بات خروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الشعب بصورة يومية أو شبه يومية، منذ تفشي وباء كورونا في بلاد العم سام بندًا ثابتًا، لكن كلمات الرئيس الخامس والأربعين لم تحمل في طياتها أي طمأنة، لكن على العكس من ذلك تبعث على القلق، بل تشعر المتابعين لكلمات ترامب بأنهم أمام شخص يهذي، وليس مسئولًا يحمل على عاتقه مهمة حماية شعبه من الوباء الكوني.

أحدث حلقات مسلسل ترامب الهزلي الذي بدأ منذ ثلاث سنوات، هو التلاسن الذي وقع بينه وبين اثنين من الصحافيين خلال مؤتمر حول تطورات كورونا في الولايات المتحدة، وذلك عندما سأل صحافي أنتوني فوشي أخصائي الأمراض المعدية بالحكومة الاتحادية، حول جدوى تناول جرعات من عقار الهيدروكلوركين المضاد للملاريا للشفاء من كورونا، فما كان من ترامب إلا أن صرخ في الصحافي قائلًا:

كم مرة سألتم فوشي هذا السؤال؟  لا، لقد أجاب، وطلب من الصحافي التالي طرح سؤاله.

وعندما جاء دور ترامب للحديث عن جهود إدارته لوقف انتشار الكورونا، سألته صحافية عن حديث صهره جاريد كوشنر حول مصادرة معدات مكافحة العدوى من الولايات لأننا نحتاجها، وطلبت منه تفسير نون الجماعة على من تعود، ليرد ترامب عليها ببرود:

على الولايات المتحدة؟

فسألت الصحافية مستنكرة:

أو ليست الولايات جزءًا من أمريكا.

فرد ترامب بحدة:

الحكومة الاتحادية تحتاجها وستوزعها على الولايات حسب حاجة كل ولاية.

لكن لم تتوقف الصحافية عن طلب تفسير ضمير الجماعة في حديث كوشنر معتبرة أن الرئيس تهرب من الإجابة، فرد ترامب بوقاحته المشهورة خلال حديثه مع الإعلام:

لقد أجبتك إجابة نموذجية، أنت تريدين إظهار الإدارة بمظهر سيئ، وتقلبين الحقائق، ويا لذلك من أسلوب مقزز!

يعد ترامب كورونا مسألة كرامة له، فمع بدء انتشار الوباء في شهري يناير (كانون الأول)، وفبراير (شباط) الماضيين، أعلن ترامب أن الأمور تحت السيطرة في أمريكا، ولا داعي للقلق، واستمر في ارتداء معطف الطبيب حتى مع تسجيل الولايات المتحدة أولى حالات كورونا، في الأسبوع الثالث من مارس (آذار) الماضي، فأعلن أن الفيروس سيبدأ في الانحسار بحلول أبريل، لكن توقعات الرئيس ذهبت أدراج الرياح، وغدا الموت اليومي لآلاف الأمريكيين بكورونا خبرًا اعتياديًّا في نشرات الأخبار، ومع مرور الوقت بدأت تتكشف وقائع كارثية حول دور ترامب في وصول الوضع لما هو عليه.

أفادت تسريبات صحفية بأن ترامب أُبلغ من المخابرات الأمريكية في يناير الماضي، بأن فيروسًا قاتلًا يضرب الصين وقد يصل إلى الولايات المتحدة ويتسبب في موت الآلاف، لكن ولأن ترامب لا يثق في مسئولي المخابرات، بل يعدهم أعداءه، تجاهل الأمر ولم يأخذه على محمل الجدية، وحتى عندما وصل كورونا للولايات المتحدة تسبب النزاع بين أفراد الإدارة الجمهورية في تعطيل اتخاذ أي إجراءات لمدة ثلاثة أسابيع، كانت وقتها الأمور قد خرجت عن السيطرة.

جعل المشهد الحالي المرتبك لترامب الذي يتأهب لانتخابات رئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم كثيرًا من الأمريكيين، وحتى من المتابعين للشأن الأمريكي يقارنون بينه وبين الرئيس الأسبق جيمي كارتر، الذي تسببت أزمة مماثلة، وهي احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، في خسارته الانتخابات الرئاسية عام 1980 أمام الجمهوري العتيد رونالد ريجان، وهو ما قد يتكرر بين ترامب ومنافسه الديمقراطي الوحيد جوزيف بايدن.

بالإضافة إلى ذلك، تسببت بعض القرارات التجارية لكارتر في سخط الناخبين عليه، وبالتحديد من القطاع الزراعي، عندما منع تصدير الغلال للاتحاد السوفيتي؛ مما تسبب في خسائر مليارية للمزارعين الأمريكيين، وهو ما حدث عندما فرض ترامب رسومًا جمركية على الواردات الصينية لأمريكا، فردت الصين بأن فرضت رسومًا على الواردات الأمريكية، والتي تشكل الواردات الزراعية جزءًا كبيرًا منها.

صحيح أن ترامب نجح في إنعاش الخزينة الأمريكية بمئات المليارات من الدولارات، ووفر مليوني فرصة عمل، لكن كورونا بما سببه من عواقب وخيمة على شتى مناحي الحياة، بما فيها الاقتصاد، سيعصف بمنجزات ترامب وسيتسبب دوره السلبي والمتخاذل في محاربة الوباء في كلفة غالية ستجعله – بحسب كثيرين – النسخة الجمهورية من كارتر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد