الصراع الكائن في فلسطين مُنذ ثورة «البراق» في العام 1929 وما تلاها من الأحداث التاريخية حتى العام 1948، في نظر المجتمع الدوليّ، هو عبارة عن صراع لحركة تحرُّر صهيونية ساهمت القوى العالمية في دعمها قبل ذلك التاريخ، وكانت تهدف إلى الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، وصراع أقلية يهودية مع سُكَّان أرض فلسطين التاريخية، ذلك هو المفهوم الذي ساد العالم حول طبيعة الصراع في فلسطين في تلك الفترة،

هناك الكثير ممَّن يعتبر بأن مُجمل الصراع هو بمثابة تعاطف دوليٍّ مع اليهود، وخيانة دولية للفلسطينيين والعرب؛ تسببت في نهاية المَطاف بسيطرة الحركة الصهيونية على أرض فلسطين، وأزمة في تأسيس الكيان السياسيّ الفلسطيني.

أزمة تأسيس الكيان السياسي الفلسطيني

منذ العام 1948 وحتى العام 1959، فشلت كافة الجهود الفلسطينية في تأسيس كيان سياسيّ مُستقل فشلًا ذريعًا، ذلك مع إعلان الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر رسميًا عن إلغاء وفشل حكومة عموم فلسطين برئاسة أحمد حلمي باشا، ويرجع ذلك الفشل لعدة أسباب، لَعلَّ أبرزها اقتصار ولاية الحكومة على قطاع غزة دون الضفة الغربية، ورفض ملك شرق الأردن عبد الله الأول التعاطي معها، والإعلان عن نيته بضمّ الضفة الغربية إلى شرق الأردن، بما عُرف «اتحاد فلسطين وشرق الأردن»، رَفَضَ العرب مشروع عبدالله وهو ما تسبب بخلاف وانشقاق عربيّ، وبين الخلاف العربيّ وهزيمة الجيوش العربية عام 1948 والعدوان الثُّلاثيُّ على مصر، سقطت حكومة عموم فلسطين، وسقطت أحلام الفلسطينيين في تأسيس كيان سياسيّ يُمثلهم.

عمومًا، ما زالت الأوراق التاريخية تُثبت بأن فلسطين تقطَّعت أوصالها بين الحكم المصريّ في قطاع غزة، وبين الحكم الأردنيّ في الضفة الغربية، وبين الخلاف العربيّ حول طريقة الدفاع عن فلسطين، وذلك في الفترة بعد الانسحاب البريطانيّ أُحاديّ الجانب، الذي تسبب في فراغ سياسيّ كان يصُب في مصلحة الطرف الأقوى في الصراع على الأرض الفلسطينية.

في نقلة تاريخية بين الماضي والحاضر تبدأ بالنكبة الفلسطينية، ومن ثم الكفاح المُسلح، ومرورًا بانتفاضة شعبية، وتوقيع اتفاقية سلام فلسطينيّ إسرائيليٍّ، يقع الفلسطينيون مرةً أُخرى في مصيدةٍ ثانية، فبعد الانسحاب الإسرائيليّ أُحاديّ الجانب من قطاع غزة عام 2005، ومن ثم عقد انتخابات العام 2006، مرةً أُخرى نجد الشعب الفلسطيني أمام كيان سياسيّ فلسطيني ممزق، ولكن بسبب خلاف فلسطيني، ليصبح الشعب الفلسطيني بين حكومة في قطاع غزة تدعمها دول إقليمية وعربية، وحكومة في الضفة الغربية تدعمها دول عالمية وإقليمية وعربية، ومنظمة تحرُّر تأسست في العام 1964 لا يؤمن بها عدد من الأحزاب والفصائل الفلسطينية، وهو ما تسبب بانقسام فلسطيني كان نتيجة لانقسام عربيّ، في حقيقية الأمر لم يتغيَّر التاريخ كثيرًا، فخسارة الفلسطينيين بكل المقاييس كبيرة، وما زالوا يَدُورُونَ في نفس الدائرة.

بالعودة مرةً أُخرى للعام 1948، نلحظ بأن المجتمع الدوليّ لم يُكن يعترف بكيان تحرّري فلسطيني يهدف إلى الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، وذلك بسبب انشغال الفلسطينيين في الصراع القائم ضدّ الحركة الصهيونية، وبسبب علاقة الحركة الصهيونية القوية بالقوى العالمية، هذا الصراع لم يكُن بعد قد اتخذ شكلًا من أشكال الصراع غير الدوليٍّ بين طرفين مُتحاربين، إذ أن تصنيف الصراعات والنزاعات وُلد فيما بعد العام 1949، عندما بدأ القانون الدوليّ الإنسانيّ بالظهور، ليكون أساسًا لتنظيم الصراعات المُسلحة وتصنيفها، من خلال اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، لنجد أنفسنا أمام مُفارقة تاريخية سخيفة، إلا وهي أنَّ نفس العام الذي ظهرت فيه اتفاقيات جنيف، اعترف العالم باستقلال دولة إسرائيل.

وبذلك تم حسم الموقف الدوليّ بالاعتراف بالدولة الإسرائيلية عام 1949 في الأُمم المتحدة، شأنها شأن الدول التي تسعى لنيل استقلالها، بعدما عرضت بريطانيا الوضع القائم في فلسطين على المجتمع الدوليّ للفصل فيه دوليًا.

كان الطرف الإسرائيلي هو من يُمثل فلسطين في الأُمم المتحدة وأمام المجتمع الدوليّ وليس الطرف الفلسطيني، وجاء الاعتراف الدوليّ بدولة إسرائيل مقرونًا بالحركة الصهيونية، على أرض ليست من حقها، والتحرُّر السخيف من الاستعمار البريطانيّ ونيل الاستقلال، لم ينظُر العالم إلى فلسطين ما قبل العام 1949، على أساس إنها مُرتبط بحركة تحرُّر فلسطينية، وإنما على أساس ارتباطها بحركة تحرُّر صهيونية، وعليه لم يتم الاعتراف باستقلال فلسطين، وإنما باستقلال إسرائيل، واعتمد المجتمع الدوليّ الحركة الصهيونية وكيلًا للأرض التاريخية الفلسطينية.

إنَّ من أحد أهم الأسباب لذلك الاعتراف الدوليّ بإسرائيل وحركتها الصهيونية، هو هزيمة جيش الإنقاذ العربي أمام العصابات الصهيونية، والفشل السياسيّ العربيّ في مواجهة خطر المشروع الصهيونيّ، الذي جاء أساسًا مع بداية النهاية للدولة العثمانية، وقُبيل الحرب العالمية الثانية.

من وجهة نظري، أحد أهم الأسباب لإقامة دولة إسرائيل باعتراف دوليّ، هي القطيعة الفلسطينية عن المجتمع الدوليّ آنذاك، وهو ما انعكس بالسَّلب على الحق الفلسطيني في الأرض، وفي المُقابل كسبت الحركة الصهيونية التعاطف الدوليّ، واستغلت الأحداث التاريخية والسياسية.

على الرغم من أن أمين الحسيني كان أول الشخصيات التاريخية الفلسطينية التي تصدت للمشروع الصهيوني، والانتداب البريطاني مُنذ البدايات، إلا أن الخطأ التاريخي الفادح الذي حدث يكمُن في قرار الحسيني بالانضمام للمعسكر الألماني النازي، في محاولةٍ منه للحصول على وعود هتلرية تساعده في طرد اليهود من فلسطين، استغلت الحركة الصهيونية ذلك الموقف دوليًا، وخسر الفلسطينيون تأييد المجتمع الدوليّ والحلفاء.

تتابعت الأحداث المُتسارعة، والتي لم تكُن في صالح الفلسطينيين، حتى ظهر كيان سياسيّ فلسطيني مُتأخرًا في العام 1964، يحمل اسم منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف.)، نتيجة للمؤتمر العربيّ الفلسطيني الأول في القدس، والذي تم إقرار انعقاده في مؤتمر القمة العربية في القاهرة العام 1964، وتولى رئاسة «م .ت. ف» أحمد الشقيري، ليكون رئيس أول كيان سياسيّ يُمثل الشعب الفلسطيني رسميًا ويعترف به العرب، وبمثابة مُمثل شرعيّ للشعب الفلسطيني في جامعة الدول العربية آنذاك.

عرفات والخيارات المحدودة.. عرفات بين الحصار وبين توقيع اتفاق أوسلو

في نقلة تاريخية أُخرى وبعد مسيرة فلسطينية قطعت شوطًا تاريخيًا في الكفاح المُسلح، حاولت منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1974 تصحيح المسار السياسيّ الفلسطيني، ذلك عندما قرر عرفات أن يبدأ في توجيه الخطاب للأُمم المتحدة والمجتمع الدوليّ، في محاولةٍ منه لتصحيح المسار السياسيّ، والحصول على تأييدٍ دوليّ للقضية الفلسطينية من خلال الأمم المتحدة.

لقد كان حصار الكفاح المُسلح الفلسطيني و «م. ت. ف»، أحد أبرز الأسباب التي دفعت عرفات لخوض معركة سياسية على طريقته، لم تكُن في حسابات مُعظم الأطراف الفلسطينية، وكذلك كان توقيع اتفاقيات السلام العربية مع إسرائيل، أحد أهم الأسباب التي حشرت عرفات بالزاوية، والتي وضعت بدورها حدًا للصراع العربي الإسرائيلي، وسلخت القضية الفلسطينية عن محيطها العربيّ، لينتج عنها مفهوم جديد هو «الصراع الإسرائيلي الفلسطيني»، مما دفع بعرفات للتوجه نحو خوض معركة حق التمثيل السياسيّ الفلسطيني.

بين حصار منظمة التحرير الفلسطينية، وحصار الكفاح المُسلح الفلسطيني دوليًا وإسرائيليًا، أصبح عرفات والفلسطينيون بمفردهم يواجهون العالم وإسرائيل، لقد كانت الخيارات محدودة أمام عرفات فهو في سباق مع الزمن، حتى جاء العام 1993 الذي شهد توقيع اتفاق أوسلو برعاية أمريكية في محاولة عرفاتية لتثبيت الحق الفلسطيني في الوجود آملًا بوضع حجر الأساس للدولة الفلسطينية، والحصول على اعتراف دوليّ بالكيان السياسيّ الفلسطيني، برغم وجود من يُعارض نهج عرفات ومن يتفق معه، كان ذلك الاتفاق من وجهة نظري بمثابة مرحلة تاريخية انتقالية للفلسطينيين بكل السلبيات والإيجابيات.

أوسلو بعد 26 عامًا والجدلية العقيمة بين الرفض والقبول الفلسطيني

مُنذ بدايات أوسلو سعت أطراف إسرائيلية لهدم ذلك الاتفاق، كان ذلك واضحًا عند اغتيال إسحاق رابين على يد أطراف إسرائيلية رافضة لعملية السلام مع الفلسطينيين، وما زالت إسرائيل تسعى بكل طاقتها للتنصل من ذلك الاعتراف الأسود في تاريخها، الذي اعترفت به بالكيان السياسيّ الفلسطيني، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وعرفات.

ما زالت اتفاقية أوسلو تُثير جدلًا واسعًا بين الرفض والقبول الفلسطيني، ولكن ما لا يُمكن إنكاره هو أن عرفات فعليًا استطاع الحصول على اعتراف أُممي بكيان سياسيّ فلسطيني مُتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن خلال «م. ت. ف» و أوسلو استطاع الحصول على عضوية لفلسطين في الأُمم المتحدة، واستطاع الحصول على كيان سياديّ فلسطيني مُتمثل بالسلطة الفلسطينية ومؤسستها.

حصلت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بدورهما على مزيد من القرارات الأُممية، من أهمها: عدم شرعية الاستيطان في فلسطين، وقرار بقبول عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، وقرارات متعلقة بحق العودة ودعم دوليّ لخيار حل الدولتين، وقرار محكمة الجنايات الدولية مؤخرًا، وهناك الكثير من القرارات التي يُمكن مُراجعتها، وبغض النظر عن مدى تطبيقها من عدمه إلا أنها في واقع الأمر تؤثر بشكل كبير على الرّواية الصهيونية المُزيفة «أرض بلا شعب»، وعلى مصداقية الاحتلال الصهيوني، من وجهة نظري يجب أن تكون أوسلو قاعدة انطلاقة جديدة نحو معركة سياسية لاستكمال العمل السياسيّ الفلسطيني، وهناك الكثير من الاعتبارات تجعل «م .ت. ف» والسلطة الفلسطينية مُتمسكة بأوسلو لتكون نقطة انطلاق سياسية.

في مقابل ذلك كله، نجد إسرائيل تسعى بكل الوسائل والطُّرق للخروج من مأزق الدولة الفلسطينية المنشودة ومن أوسلو، حتى جاء المشروع الأمريكي بما عُرف بـ«صفقة القرن» في محاولة أمريكية للقفز عن ما تم الاعتراف به دوليًا في أوسلو، وإنهاء أوسلو وخيار العودة لحدود العام 1967 «حل الدولتين»، ومن هنا يمكن الفهم لماذا جاءت «صفقة القرن».

وليسأل الجميع نفسه سؤلًا، على فرض أن عرفات لم يقبل بالسلام ولم يقبل بأوسلو ولم يحصُل على شبر واحد من أرض فلسطين، مع استمرارية وضع قطاع غزة والضفة الغربية تحت الحكم الإسرائيلي كما كانت عليه قبل أوسلو، فهل هناك احتماليةً للحصُول على شيء أكثر ممَا حصل عليه عرفات؟، وما البديل الذي كان يقدمه الرافضون لطرح عرفات؟ فعليًا لم يحصُل الفلسطينيون على شيء مُنذ بدء الثورة الفلسطينية، باستثناء ما حصل عليه عرفات من خلال منظمة التحرير الفلسطينية واتفاق أوسلو.

فلماذا إذًا لا يُفكر الفلسطينيون خارج الصندوق، ويكون هناك قرار فلسطيني مُوحد لاستكمال تلك المرحلة الانتقالية من تاريخ القضية الفلسطينية المُتمثلة بأوسلو؟

ولماذا لا يقدم الفلسطينيون مشروعًا سياسيًا مُوحدًا تشترك فيه كافة القوى الفلسطينية المُعترفة وغير المعترفة في منظمة التحرير الفلسطينية؟ ليكون ذلك المشروع الفلسطيني المُوحد مُناهضًا لما جاء في «صفقة القرن»، وأساسًا للعمل السياسيّ الفلسطيني، وذلك بغض النظر عن سلبيات وإيجابيات اتفاق أوسلو.

ما يجب فعله الآن، هو أن تكون أوسلو نقطة انطلاقة لمرحلة سياسية جديدة لمناهضة المشروع الأمريكي، يشترك بها جميع الأطراف الفلسطينية على قاعدة الشراكة السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد