تحدثنا من قبل عن أهمية التأريخ القمري الهجري، وذكرنا أن هناك عشرة أسباب رئيسة تجعلنا نتمسك بالتأريخ القمري الهجري، ونعمل على إحياء العمل به، وعودته مرة أخرى إلى حياة الأفراد والمجتمعات. فذكرنا من هذه الأسباب: أنه شرع الله تبارك وتعالى، وإجماع الصحابة على العمل به، وارتباط التأريخ الهجري بالعبادات والمعاملات الإسلامية، وسهولة التأريخ به ويسره ووضوحه. ثم ارتباطه بأعياد الأمة الإسلامية. واليوم نستكمل أسباب أخرى.

سادسًا: ارتباط التأريخ الهجري القمري بلغة العرب:
إذا استعرضنا أسماء الأشهر الهجرية القمرية نجد أن أسماء هذه الأشهر مشتقة جميعها من لغة العرب. فشهر الله المحرم: سُمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا يحرم فيه القتال، وتأكدت حرمته لدى العرب. وشهر صفر: سُمِّي بذلك لأنَّ ديار العرب كانتْ تَصْفَر؛ أي: تخلو من أهلها؛ لخروجهم فيه للقتال، والبحث عن الطعام، والهروب من حر الصيف. وشهر ربيع أول: سُمي بذلك لارتباعهم فيه، أي أن تسميته جاءَتْ في الربيع فلزمه ذلك الاسم، وفي القاموس المحيط: أربعوا: وقعوا في الربيع. وارتبعوا: أصابوا ربيعًا. ويوم رابع: من الربيع؛ كما يقال يوم صائف من الصيف. وشهر ربيع الآخر: سُمي بذلك لأنه تبع الشهر المسمى (ربيع الأول).

 

وشهر جُمادَى الأولى: سُمِّي بذلك لأنَّ تسميته جاءَتْ في الشتاء حيث يتجمَّد الماء؛ فلَزِمه ذلك الاسم. وشهر جُمادى الآخر: سُمي بذلك لأنه تبع الشهر المسمى (جُمادَى الأولى). وشهر رجب: من الترجيب، وهو التعظيم، وكانت العرب تعظمه وتهابه وتترك فيه القتال. ويجمع على أرجاب، ورِجَاب، ورَجَبات. وشهر شعبان: سُمِّي بذلك لأنَّ العرب كانت تتشعَّب فيه -أي: تتفرَّق- للحرب والإغارة، بعد قعودهم في شهر رجب.

 

وشهر رمضان: سُمِّي بذلك اشتقاقًا من الرمضاء؛ حيث كانت الفترة التي سُمِّي فيها شديدة الحر. وقول من قال: “إنه اسم من أسماء الله”؛ خطأ لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه. وشهر شوال: سُمِّي بذلك لأنَّه تسمَّى في فترة تشوَّلت فيها ألبانُ الإبل، والشَّول من الإبل: التي قد ارتَفعَتْ ألبانها، والواحدة شائل. وشهر ذو القعدة: بفتح القاف وكسرها، لقعودهم فيه عن القتال والترحال، ويجمع على ذوات القعدة.

 

وشهر ذو الحجة: بكسر الحاء وفتحها، سُمي بذلك لإيقاعهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة.

 

ولا يُقال: “ربيع الثاني” أو “جُمادى الثانية”، لأن لفظة “الثاني” تُوحي بوجود ثالث، إذ يستعمل الثاني فيما يليه ثالث ورابع. أما لفظة “الآخِر” فيما لا يتبعه شيء. والشاهد في تسمية الأشهر القمرية جميعها أنها اشُتقت من لغة العرب بحسب حالها في أزمنة تسميتها.

 

أما التقويم الشمسي فأسماء الشهور مأخوذة في الأصل من اللغة الرومانية، حيث كانت الدولة الرومانية تستخدم تقويمًا يتألف من عشرة أشهر، ومنه جاءت تسمية أكثر الأشهر، ثم أضافوا شهرين للسنة الشمسية. وتختلف أسماء الأشهر الميلادية من بلد لأخرى.

 

فدول المشرق العربي (العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين) تستخدم أسماء الأشهر المعربة من الأسماء السريانية الآرامية، وهي: كانون الثاني – شباط – آذار – نيسان – أيار – حزيران – تموز – آب- أيلول – تشرين الأول – تشرين الثاني– كانون الأول.

 

أما دول وادي النيل ومعظم أقطار الجزيرة العربية (مصر والسودان واليمن وليبيا ودول الخليج العربي باستثناء السعودية) تستخدم أسماء مستمدة من التسمية الإنجليزية وهي: يناير – فبراير – مارس – أبريل – مايو – يونيو/ يونيه – يوليو – أغسطس – سبتمبر – أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر.

 

وإذا استعرضنا أسماء الأشهر الميلادية نجد أن أسماء هذه الأشهر مشتقة جميعها من اللغة الرومانية القديمة. فشهر يناير: جاءت تسميته نسبة إلى (Janus) إله البوابات والبدايات الزمنية عند الرومان واليونان. وشهر فبراير: نسبة إلى كلمة (Febra) وتعني التطهير. وشهر مارس: نسبته إلى إله الحرب عند الرومان وبه كانت تبدأ السنة الشمسية عندهم. وشهر أبريل: نسبة إلى (Avril) وتعني الربيع؛ حيث كان شهر أبريل هو بداية الربيع. وشهر مايو: نسبة لأحد آلهة الرومان الإناث! وهي (Maya) والدة الإله عطارد! وشهر يونيو: نسبة إلى (Jonious) وتعني باللاتينية الشباب حيث يُحتفل فيه بأعياد الشباب.

 

وشهر يوليو: جاءت تسميته نسبة للإمبراطور الروماني يوليوس قيصر (Julius Caesar). وشهر أغسطس: نسبة إلى الإمبراطور الروماني أوغسطس (Augustus) وهو ابن يوليوس قيصر بالتبني. وشهر سبتمبر: من (Septa) وتعني الرقم سبعة وهو ترتيبه عند الرومان. وشهر أكتوبر: من (Octa) وتعني الرقم ثمانية وهو ترتيبه عند الرومان. وشهر نوفمبر: من (Nova) وتعني الرقم تسعة وهو ترتيبه عندهم. وشهر ديسمبر: من كلمة (Deca) وتعني الرقم عشرة وفقًا للترتيب الروماني القديم قبل زيادة الشهرين يناير وفبراير في أول السنة الشمسية.

سابعًا: ارتباط التأريخ الهجري القمري بالعقيدة الإسلامية:

بناءً على ما سبق نقرر ما يلي:
(1) أصل تسمية الأشهر القمرية الهجرية مشتق من لغة العرب وقد أقر الإسلام هذه الأسماء! فالقرآن نص على فرضية صيام شهر رمضان المبارك بنفس الاسم الذي عُرف به قبل الإسلام، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:185]. ونصت السُّنة المطهرة على أسماء بعض الأشهر الأخرى. فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ” [صحيح البخاري- رقم:3197].

 

بل ونصت السُّنة على إقرار هذه الأسماء وعدم تغييرها ففي حجة الوداع وقف النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا سائلاً: “أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أَلَيْسَ ذا الحِجَّةِ؟ قلنا: بلى، قال: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟ قلنا: بلى، قال: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟

 

قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قلنا: بلى، قال: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالاً، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ” [صحيح البخاري- رقم:4406].

 

فعبارة الصحابة الكرام (فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه) تشير إلى ترقب الصحابة أن يغير الرسول صلى الله عليه وسلم اسم الشهر كعادته في تغيير بعض الأسماء. وقد ظنوا ذلك لما طال سكوت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه متردد في وضع اسم مناسب له غير اسمه المشهور.

 

(2) أصل تسمية الأشهر الشمسية مشتق من اللغة الرومانية وترمز أسماء ثلاثة أشهر منها (يناير ومارس ومايو) إلى آلهة الرومان القديمة! وقد وقع خلاف في أصل اشتقاق أسماء أخرى كشهر يونيو والذي قيل إنه كلمة من الفرنسية القديمة واللاتينية وهي (Junius) ويُقصد بها الإله جونو أو يونو وهي آلهة القمر، وزوجة المشتري في الأساطير الرومانية!

 

بينما حفظ الله أسماء الأشهر العربية من الإشارة إلى الأوثان والأصنام التي كان يعبدها مشركي العرب! ويحلفون بها! كاللات والعزى ومناة! قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 19-23]. قال الشوكاني: “ذكر – القرآن- هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب، وعظم اعتقادهم فيها.

قال الواحدي وغيره: وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى، فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزّى، وهي تأنيث الأعزّ بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشيء: إذا قدّره”. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ” [رقم: 4860].

 

والأمر بقول كلمة التوحيد ليتدارك الإنسان نفسه بعد أن بدر منه ما ظاهره الشرك.

 

فأي عقل لنا ونحن نؤرخ لحياتنا بأسماء آلهة الرومان الباطلة! ونترك الأشهر العربية التي أقرها الشرع ولم يغير أسماءها. بل وحفظ أسماء هذه الأشهر من الإشارة إلى الأصنام والأوثان التي كان يعبدها مشركو العرب!
في مستدرك الحاكم عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: “كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ شَمْسِ بْنَ صَخْرٍ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ” [المستدرك- برقم: 6146].
يتبع،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد