ثمة دول حين نتذكرها نتحدث عن تاريخ، ودول أخرى حين نذكرها نتحدث عن حاضر. وشتان ما بين تاريخ تشهد عليه أطلال ومخلفات، وحاضر يتباهى بتنمية وتطور ورقي وحضارة، شتان بين دول تقتات على تاريخها، ودول تشرب نخب حاضرها، دول تتسول الاهتمام بها شفقة على ماضيها العتيق، ودول تفرض احترامها بما تشيده من مجد يشهد عليه العالم أجمع.

لقد مر بنا الزمن، ودارت هذه الكرة الزرقاء التي تحتوينا لتوصلنا إلى القرن الحادي والعشرين، ولم تلق عصى الترحال بعد، وفي هذا القرن بالذات علمتنا دروسًا عظيمة.

فعلت ذلك وهي تشير إلى حضارات عارية عن الماضي تتباهى بأفخم أردية الحاضر، ها هي ذي تشير إلى دبي وتغمز للدوحة وتومئ إلى هونغ كونغ وتراقص نيويورك وواشنطن ومونتريال، ولا تحفل بصنعاء أو تحنو على القاهرة، إنها تصعر خدها لدمشق وتبصق في وجه بغداد، وتصرخ «لا شيء لا شيء من تاريخكم يهم هذا العالم».

إن الحاضر هو ما يسبغ الأهمية على التاريخ، أما التاريخ فلا يمد يدًا لينتشل الحاضر من كبوته قط، مجد طيبة ومنف وقاهرة المعز ومدينة الرشيد ودار بني أمية وصنعاء مهبط سام بن نوح لا يهم هذا العالم بشيء.

العالم لن يحتضن اليمن ويهبها رقيها وتطورها المنشود شفقة على عرش بلقيس، أو إجلالًا لبراقش، لن يهب الزمن للقاهرة مجد لاس فيغاس فقط.

لأن لها تاريخًا ملهمًا عظيمًا ولا يباهى، لن يأسى الزمن على بغداد ولا يذرف دموعه على بابل، الزمن لا يعير التاريخ اهتمامه.

إنه والحق يحتقر تلك الأمم التي تشهر في وجه الواقع الوحش خنجر التاريخ الصدئ، إن خنجر التاريخ متآكل ودرع الحاضر مسبوك من البلاتين والزمن لا يحني رأسه للتاريخ قط إلا حين يرى تاريخ أمة ما قد ألهم واقعها.

بكائيات عمرو ابن أبي ريشة لا تبكي الزمن، هو لا يبكي حين يسمع رب وامعتصماه انطلقت، لكنه قد يحني رأسه لمجد العثمانيين حين يراه الهم الأتراك واقعًا جديرًا بالإجلال.

دعني أحدثك عن صورة أخرى للتاريخ، الصورة التي يبديها الواقع المزدهر، إذ إن التاريخ كما قلت لا يصنع الحاضر، إنما الحاضر المزدهر كفيل بأن يسبغ على التاريخ ذلك القدر من الاهتمام الذي يليق به.

وسأحدثك كيف ذلك، إن مدفع صدأ على حصن طيني بني قبل قرن هو تاريخ جدير بأن يكتب العالم عنه ما دام أنه في الإمارات، حيث واقعها المزدهر يجعل من التاريخ الذي لا قيمة له أسطورة.

بينما أطلال معبد يشهد على حضارة مغرقة القدم لن يجعل العالم مشغولًا به، لأن الحاضر المتخلف المنحط انسحب على التاريخ العظيم فأحاله كومة قاذورات، إن شبرية متهالكة احتزم بها راعٍ بائس ذات يوم في صحاري قطر لهي تاريخ يجلله الاهتمام أكثر بكثير من آثار بابل العظيمة. يا صديقي إن التاريخ مجرد عصا يتكئ بها العجز، ليبرر نفسه.

العراقيون والسوريون والمصريون واليمنيون ولدوا بين أطلال التاريخ، فآثروا انتظار بركاته، فبال على رؤوسهم وأغرقهم في الوحل.

الإماراتيون والقطريون والكويتيون ولدوا في أراض عارية عن التاريخ، فشدوا سواعدهم وشمروا ليصنعوا تاريخهم الخاص، وهذا ما أنجزوه.

الأتراك صحوا فجأة فألفوا أنفسهم محاطين بأطلال العظمة، فانتفضوا ليعيدوا التاريخ في لباس الحاضر، وحين نلغو في التاريخ والحاضر ونربطهما بالمجد والازدهار فحري بي أن أحدثك عن ثلاثة أنواع من الأمم، أو الدول أو القوميات. دول بلا تاريخ لكن حاضرها زاهٍ وبهي، أمريكا بكل مجدها تتزعم هذا النوع من الدول، وأستراليا وكندا، وروسيا، وجنوب أفريقيا، وإمارات الخليج ربما باستثناء عمان والسعودية.

الأمريكيون لا تاريخ لهم ليعتزوا به أو يتباهوا ببطولاته، فتاريخهم لا يمتد سوى قرنين من الزمن، كانوا قبلها مجرد عبيد ورعايا للملك الإنجليزي، وكانوا سيظلون على تلك الحال لولا اندلاع الثورة الأمريكية والاستقلال من إنجلترا، إن تاريخ أمريكا يبدأ بجورج واشنطن وثورة الإخوة الماسونية الأولى على إنجلترا، لم تكن قبل ذلك إلا مستعمرات تكدح وتزرع كي تعيل الإنجليز وتملأ خزائن الملك الإنجليزي بالذهب، وقبل ذلك لم تكن سوى غابات وأدغال، وأستراليا ليس لها تاريخ، ولم تقم حاضرها على تراث تاريخها، إذ إنها لم تتطور من البدائية التي عاشها سكانها الأصليون، إلى دولة مزدهرة ومتطورة كما هي الآن، إن تاريخها يبدأ برعاة البقر الإنجليز وصائدي الجواميس، وحاضرها يبدأ بالاستقلال عن إنجلترا.

روسيا تاريخها ليس مغرقًا في القدم، إذ لا حضارة لها، ولم تقم أسس دولتها إلا قبل ثلاثة قرون أو أربعة، حين أسست إمبراطوريتها الإقطاعية، معتمدة على الزراعة، لم تكن بحد ذاتها إلا إقطاعيات يتملكها النبلاء ولم يكن مواطنوها الآخرون إلا عبيدًا وأقنانًا يتملكهم النبلاء ويتصرفون بهم كيفما شاؤوا. لا حضارة تاريخية للروس ولا مكان لهم في معجم التاريخ العتيق. هذا لم يمنع أن تنشأ إحدى أقوى الدول في العالم المعاصر.

كندا أيضًا تشبه أمريكا وأستراليا بدأ تاريخها باستقلالها من المستعمرين، أما إمارات الخليج فتاريخهن الحضاري هامشي نوعًا ما، إذ لا إرث حضاري عتيق أو منجزات حضارية قديمة لهن، فتاريخهن في العصر الإسلامي يثبت تخلف وهمجية البدو الذين كانوا فيهن، أما حاضرهن فيبدأ قبل نصف قرن ليس إلا، لم تكن الإمارات قبل بضعة عقود إلا شتاتًا من القبائل البدوية المتنقلة ولفيفًا من قرى الصيادين البائسة، ومثلها قطر والبحرين والكويت، غير أن حاضرهن يعد زاهيًا وبهيًا.

بكل ما للكلمة من معنى، النوع الثاني من الدول تلك التي لها تاريخ ولا حاضر لديها، واليمن والعراق ومصر وسوريا خير نموذج على هذا النوع من الدول، التي انشغلت بالتباهي بتاريخها ولم تلتفت لحاضرها قط. فأحفاد الفراعنة وأحفاد التبباعة وأحفاد بابل وأحفاد حنبعل، لم يصنعوا لأنفسهم شيئًا يزين حاضرهم. وظلوا يتحدثون عن تاريخهم كأنهم من صنعوه وكأنه من سيصنع مستقبلهم. غير أن الحقيقة هي أن الفراعنة بكل كبريائهم وجبروتهم وعظمة سلطانهم لم يغنوا شيئًا عن أحفادهم المشردين المعذبين المنفيين في بلاد الله الواسعة يبحثون عن رزقهم وقوت أبنائهم، وأسلافنا نحن تببابعة حمير وملوك سبأ وأقيال معين بكل زخم تاريخهم، ومعهم ملكة سبأ التي يراد إلحاقها ظلمًا بالحبشة، وسميي سيف بن ذي يزن وكل عفاريته ما صنعوا لنا شيئًا رغم تباهينا بهم وحديثنا الدائم عنهم، والضحك على جيراننا الخليجيين بأنهم لا يملكون رجالًا مثلهم، فها نحن ذا نبصر بحقد الراعي الإماراتي يعيش بثراء شيخ يمني وها نحن ذا نرى أنفسنا مهوى لصدقات وهبات الجميع، ونرى أنفسنا نتسول حتى أمننا وحياتنا من هؤلاء الذين قلنا لهم إنهم بلا تاريخ، إن تاريخنا لم يغن عنا شيئًا؛ لأن التاريخ كما قلت لن يصنع الحاضر ولن يبني المستقبل، إنه أفيون يمنحنا النشوة ويملؤنا بالاتكال، لكنه لن يحمل عنا الطوب ويبني لنا المستقبل، إن حاضرنا مدمر ومستقبلنا لا محل له من الإعراب، وتاريخنا بحد ذاته أتى عليه الحاضر البائس وأحاله حطامًا. ولن أضطر للحديث عن سوريا والعراق والمغرب العربي، فالحال واحد. حيث برزت زنوبيا وحيث نشأ هاني بعل، وسرجون ونبوخذ نصر، وسيف بن ذي يزن، وعشرات الجهابذ المنقوشين على صفائح تاريخنا.

في النهاية يتبقى النوع الثالث من الدول وهي تلك التي تملك التاريخ الزاخر بالحضارة والمنجزات الحضارية، وفي الوقت ذاته نجمها الحضاري يتلمع في سماء الحاضر، خذ إيطاليا وإنجلترا وإسبانيا والصين واليابان، ودولًا أخرى لا حصر لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد