهضة، مقال: مفهوم السنن الكونية، جاسم سلطان 06/14/2011 ،11:08
عرض التعليقات