فما نسي الزمان وما نسينا. إذا كنت جيل ما دون الثلاثين وسمعت دولة اسمها الصومال، فما يخطر بالك في إلا القرصنة أوالحروب الأهلية والمجاعة والتخلف والرجعية وكل العبارات المشؤومة، ولكن إذا كنت ممن يجيد قراءة التاريخ وتفتيش الأرشيفات المنسية وتسعي لتفهم الواقع فالأمر مختلف تمامًا. تعال معي حتى تعرف لمحة سريعة عن حياة أمة كانت من رواد التغيير في القارة السمراء، وأنهم ليسوا قراصنة بل كانوا صناع الحرية لقارة أفريقيا.

من لا يعرف الماضي لا يفهم الحاضر، التاريخ لا يرحم كما يقولون؛ التاريخ وقودنا نحو التغيير وتغذية صحية لعقولنا، التاريخ هو تجارب حياة أمم برمتها عبر حقبات من الزمن، ويجب علينا ألا نترك شيئًا عن صفحاته المظلمة والمشرقة. الصفحات المظلمة هي مجرد تجارب فاشلة مهما يكون دفع الثمن حتى نعرف ونشعر بالألم ونقص على هذا الجيل والقادم، ونجعلهم روتينًا يوميًّا، ونبني لهم متاحف نجمع فيها كل الكوابيس التي مرت على هذه الأمة لكي لا يفكروا ولا يرتكبوا تلك الأخطاء أبدًا، أما الصفحات المشرقة هي أهم ما تفتخر به الأمة وتشعر بالعزة وتتلو عليه كل من حاول طعنها وإذلالها، وهي التي تضيء العقول، وتبصق على وجوه السفهاء الذين يطعنونها، وتقود الشخص للتفكير السليم نحو التغيير، وتدخل في نفسه الاعتزاز بالنفس والثقة، وتقنعه بأن ما حصل ليس معجزة وتستطيع فعلها بنفسك إذا أردت. من ليس له تاريخ مثل الذين ماضيهم مظلم، وتأسست حضارتهم على إبادة أمم وتشريدهم، وكتبوا أسماءهم بدماء المظلومين، هؤلاء سيكونون في مزبلة التاريخ، ولن يكون لهم ذكر بين الأمم، وهذه سنن الله في الكون، إذا أردت دليلًا ستجد آلافًا في سجل التاريخ.

عندما تقرأ أي أمة ماضيها المشرق وواقعها الأليم ترى كيف يطرد أبناؤها كابوس الحنين إلى الماضي ولا يفكرون سوى في عودة ماضيهم المجيد، وتصنيع نسخة أفضل منه. مثل الصومال تمامًا. كانت الصومال مركزًا مهمًّا للتجارة مع بقية العالم القديم وملتقى الملاحة في القارة السمراء مما أدى إلى الغزو الأوروبي وطمعه عليها وفقًا لمعظم المحللين. احتلت الصومال مثل بقية الدول الأفريقية وبدأ الاحتلال يذيقها مرارة الاستعباد والاستبداد وحاول طمس هويتها وثقافتها الإسلامية، ولكن الصومال رفضت أن تشرب كأس الذلة والمهانة، وقاومت مثل بقية الدول الأفريقية الاحتلال وصمدت أمامه عقودًا من الزمان، حتى طهرت من نفسها قذارة الاحتلال الغاشم. هناك قصص بطولية فريدة من نوعها في الصومال في فترة الاحتلال وقبل الاحتلال ومواقف غيرت مسار أفريقيا قديمًا وحديثًا، وشخصيات مهمة ناضلت من أجل هذه القضية مثل أحمد جري، والشيخ حسن برسنى، والسيد عبد الله حسن، وعبد القادر سخاوى الدين.

القارة الأفريقية قارة منسية أصلًا ككل، والأسوأ من ذلك عادة اكتسبت من المحتلين الهمجيين، مسح وتهميش أو تزوير وفبركة تاريخ الأمم التي حاربت الظلم وضحت من أجل الحرية بكل ما لديها، بينما نسمي أصحاب الإبادات الجماعية ولديهم تاريخ مظلم وبنوا دولتهم فوق جثث الأحرار لقب البطولة وأصحاب النهضة والتغيير، مع الأسف توغلت هذه العادة في كل من التاريخ الإسلامي والعربي والأفريقي، وهذا سبب مناداتنا بأن نكتب في التاريخ بزوايا أخرى وبطريقة منصفة للجميع.

لم توقف الصومال نضالها ضد الاحتلال حتى بعدما استقلت عام 1960م. واصلت كفاحها ودخلت نضالًا من أجل تحرير الدول الأفريقية التي لم تتحرر بعد، وقدمت كل المساعدات العسكرية والمدنية، وأرسلت جنودها سرًّا عبر الجو والبحر، الذين توجد قبورهم حتى الآن في دول أفريقية كثيرة. وضع المجلس الأعلى الصومالي بقيادة محمد سياد بري، الذي كان يحكم وقتها خططا لتحرير أفريقيا من ويلات الاحتلال الغاشم، ووجهوا خطابا لمنظمة الوحدة الأفريقية (OAU) ضرورة تحرير القارة نهائيًّا من الاحتلال، والقضاء على التخلف الاقتصادي وتوطيد دعائم التضامن الأفريقي والارتقاء بالقارة إلى المكانة التي تليق بها على ساحة صنع القرارات الدولية. وفي إثر ذلك في 12 يونيو (حزيران) 1974م اختير سياد بري الرئيس الصومالي آنذاك رئيس منظمة الوحدة الأفريقية، ووكلوا زعماء الأفارقة أصعب مهمة وأهمها لسياد بري، نادى سياد بري وهو يمثل الشعب الصومالي إلى الأمم الأفريقية كفاحًا ضد الاحتلال، وأن الصومال في أتم استعداد لتساعد كل الحركات والجبهات التحريرية في أنحاء أفريقيا مهما كلفت الثمن باهظًا من أجل أفريقيا. من عاش هذه الفترة 1974م في الصومال أو من كان يناضل من أجل الحرية في تلك الفترة، يعرف جيدًا ماذا قدمت الصومال لأفريقيا. كانت الإذاعة القومية الصومالية (مقديشو) خصصت لبرامج عدة ليستيقظ الأفارقة من غفلتهم، وكانت تبث برامج توعية وضرورة تحرير الأمم الأفريقية بلا استثناء وخطورة الاحتلال، حتى تعرف دور الصوماليين في هذه الحملة خصصت حكومتهم مبالغ ضخمة من أجل دعم الحركات المناضلة ومساعدة البلدان الفقيرة في أفريقيا.

«أيا أفريقيا النائمة)» أغنية قومية ذات حماسة اشتهرت بين الصوماليين، وهي تحرض الأفارقة على أن يستيقظوا من غفلتهم وتحكي لهم كيف استعبدوا وأصبحوا مثل الحيوانات، وكانت تبث هذه الأغنية وعشرات من الأغنيات ضد الاحتلال والاستعباد في الإذاعات القومية في أرجاء الصومال، وهذ شاهد على أن الأدب الصومالي كان جزءًا أساسيًّا من هذا الكفاح . كانت حمية كره الاحتلال منتشرة في الصوماليين آنذاك في المدارس والمساجد وكل المؤسسات التعليمية والتجمعات، ونصبوا تذكارات كل المناضلين الصوماليين الذين حاربوا الاحتلال منذ القرون التي مضت ليكونوا مثالًا يحتذى لكل شعوب المنطقة، التي كافحت يومًا من أجل الحرية مثل السيد عبد الله حسن، الذي حارب عشرين سنة الاحتلال البريطاني، وحوا تَاكَو، أيقونة ثورة الأحرار و13 من الشباب الذين اجتمعوا تحت الشجرة المباركة من أجل استقلال الصومال وعرفوا لاحقًا نادي الشباب الصومالي (SYL) بقيادة البطل عبد القادر سخاوي الدين.

لم تكتف حملة الصومال إظهار الشعارات ولافتات أو تأليف أغنية حماسية وخطط مرسومة، إنما ساهمت عسكريًّا في تحرير الدول الأفريقية، وضحت بدمائها من أجل تلك القضية التي لا يستوعب وقتها العقل الأفريقي، لماذا يخاطر بحياته جندي صومالي من القرن الأفريقي ويحمل كل معداته من أجل شعب غير شعبه؟ أيضًا ساهمت الصومال مساعدة الدول التي كانت تعاني ويلات الاحتلال في سبيل نهضتهم وإعمار بلدانهم وإعادة البنية التحتية.

دعمت تمامًا الحكومة الصومالية لمختلف الإدارات الوليدة والحركات المعادية للاحتلال في أرجاء أفريقيا من موزمبيق، وروديسيا، وزامبيا، وبوروندي، وجنوب أفريقيا، ورواندا، وأوجاندا، وإيرتريا، وكثير من الدول الأفريقية، ورغم أن العمليات الصومالية العسكرية أو غيرها سرية للغاية فإننا نجد كثيرًا منها في الأرشيف الصومالي وما قدمت لأفريقيا خلال هذه الفترة بشهود عيان رفيعي المستوى في الحكومة سياد بري.

كان بري الرئيس الوحيد الذي أرسل تعزيزات عسكرية لمساعدة حكومة سامورا ماشيل ضد القوات البرتغالية والروديسية، التي اشتهرت بالتمييز العنصري وإبادة الأفارقة. وحضر احتفالات استقلال موزمبيق، جنبًا إلى جنب مع زملائه الشيوعيين من الاتحاد السوفيتي. وأرسلت الصومال أيضًا تعزيزات عسكرية إلى الجبهة التحريرية في زامبيا وناشدت زامبيا الدول الأفريقية الأخرى للحصول على الدعم العسكري. في 27 يونيو 1977م، أعلن الرئيس، كينيث ديفيد كاوندا، وهو يتحدث إلى حشد مع الزامبيين في لوساكا، أن القوات المسلحة الصومالية مستعدة لمساعدة بلاده ضد الروديسيين، وأن القوات الجوية الصومالية على أهبة الاستعداد من أجل الزامبيين في حالة الحرب ضد عصابة الروديسية، وأظهر شكره لكل ما قدمت الحكومة الصومالية من أجل تحرير بلاده من عصابة الروديسية. دعمت حكومة باري في جنوب أفريقيا ضد حكومة الفصل العنصري التي كانت تحتل جنوب أفريقيا بصفته رئيسًا لمنظمة الوحدة الأفريقية (OAU)، في عام 1974، دعا بري في المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) جنوب الأفريقيين بوصفه عضوًا متساويًا للمنظمة وإعطائهم منصة لإسماع أصواتهم. كما دربت حكومة باري مقاتلين من جنوب أفريقيا ومنحتهم أسلحة متطورة، وكل المعدات العسكرية، وأرفقت معهم جنودًا صوماليين، الذين توجد قبورهم في جوهانسبرغ حتى الآن ويذكرون جيدًا جنوب الأفريقيين ما دور الصومال في استقلاليتهم وماذا قدمت الصومال لهم. زوَّد الجيش الصومالي الإريتريين بأجهزة عسكرية، ووفر التدريب ثم منح قادة وأعضاء الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا جوازات سفر صومالية للسفر حول العالم بحثًا عن التعليم وفرص العمل، لتمويل الحركة، وزيادة الدعم السياسي لنضالهم التحرري من الدول الأخرى. مما لا شك كان الدور الصومال في تغيير أفريقيا عظيمًا، تأسست القوات الجوية البروندية على يد طيارين دربتهم الحكومة الصومالية في عام 1974م، وكانت القوات الجوية الصومالية في ذلك الوقت من أقوى القوات الجوية في القارة.

كانت الصومال معادية لكل محتل وهمجي، ولم يكن دعمها محصورًا في أفريقيا لنصرة المظلومين، بل وصل دعمها في الشرق الأوسط مثل القضية الفلسطسنية؛ اتبعت الصومال سياسة معادية للكيان الصهيوني ومؤيدة للفلسطينيين في الساحة الدولية والمنتديات العالمية. كانت الصومال أول دولة عربية دعمت المقاومة الفلسطينية عندما كان مقرها في تونس، وخصص محمد سياد بري 5% من ميزانية الدولة السنوية للمقاومة الفلسطينية. وكان مكتوبًا في الجواز الصومالي لا يجوز السفر إلى دولتين هما إسرائيل، وجنوب أفريقيا، التي كانت محتلة من قبل البيض والبريطانيين كما أشرنا. منح سياد بري المقاومة الفلسطينية مزارع الموز في جنوب الصومال لتكون دخلًا إضافيًّا لهم لدفع رواتب المقاومة.

ومن الملفت للنظر، تجرأت الصومال وضربت الحائط بالحدود الوهمية التي رسمها الاحتلال. في عام 1977م هاجمت الصومال إثيوبيا لتحرير الصومال الغربي التي منحها الاحتلال البريطاني لإثيوبيا، خلال الأسبوع الأول من المعارك استطاع الجيش الصومالي بسط سيطرته على وسط وجنوب الإقليم، وبحلول سبتمبر (أيلول) من عام 1977م تمكنت الصومال من السيطرة على قرابة 90% من الإقليم، وحقق الجيش الصومالي انتصارات متتالية وكاد أن يسيطر على العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لولا الدعم العسكري السوفيتي الكوبي اليمني، وأجبر الجيش الصومالي على الانسحاب، وكان همَ الحكومة الصومالية تحرير هذا الإقليم والإقليم الآخر إنفدي من المحتل من قبل كينيا إلى الآن، ولكن انهارت الصومال ودخلت حروبًا أهلية دامية خسرت به كل شيء. كانت الصومال قبل الحرب الأهلية العمود الفقري وأقوى الدول في القارة ولعبت دورًا فريدًا في يقطة ونمو أفريقيا وضحت من أجلها كثيرًا، وحققت أيضّا تقدمًا ملموسًا في كل المجالات من حيث الجيش والنمو الاقتصادي، وإنتاج المحاصيل الزراعية، والتعليم.

هذه لمحة سريعة وحياة أمة كانت من أرقى الشعوب وركبان التقدم في أفريقيا، وصارت فيما بعد أضحوكة الزمان وذيل قائمات الدول. أعدنا الساعة إلى الوراء حتى نعرف أن الدائرة تدور والأيام دول، وتلك الأيام نداولها بين الناس. والبديهي الفاكهة المحرمة التى أكلت الصومال قبل 30 سنة أكلوا كثيرًا من الدول الإسلامية والعربية وسيأكلون كثيرًا من الدول في العالم الإسلامي، وتعرفون المعادلة جيدًا من أكل هذه الفاكهة يجب أن ينهار، لذا لنترك البغباوات وتصنيف الدول المنهارة بأبشع الأوصاف واتهامهم بترهات لا أساس لها، ولنطرح على أنفسنا أسئلة جوهرية تحدد مسارنا مثل: ما هذه الفاكهة كلما أكلت كل دولة لها نفوذ في المنطقة تنهار أو تدمر؟ والسلام.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد