من الحاجات الضرورية التي لا يستغنى عنها الإنسان في حياته وعباداته وعاداته، حاجته إلى (التأريخ) و(التقويم). فما من أمة من الأمم إلا ولها تأريخ وتقويم خاص بها يختلف عن غيرها من الأمم، فالتأريخ ما هو إلا انعكاس لشخصية الأمة والحافظ لذاكرتها وسجل أحداثها. ولذا وجدنا العديد من التقاويم المختلفة لدى الأمم كالتقويم المصري (القبطي) واليوناني والفارسي والهندي واليهودي وغيرها.

وغالبًا ما تُستخدم مصطلحات (التأريخ) و(التقويم) و(التأقيت) بمعنى واحد عند العامة من الناس مع ما بينها من اختلاف لغوي واصطلاحي. فالتأريخ في اللغة مصدر أرخ، ومعناه: تعريف الوقت، يقال: أرخت الكتاب ليوم كذا، إذا وقَّته وجعلت له تاريخًا. واصطلاحًا يعرف “أنه تحديد وقائع الزمن من حيث التعيين والتوقيت”.

والتأقيت أو التوقيت: مصدر أقَّت أو وقَّت، ومعناه في اللغة: تحديد الأوقات، وهو يتناول الشيء الذي قَّدرت له حينًا أو غايةً. وتقول: وقته ليوم كذا مثل أجَّلته. والتأقيت في الاصطلاح: تحديد وقت الفعل ابتداءً وانتهاءً.

والتقويم: مصدر (قَوَّمَ)، ومن معانيه تصحيح الخطأ أو الاعوجاج، ومن معانيه التقدير، يقال قوَّم المتاع إذا قدره بنقد وجعل له قيمة. واصطلاحًا: تنظيم لقياس الزمن يعتمد على ظواهر طبيعية متكررة مثل دورتي الشمس أو الأرض والقمر. فهو مختص بحدث مرتبط بظاهرة متكررة كمواسم الزراعة السنوية أو الفصول الأربعة.

ولم تكن العرب تعرف القراءة والكتابة ولا الحساب والتأريخ، وهذا ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه “إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ” [صحيح مسلم رقم: 1080]، وكانت كل طائفة منهم تؤرخ بالحادثة المشهورة فيها مثل حادثة الفيل التي ولد النبي صلى الله عليه وسلم بعدها بخمسين يومًا أو بخمسة وخمسين يومًا.

ومنذ خلافة الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- والتأريخ الهجري معمول به في الديار الإسلامية، ولم يدخل التأريخ الميلادي إلى ديار الإسلام إلا مع الهجمة الغربية على بلاد الإسلام في أواخر القرن الثاني عشر الهجري الموافق لأواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وفُرض التأريخ الميلادي على البلاد المحتلة من الديار الإسلامية. ودخل التأريخ الميلادي (مصر) في عهد الخديوي إسماعيل، والذي أدخله ضمن التغييرات التي أحدثها في مصر من أجل أن تصبح مصر كأنها قطعة من أوروبا!

والآن للأسف الشديد يعيش التقويم الهجري في (غربة) و(عزلة) عن ديار الإسلام، ولا يُستعمل في ديار الإسلام – إلا ما رحم ربي- على المستوى الرسمي والشعبي إلا قليلاً. حتى إني أذكر أنني شاهدت – منذ سنوات- أحد برامج المسابقات على إحدى قنوات التلفاز الرسمية، وكان السؤال الأخير للمتسابق – والذي إن اجتازه سيحصل على الجائزة-: في أي عام هجري نعيش نحن الآن؟! وإلى الله المشتكى.

فلماذا نتمسك بالتأريخ الهجري القمري ونعمل على إحياء العمل به؟

لأسباب عشرة كاملة.

الأسباب العشرة لإحياء التأريخ الهجري القمري:

أولاً: لأنه شرع الله تبارك وتعالى:

قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. الأهلة: جمع الهلال، وهو القمر في بداية ظهروه في الثلاثة أيام الأولى من الشهر. والمواقيت: جمع ميقات، وهو الوقت المحدد المعلوم للناس.

ذكر الحافظ ابن كثير (701-774هـ =1302-1373م) في تفسيره عن ابن عباس قال: “سأل الناسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية… يعلمون بها حِلَّ دَيْنهم، وعدّة نسائهم، ووقتَ حَجِّهم”.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[التوبة: 36].

قال الإمام محمد أبو زهرة (1315- 1394هـ = 1898 – 1974م) في (زهرة التفاسير): “(عِندَ اللَّهِ) معناها في حكمه وتقديره سبحانه وتعالى، وعلينا أن نهتدي بما هدانا إليه، وقوله تعالى: (فِي كِتَابِ اللَّهِ)، أي فيما كتبه علينا من أحكام متعلقة بهذه الأشهر، وقال بعض العلماء: المراد ما كتب في اللوح المحفوظ الذي فيه ما قدره الله تعالى بعباده، فهو لوحه المكنون.

ويقول سبحانه: (مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُمٌ) الضمير يعود إلى (عِدَّةَ الشُّهُورِ)، وحُرُمٌ جمع حرام، وقد فسرت بأنها التي حرم فيها القتال، وكان ذلك قبل الإسلام على شريعة إبراهيم عليه السلام الذي تعود إليه مناسك الحج”.

وقال القرطبي (600 -671هـ =1204- 1273م) في (الجامع لأحكام القرآن): “إنما قال (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ليبين أن قضاءه وقدره كان قبل ذلك، وأنه سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة، وحكمها باق على ما كانت عليه، والمقصود من ذلك اتباع أمر الله فيها”.

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 5].

قال الإمام الشوكاني (1173-1250هـ =1759-1834م) في (فتح القدير): “قوله: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) أي: قدر مسيره في منازل، أو قدره ذا منازل، والضمير راجع إلى القمر، ومنازل القمر: هي المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به، وجملتها ثمانية وعشرون وهي معروفة، ينزل القمر في كل ليلة منها منزلاً لا يتخطاه، فيبدو صغيرًا في أول منازله، ثم يكبر قليلاً قليلاً حتى يبدو كاملاً، وإذا كان في آخر منازله رقّ واستقوس، ثم يستتر ليلتين إذا كان الشهر كاملاً، أو ليلة إذا كان ناقصًا، والكلام في هذا يطول، وقد جمعنا فيه رسالة مستقلة جوابًا عن سؤال أورده علينا بعض الأعلام.

وقيل: إن الضمير راجع إلى كل واحد من الشمس والقمر… والأولى رجوع الضمير إلى القمر وحده، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39]، ثم ذكر بعض المنافع المتعلقة بهذا التقدير، فقال: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فإن في العلم بعدد السنين من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يحصى”.

إذن فعلم تقدير السنين والحساب يعود إلى القمر، لأن الضمير في (قَدَّرْنَاهُ) يعود – على الراجح- على القمر.

ثانيًا: إجماع الصحابة على العمل به:

ذكر الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) قال:

“اتفق الصحابة رضي الله عنهم في سنة ست عشرة – وقيل: سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة – في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، رُفع إليه صك، أي حُجة، لرجل على آخر، وفيه أنه يَحلُ عليه في شعبان، فقال عمر: أيُّ شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها، أو السنة الماضية، أو الآتية؟

ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تأريخ يتعرفون به حلول الديون، وغير ذلك، فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس. فكره ذلك، وكان الفرس يؤرخون بملوكهم واحدًا بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم.

وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فيليبس المقدوني، فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته عليه السلام. فمال عمر رضي الله عنه، إلى التأريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره واتفقوا معه على ذلك”.

وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: استشار عمر في التأريخ فأجمعوا على الهجرة.

وإجماع الصحابة حجة بلا خلاف بين القائلين بحجية الإجماع، وهم أحق الناس بذلك. وكان من أسباب عدم التأريخ بمولد النبي صلى الله عليه وسلم هو كراهية التشبه بالنصارى في التأريخ بمولد السيد المسيح – عليه السلام-! فضلاً عن ترك التأريخ الهجري إلى التأريخ الميلادي!
يتبع،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد