مقاربة تاريخنا الإسلامي بوصفه تاريخًا مثاليًّا تمامًا بعيدًا عن اْي ظواهر سلبية، بعيد عن الحقيقة التاريخية ومغرق في الطوباوية، فضلًا عن كونه لا يخدم واقع المسلمين اليوم، فهو يساهم في مزيد من تأزيم العقل المسلم، ويخلق البذور التي ما تلبث أن تنفجر في وجه المسلم العادي الذي لا علاقة له أصالة بالجانب النظري والمعرفي في الإسلام، وإنما يعنى بالأساس بالجانب العملي الحياتي، لكنه يضطر أن يدفع ثمن تلك الأزمات النظرية في كثير من فترات التاريخ.

إنك لو ذهبت تفتش في تاريخ الإسلام لوجدت ببساطة ويسر عجيب بعض بذور ظاهرة خبيثة جدًا تعصف بالعقل الذي يمثل غالبية المسلمين اليوم، إنني أتحدث عن ظاهرة «التعصب» ضمن مدرسة أهل السنة والجماعة، ولقد اخترت هذا الموضوع لمقالتي هذه؛ حتى أخرج من سياق نقد الحداثة والعقلانية الغربية لشيء من نقد الذات الذي ينبغي أن نسبق نحن إليه قبل غيرنا ممن لا يؤتمن على دخيلة نفسه.

أكتب هذه المقالة ولا تزال الذاكرة تحتفظ بشيء من الصخب والجدل الذي وقع إثر بيان لأحد مشايخ الجزائر المعروفين، بيان حمل خلطًا عجيبًا بين ما هو مذهبي عقدي وما هو فقهي وما هو فكري إلى ما هو منهجي حركي، بيان أثار إشكالات عميقة في مفهوم هذا الشيخ والمدرسة التي يمثلها، فضلًا عن أنه أثار موجة تعصب من طرفي النقيض الطرف الذي يمثله الشيخ بمفهومه والطرف الذي يعارضه، إما لخلاف منهجي وإما فكري وإما فقهي، نزولًا عند ذروة الخلافات وهو الخلاف العقدي وهو الذي يهمنا.

تطور مفهوم «أهل السنة» تاريخيًّا عبر مراحل مر بها الإسلام دينًا، ولا يعنينا في هذه المقالة رصد التطور التاريخي لمفهوم أهل السنة فهو يحتاج دراسات مفصلة، إلا أن الذي يعنينا هو الاستقرار الذي وصل إليه المفهوم الذي يصدق عليه وصف السنة، فهو يضم ثلاثة تيارات أساسية تتوزع على أربعة مذاهب، وهي الأشعرية وهي تتوزع على الشافعية والمالكية والماتريدية، وقد تبناها الأحناف، أما الحنبلية وهي مذهبية فقهية عقدية، تعد السلفية بتوجهاتها المختلفة وريثتها الفكرية.

هذه المدرسة شهدت خلال الأعصار الإسلامية المختلفة حالات تعصب شديد ومواجهات مسلحة واستعمال لسلطة القانون لقمع الأفكار المخالفة الفقهية والاعتقادية، والعجيب أن هذا وقع في القرن الخامس الهجري، أي في الفترة التي يفترض أن تكون الحضارة الإسلامية في أوج القوة، وفي القرن الثامن والسابع الهجري، أي في الفترة التي يفترض أن تكون فترة تخلف وانحطاط عام، مما يجعلك تستنتج أن الإشكال فكري ونفسي بالأساس، لا علاقة له بالجانب الحضاري في الإسلام كما يحب أن يروج دعاة الخطاب الحداثوي والعلماني.

وإلى القارئ الكريم بعض نماذج التعصب داخل المدرسة السنية.

1- نماذج من تعصب الأشعرية على الحنبلية

شهد القرن الثامن الهجري حالة تشنج ضد الفكرة التي جاء بها شيخ الإسلام ابن تيمية -رضي الله عنه- من طرف بعض علماء عصره المشهود لهم بالورع والتقوى أيضًا، رفض التصور الكلامي الأشعري فكرة ابن تيمية عن الذات الإلهية وما تضمنه من لوازم وأبعاد فلسفية، وبغض النظر عن الموقف مما جاء به شيخ الإسلام فقد تحول هذا الرفض والنقاش في مرحلة متقدمة إلى «تعصب» شديد، ثم مصادرة ومنع قانوني نقل كثير من الأئمة الحفاظ رواياته بكل ثقة وأمانة ومنه.

قال الإمام ابن حجر -رضي الله عنه-: «وقد نودي في أسواق دمشق أن من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله، وقد تلا المرسوم ابن شهاب محمود وجمع له الحنابلة في الصالحية، وأشهدوا على أنفسهم أنهم على عقيدة الشافعي».

قال الإمام تقي الدين السبكي -رضي الله عنه-: «وبعد فإن ابن تيمية أحدث ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستترًا بالكتاب والسنة مظهرًا أنه داع إلى الحق داع إلى الجنة؛ فخرج من الاتباع إلى الابتداع، وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يفضي إلى الجسمية والتركيب في الذات المقدسة».

ويقول المؤرخ والعلامة ابن الوردي -رضي الله عنه-: «وفيها في سنة ثمان عشرة وسبع مائة في جمادي الآخر، ورد مرسوم السلطان بمنع الشيخ تقي الدين من الفتوى وعقد مجلس لذلك مجلس نودي به في البلد».

يقول ابن حجر الهيثمي -رضي الله عنه-: «وإياك أن تسمع إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء (الملحدون) كل حد وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة وظنوا أنهم بذلك على هدى من ربهم وليسوا كذلك».

2- التعصب الحنبلي ضد الأشعرية

في القرن الخامس الهجري كانت بغداد «دار السلام» عاصمة للخلافة العباسية، والتي كانت مساحتها تمتد من شمالي أفريقيا إلى أقاصي الشرق؛ حيث سيطرت تقريبًا على ثلث مساحة العالم القديم الذي حوى من الحضارات والفلسفات في التاريخ القديم، ومما لا شك فيه أن تكون تلك الحاضرة وغيرها فسيفساء تجتمع فيها طوائف ونحل وأفكار مختلفة، بل حتى التيارات السياسية المعارضة، إلا أن الراصد لتاريخ تلك الحقبة يجد مادة التعصب قائمة، بل دمرت مدنًا قائمة.

إلا أن الذي يعنينا في هذا المقال بيان بعض مشاهد التعصب الحنبلي ضد الأشعرية في تلك الحقبة، وما خلفه من فوضى ودمار.

يقول العماد ابن كثير -رضي الله عنه-: «وفي سنة سبع وأربعين وسبع مائة وفيها حصلت فتنة عظيمة بين الحنبلية والأشعرية عظم فيها جانب الحنبلية ولم يكن لأحد من الشافعية الأشعرية أن يشهد الجمع والجماعات».

ويقول الإمام ابن الأثير -رضي الله عنه-: «وعظمت الفتنة بين فقهاء الشافعية والحنبلية ببغداد، وكان مقدم الحنبلية علي بن الفراء وابن التميمي وتبعهما من العامة الجم الغفير، وانكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا الترجيع في الأذان (والقنوت في الفجر) وقد جاء الحنابلة لمسجد باب الشعير فنهوا الإمام عن الجهر بالبسملة، فاخرج لهم المصحف وقال لهم حكوها من المصحف حتى لا أتلوها».

ويروي ابن الأثير: «وفي سنة سبع عشر وثلاث مائة وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي وبين الأشعرية قالوا في تفسير قوله تعالى (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) فقالوا إن الله يجلس عبده ونبيه -صلى الله عليه وسلم- معه على العرش، وقالت الطائفة الأخرى إنما هي الشفاعة فقامت الحنبلية برمي الطوب على الأشعرية وهم يصيحون بل جالس بل جالس، ثم اقتتلوا ووقعت فتنة عظيمة، واستظهر الحنبلية بالعميان لضرب الأشعرية الشافعية».

3- الصدام بين الشافعية والحنفية

يقول ياقوت الحموي -رضي الله عنه-: «إن مدينة الري صارت خرابًا بلقعًا من فتن الشافعية والحنبلية، وظهر فيها الشافعية فلم يبق حنفي إلا ويخفي مذهبه، وأحرقت كل مساجد الحنفية».

ويذكر ياقوت الحموي «أن الوزير مسعود بن علي الخوارزمي بنى مسجدًا للشافعية في أصفهان والآخر للحنفية، فقام الحنفية وكانوا (أظهر وأقوى في أصفهان) بحرق مسجد الشافعية، ونهبوا ما فيه، وأحرقوا كتب الفقهاء الأحناف»

ويروي الحموي كذلك: «وقد عاد الفقيه المنصور بن محمد السمعاني المروزي من الحنفية إلى الشافعية في مجلس دار الإمارة في (مرو) وجم غفير من فقهاء الحنفية والشافعية فاضطرب البلد لذلك وعمت الفتنة، ومات فيها خلق كثير وقد هم بعض صبيان الحنفية بقتل الفقيه فخرج السمعاني فخرج الفقيه السمعاني من مرو».

4- الصدام بين المالكية والشافعي -رضي الله عنه-

مما لا يجهله أي دارس للعلم الشرعي وتاريخه أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي اثنى ركبه عند إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي العامري، وفي تلك الفترة المتقدمة من تاريخ الإسلام والمدرسة السنية كانت المذاهب الفقهية الفروعية في طور التشكل والنضوج، وكان من الطبيعي جدًا أن يخالف التلميذ شيخه فيشكل مدرسة خاصة به لها أصولها وقواعدها، كما حصل بين الإمامين مالك والشافعي، لكن في تلك الفترة كانت المذاهب في طور الانتشار الجغرافي، ورغم أن المشهور من وفاة الإمام الشافعي -رضي الله عنه- أنه مرض بداء البواسير، إلا أن بعض الروايات تشير إلى أنه توفي بعد ضربة تلقاها الإمام في رأسه بعد خلافات بينه وبين فقيه المالكية في مصر أشهب بن عبد العزيز القيسي -رحمه الله.

يقول ابن حجر الهيثمي: «وسبب موته أنه ضرب ضربة شديدة على رأسه مرض بها، ثم مات بها، قال ابن عبد الحكم سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت فيقول: اللهم أمت الشافعي وإلا ذهب علم مالك، وقيل إن الضارب له فتيان المغربي بعد أن تناظر مع أشهب فقطع الشافعي أشهب فضربوه بكيلون وقيل بمفتاح حديد فشج رأس الشافعي».

لا يستبعد أن يكون هذا المشهد من التعصب وقع للإمام الشافعي، وإن كان كثير من الرويات التاريخية الأخرى المعتمدة تشير إلى أنه توفي -رضي الله عنه- وفاة طبيعية بالمرض، والعلم عند الله.

هذه طبعًا بعض المشاهد للتعصب داخل المدرسة السنية بين الأتباع الذين يشتركون في الأركان الاعتقادية الكبرى المميزة لهذه المدرسة، ومصادر الاستدلال والمعرفة، بل وفي كثير من مخرجات الفقه؛ إذ تتفق المذاهب في بعض الأقوال الفقهية في كثير من الأحيان فتولد من هذا اصطلاح شرعي «اتفاق الجمهور» أو «الجمهور» إلا أن المطالع لتاريخ المنتمين لهذه المدرسة التي تمثل غالب المسلمين في القديم والحديث، يرى حالة عالية من الاستعداد لنوازع الشر تجاه المخالف، فضلًا عن المصادرة عليه فكرًا وعملًا.

نعم قد تقول اْيها القارئ الكريم إن هذا الداء «أي التعصب» لم يستفحل خطره لتلك الدرجة التي تنذر بالخطر والتفكك على مدرسة أهل السنة والجماعة، وهذا صحيح أسلم به، إلا أن الأشكال في وجود مادته في نفوس الأتباع والعقليات التي تصدر الخطاب داخل أي تيار من التيارات الفكرية الموجودة اليوم الممثلة للسنة، وبعضها وريث وامتداد فكري للعناصر التي كونت قديمًا هذا الصراع، ويمكنني هنا استمداد مثال التيار السلفي بكل توجهاته الذي يعد وريث الحنبلية القديمة، وبين الصوفية بكل طرقها والمؤسسات الإسلامية العريقة كالأزهر والزيتونة والقرويين وهي وريثة وممثلة للأشعرية القديمة.

لا يخفى على القارئ الكريم الجدل الذي حصل بعد مؤتمر الشيشان سيئ الذكر، ولا بعد مؤتمر الكويت سيئ الذكر أيضًا، صحيح أن السياسة لها دور في رفع هذا التيار وخفض الآخر، بل واختيار توجه معين داخل كل تيار دون بقية التوجهات الأخرى داخل التيار الواحد «كما يحصل حاليًا في السعودية»، إلا أن السياسة ومن يديرها اليوم في الجغرافيا العربية خصوصًا، والإسلامية عمومًا، لو لم يجد من يتغذى على هذا المزاج الحدي والإقصائي وهو على استعداد للخدمة في أي وقت لما استطاع تحريك هذه الورقة المذهبية داخل المدرسة السنية.

أكتفي بهذا القدر والله الموفق والهادي لسواء السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

البداية والنهاية / ابن كثير , الدرر الكامنة / ابن حجر , الكامل في التاريخ / ابن الاثير , الفتاوى الحديثية / ابن حجر الهيثمي , الدرة المضية في الرد على ابن تيمية / تقي الدين السبكي , تاريخ ابن الوردي / ابن الوردي , معجم البلدان / ياقوت الحموي .
عرض التعليقات
تحميل المزيد