لستُ موّلعًا بالتعصّب القومي كثيرًا، كالنازيين والبعثيين، لكنني أحبّذ نادرًا الشخصيات القومية كهتلر، الذي أراد أن يقدم شيئًا للألمان، ولكنه لم يستطع. لهذا أعتبر التعصب القومي تفاهة، لأنّه دائمًا يؤدي إلى نتائج كارثية. وإنّ الذي دفع أناملي لتكتب عن هذة القضية العويصة صور الضحايا المؤلِمة التي نشاهدها جميعًا كل يوم.

منذ وعيي على هذه الحياة كانت فلسطين بيد إسرائيل، وكان زعماء العرب يلتهون في بطونهم وفي قياس وزنهم. وأغلب العرب كانوا يلومون الشعب الفلسطيني بأنّة باع أرضه وما شابه. لكنني لم أصدق ذلك، فكان لا بُدّ من أن أبحث.

بحثتُ فعلًا ووجدت أن ذلك خداع. فالذي باع فلسطين هو الذي وقّع هدنة 1948. والذي يبيع فلسطين الآن هو الذي يتحارب في اليمن لأجل مد سُنِّي وشيعي، ومن يتحارب بسوريا والعراق لأجل طمع عالمي تتصارع القوى العالمية لأجله سياسيًا وعسكريًا.

كل هؤلاء هم من باعوا فلسطين، وليس شعبها المسكين. أرى أنّ الشعب الفلسطيني كشعب العراق، يلطم الناس على رأسه دومًا. الشعب العراقي قال عنه الحجاج السفّاح: إنّه أهل شقاق ونفاق، وكثرت عنه أقاويل بني أمية؛ لأنه فقط نصر الهواشم. وحاول هذا الشعب إنقاذ نظام الخلافة الإسلامي من السقوط نحو الهاوية.

لكن الناس لا تتساءل: لِمَ لا يذم أهل الشام بالكتب الأموية؟ ولِمَ يتم مدح العراقيين بالكتب العباسية؟!

الجواب أن العباسيين هاشميون، والعراقيون بايعوهم، أمّا الأمويين، فالعراقيون كان أول من قاتلهم، وأهل الشام بايعوهم.

إنّ أغلب المؤرخين والوُعّاظ كانت ولا زالت أقلامهم مأجورة، فتداولوا عَكْس الجواب أعلاة من أجل المال أو السلطة أو الحفاظ على حياتهم.

نفس المسألة هنا، الصهاينة لم يجدو ذريعة ليذموا أهل فلسطين غير اتهامهم والترويج بأنّهم الذين باعوا أرضهم؛ لأنها نقطة الضعف الوحيدة كي يسقِطوهم، كما فعل بنو أمية، وقالوا: إن أهل العراق أهل شقاقٍ ونفاقْ، وروّجوا أنهم من قتلوا الحسين بن علي. والواضح أنّ هذة نقطة الضعف الوحيدة لأهل العراق، كي يسقطوهم أمام الشعوب.

في حرب صفِين كما هو معروف قُتِلَ عمّار بن ياسر، وكان في صف علي، حيث كان يتداول الناس حديثًا عن النبيّ محمد بأن عمّار سيقتله البغاة. حينما سألوا معاوية عن معنى قول الرسول، أجاب بذكاء، وذكر أنّ الذي قتله هو الذي أرسله وزجّة به في الحرب (بالطبع إنّة يقصد علي).

في رأيي لو كان علي بن أبي طالب ليس صهر النبيّ ولا ربيبه، لسُقِطَ تأريخيًا، ولكان أصبح مجرمًا وفاشيًا ومنافقًا كأهل العراق، لكن قربه من محمد النبي، وكثرة أقوال النبي في مدحه أنقذه.

على أية حال فإنني لم أجد القضية الفلسطينية قضية عربية ولا إسلامية فقط، وإنما هي قضية إنسانية، يشعر بها أي إنسان.

قتل أناس أبرياء بالقصف العشوائي والإبعاد القسري للسُكّان هي جريمةٌ بحد ذاتها.

إنّ سكوت العالم على هذه البراهين يؤكد لي أن العالم ليس غبيًا أو جبانًا، كلا.. وإنما بسبب مصالح سياسية مُعينة.

والحال كذلك عند بعض دول الوطن العربيّ، فسكوت الدول العربية ليس مجانيًا، وإنما بمقابل أموال، أو مقابل حماية عسكرية.

لذلك لا سبيل لأهل فلسطين سوى الاستمرار بالثورة، وعدم الرضوخ، أو السكوت، وأن لا يستجدوا من هذا وذاك.

نرى دولًا وأحزابًا خارجيّة تدعم فلسطين اليوم وتمد المقاومين بالأموالِ والأسلحة، وبالطبع هذا ليس دائِمًا، وإنما لمدة معينة، إلى أن تنتهيّ المصلحة.

فالشعب هو صاحب الوطنية الأساسي. الجزائريون والعراقييون والمصريون وغيرهم وحدهم من طردوا الاستعمار من أراضيهم، ولم يستجدوا من هذا وذاك.

والمعروف أنّ الاستجداء نقمة والعمل نعمة، بالتالي فإن الثورة نعمة الشعوب، فهي عمل خالص من حماس العقول وضمائر القلوب.

خرافة العودة الصهيونية

عن أية عودة يتحدث الصهاينة، هذه خرافة ووهم فعلًا. ليس لأنني مسلم أقول ذلك. فلو قال محمد النبيّ إن المسلمين سيرجعون للجزيرة يوم من الأيّام لأنكرت قوله، فالجزيرة لها أهلها الآن، وبما أنّ أصوليّ أمية حسينية، لكن هذا لا يعني أن أتسلّط على الحجاز عنوةً. ولو كان كذلك.. لنحسبها معًا كمسألة إلهية بأن يعقوب النبيّ أمر بني بنيه أن يرجعوا لأراضِي النيل والفرات، وما شابه.

لِمَ من النيل للفرات بالتحديد؟ ولمَ تحقق قول يعقوب بعد انتشار الإسلام وبسطه السيطرة على أورشليم؟ وذلك لأن أجدادهم حاقدون على محمد النبي منذ بداية دعوة دينه.

الواضح إنّ محمد النبي حينما دعا الناس إلى دينه.. بدايةً أمر أتباعة بأن يصلّوا وهم متوجهون لأورشيليم القدس.

لهذا فبنو أمية خاصةً، وقريش عامةً حاربوه، لكونهم شعروا أن الناس سيتركون مكّة، لغرض أنّ الكعبة كانت مصدر دخل لقريش، وبذلك كانوا يحتكرون الموحدين وأهل الديانات الإبراهيمية.

ويهود مكة كانوا فرحين بدعوة محمد وموافقين له عنادًا لعبّاد الأوثان القرشيين، وبعد أن أعلن محمد الكعبة كقبلة جديدة، نكث اليهود حبُّهم له.

في رأيي أن يعقوب لم يأمر بني بنيه بالعودة، وهذا مجرد تلميع من عند اليهود وخرافة مرسلة، ليكون بغض محمد النبي ودينه مبنيًا على أساس يهودي، فلو كان الأمر إلهيًا فلماذا كان اليهود يسكنون ضواحي دجلة في العراق؟ أليس أراضي الفرات هي الأراضي الموعودة؟ بحسب ما يشير له التراث اليهودي!

ومن ادعاءات الصهاينة أن يقولوا: هتلر قتل 6 مليون يهودي وأكثر في مُدّة وجيزة، ويسمونه الهولوكوست، وبهذا يدّعون الاضطهاد بالعالم. وهذا الأمر في الحقيقة سخيف ومضحك جدًا؛ ففي العراق تنظيم (داعش) الإرهابي أعدم أكثر من 1700 طالب كتقدير، ولا زالت الأرقام تتصاعد، ومنهم من قال تم إعدامهم في يوم، ومنهم قال أسبوع، ومنهم قال شهر وأكثر. كيف لهتلر أن يعدم 6 مليون إنسان في مُدّة وجيزة؟ نعم.. فلا ننكر ونقول: إنّ هتلر لم يضطهد اليهود، لكن المسمّى بالهولوكوست ليس واقعيًا، ولا عليه دليل ولا برهان. ثُمّ إن اضطهاد هتلر لليهود، لا يعني أن العالم كُلّه مجتمع على اضطهادهم.

في النهاية.. مسألة العودة أمرٌ لا يستحق تعليقًا أكثر؛ فهو هزل ليس به جَد، فالأرض ملك الجميع، وليست موعودة لأية أحد أو جهة أو دين. دائمًا ما تُذكرني مسألة العودة بصديق عراقي، قال لي ذات مرّة: اليهود لهم حق الرجوع إلى فلسطين؛ فهم فيها منذ الأزل. قلت له: جيّد، ليأتي الفرس ويحتلوا بغداد إذًا؛ لأنّها أرضهم منذ الأزل!

إنّ الأرض الفلسطينية هي للفلسطينيين، وليس لأحد الحق بالعودة، وإذا كان العالم يريد القوة فيجب على الفلسطينيين مواجهة الصهاينة بالقوة، وأنا بقلمي أحيي جميع المناضلين الفلسطينيين وأنا معهم من القلب، وبشتّى مسمايتهم، من حماس، والقسّام، إلى جيش الدفاع الفلسطيني، وحتى فتح، وجميع الصحافيين والكُتّاب والأدباء الفلسطينيين، لكن إذا كان العالم يريد حلًا سلميًا، فالحل ليس في حل الدولتين وهذه مثالية مخرّفة، الحل السِلمي هو خروج الصهاينة، ورجوعهم من حيث أتوا، أو إسلام الصهاينة، وذلك حل لا يأتي بالإكراه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد