نظرة في تاريخ البشرية لارنولد توينبي

اعتمدت الدول الأوروبية مع نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر مبدأ الانتقاء الطبيعي المستمد من نظرية داروين لاحتلال بقية الشعوب حيث اعتبرتها عاجزة عن التطور ويجب أن تقوم بإدخالها للحضارة والحفاظ عليها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ذكر أرنولد توينبي في كتابه تاريخ البشرية أن الشعوب الغربية قامت بترسيخ سيطرتها على بقية شعوب عالم وتكريس ذلك بإستراتيجية محكمة، فمع حلول سنة 1897 كانت الدولة الأوروبية تسيطر على العالم، وقد بلغ التاريخ نهاية مطافه بقيام الوحدة السياسية في كل من إيطاليا وألمانيا.

 وقد ارجعت هذه السيطرة في الأساس لأحداث سابقة معينة يعتبر ما دونها خارج صلب التاريخ حيث قامت بإقصاء العديد من الشعوب مثلما حدث مع شعوب أمريكا اللاتينية (المايا، والأزتيك) المعروفة عند عامة الناس بالهنود الحمر، والتي حاول المستكشف الإسباني هرنان كورتيز القضاء على تاريخ مناطق أمريكا الوسطى ما يسمى اليوم المكسيك الأوسط وذلك بإحراق الكتب والمخطوطات وكل ما صادفه، ولكنه لم ينجح في ذلك حيث بقية بنايتها وألوانها ونقوشها تحكي قصة التطور الذي بلغته تلك الشعوب، ولأن العالم الغربي أصبح محور الأحداث ويضم بقية أقطار العالم.

أصبح يمكن لتلك الأقطار الدخول للتاريخ فقط من خلال قبول الأساليب الغربية، فحين نأخذ روسيا على سبيل المثال، بالرغم من العظمة التي بلغتها في تلك الحقبة، إلا أن بطرس الأكبر اعترف أنها لم تبلغ مكمن الحضارة بعد، هذا لأنها لم تتبع الحضارة الغربية في حين أن الهند دخلت حلبة التاريخ بسبب التنافس الفرنسي البريطاني عليها. أما اليابان استطاعت أن تدخل التاريخ لأنها عرفت سر الحضارة الغربية.

ناهيك عن كون المؤرخين ركزوا في دراسة التاريخ القديم على كل ما ساهم في بناء الحضارة الغربية فدرسوا تاريخ المجتمعات اليهودية في منطقة الشرق الأوسط وتاريخ الإسرائيليين القدماء وأحفادهم اليهود الذين ساهموا في بناء التاريخ الغربي على الأقل 70 سنة للميلاد ذلك كون تاريخهم كان مقدمة لتاريخ المسيحية الكاثوليكية والبروتستانية على حد السواء، وهي ديانة الغرب ولأنها كانت مرتكز للديانة المسيحية التي اقرها مرسوم ميلانو 313م بعد أن قرر قسطنطين حيادية الإمبراطورية الرومانية عن الديانة وشؤون العبادة وإزالة العقبات أمام الممارسات الدينية فأصبحت بذلك الكنيسة حرة واعترف بها ذات المرسوم رسميًا.. كما ركز المؤرخون على الفلسفة الأغريقية وما كان عند الهيلنيين من آداب وفنون مرئية وعمارة كانت منذ النهضة مصدر وحي لثقافة الغرب الحديثة.

دون ذكر ما كان للمسلمين في الأندلس والقسنطنطينة، والعلوم والدراسات التي وصلوا إليها من دور في هذه النهضة، فجرى طمس ذلك وإنكاره جملة وتفصيلًا. هنا تعاملهم مع التاريخ جاء على أساس تجاهل دراسة تاريخ الشعوب التي ليس لها علاقة بتاريخها، ولم تساهم في تشكيل حضارتها، فالتاريخ قد بلغ نهاية مطافه عندها، وأصبحت هيا محور العالم والحضارة والتاريخ، أو على الأقل هذا ما حاولوا إيصاله للعالم كأن حضارتهم تشكلت وحدها بالعوامل التي قاموا باختيارها بأنفسهم فقد حذفوا ما أرادوا واعتمدوا (الانتقاء التاريخي) لمحو تاريخ الشعوب الأخرى وإعادة بنائه بما يناسبهم ويخدم مصالحهم الاستعمارية في تلك المناطق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيطرة, تكريس
عرض التعليقات
تحميل المزيد