يعتبر التاريخ أحد أهم مراصد الحضارات والدول والثقافات، وهو سجل لحركة الشعوب والدول والأفراد والجماعات، فهو لا يقتصر على الأحداث السياسية؛ بل هو يسجل عادات الناس وأعرافهم ولغاتهم ويحوي في طياته حقائق كبرى ويحفظ حقوقًا ويفصل بين منازعات وهو الشاهد الصادق على الظلم والعدل، ويحمل دروسًا وعبرًا لمن أراد أن يتعلمه.

التاريخ هو علم يدرس أحداث الماضي ولا علاقة له بالمستقبل، فهو يتحدث عن عوامل نشوء الحضارات والتطورات الاجتماعية والفنية والعلمية وأسباب انهيار الدول وعوامل نهوضها، وهو قابل للنقد والتحليل والتعديل، فهل هناك رابط بين عاطفة القارئ أو الكاتب والتاريخ؟ وهل تمت كتابة الرواية التاريخية تحت ضغط الأيديولوجيا والسياسة والمال؟

كانت هناك الكثير من الأدوات البدائية التي تعاملت بها الشعوب مع تفسير الظواهر التاريخية وكتابة التاريخ، حيث تلاقت في تفسير تلك الظواهر التاريخية، الحقيقة بالخرافات والأساطير، والعاطفة بالأيديولوجيا، والسياسة بالمال، وخلت من التحقيق والواقعية، وكان ذلك على حساب المضمون والحقيقة التاريخية.

لم يعد التاريخ لدراسة الأحداث السابقة وأحوال الأمم الماضية فحسب؛ بل أصبح أداة من أدوات قراءة الحاضر وتفسير أحداثه، وكذلك استشراف المستقبل، وبناء الخطط والتوقعات والاستعداد لأحداث قد تقع، كما وقعت شبيهاتها في ظروف مشابهة أو في تسلسل تاريخي مشابه وبذلك يتكرر ذلك السيناريو، مما يعني انتهاء دور (الحكواتي) الذي اقتصر دوره على رواية القصص الشيقة والحكايات بغرض التسلية والمتعة.

وإذا ما تجاوزنا الخرافات والأساطير التي تم تفسير بعض الظواهر التاريخية بها، والتي ولّى زمانها إلا في بعض الزوايا الضيقة عند كبار السن، فإننا لا يمكن أن نتجاوز السياسة في تأثيرها على الرواية التاريخية وصياغتها، حيث إن المنتصر هو من يكتب التاريخ، وبالتالي فسيكتب عن نفسه بحروف من ذهب والمنهزم سينال أسوأ الروايات، وهذا مشاهد من قديم الزمان إلى وقتنا الحاضر، مما يضعف صدقية الرواية التاريخية وهذا يحتاج إلى تحقيق دقيق من مستقلين.

ومن أكثر الأدوات تأثيرًا على الرواية التاريخية، والتي سلبت كثيرًا من الحقيقة والواقعية وغيّبت الأجيال، هي العاطفة التي نتعامل بها مع التاريخ، حيث كان معلمو التاريخ يقدمون الدروس بعاطفة المنتصر أو المظلوم أو المؤامرة لتفسير الظواهر التاريخية وليس بالحقيقة التاريخية، فلم نعرف أين أصبنا؟ وأين أخطأنا؟ فضاع الإنصاف والشفافية في فهم التاريخ، وبقينا نردد موروثات تاريخية وانتصارات دون تحقيق أو تدقيق، لقد حفظنا ملامح أبطال معينين وتمت عملية التحنيط لتضمن لسيرتهم الخلود ولإنجازاتهم الديمومة.

لقد تم توظيف التاريخ لغايات إضفاء الهيبة على قرارات وسلوكيات وذلك باستقدام سلوكيات قام بها الأجداد، وتم اجترار الماضي في سيناريوهات التبرير والتفسير لما يحملونه من أفكار ومشاعر، وما يقومون به من تصرفات، فالناس كثيرًا ما تأنس بالماضي وتسترجع ذكريات وسنوات ما سلف، إما هروبًا من الواقع أو تسلية، وهذا ما يضيع فائدة الرواية التاريخية ويخرجها عن سياقها.

إن الثقافة بحاجة إلى فترة من الزمن لكي تتشكل وتتطور، وذلك وفقًا للمنظور الحضاري والتاريخي، إننا لا نرث زمنًا ولا أحداثًا بل نرث فكرًا وروحًا للحضارة التي هي ثمرة الثقافة والتجربة الحضارية والتاريخية، لذلك كان من الخطأ أننا تعاملنا مع التاريخ بروح العاطفة، إننا لا يمكن أن نقوم ببناء حضارة أو ثقافة قامت على أدوات غير علمية.

لقد تم تقديس أشخاص وفترات زمنية كفترة الخلافة الإسلامية والدولة العثمانية أو قادة عسكريين كصلاح الدين ومحمد الفاتح مثلًا، وتم تشويه صور آخرين كـالشريف حسين مثلًا، وفي نفس الوقت تم تضخيم أخطاء أمراء وولاة مسلمين، أنا هنا لا أناقش التفاصيل بقدر ما أنادي باستخدام قواعد وأدوات سليمة في التعامل مع التاريخ العربي والإسلامي.

فهل كان صلاح الدين مثلًا قائدًا عسكريًا كغيره من القادة العسكريين – قطز ونور الدين محمود وأرسلان – تميز عنهم ببعض الصفات أهلته لقيادة الأمة لتحرير القدس أم كان معجزة إلهية أو معصومًا من الأخطاء؟ وهل كان الشريف حسين ثائرًا ضد ظلم العثمانيين أم كان خائنًا متعاونًا مع الإنجليز؟ ونفس الأمر حدث مع آخرين، لستُ بصدد إطلاق الأحكام بقدر ما أحرر العقل من وطأة العاطفة والعودة إلى صفحات التاريخ.

إن حالة التثقيف لدى الأجيال لا بد أن ترافقهم في المراحل التعليمية بإعطاء أسس ومناهج سليمة لتناول التاريخ بموضوعية وإنصاف، بعيدًا عن الأيديولوجيا والسياسة والتمذهب والعاطفة، وهذا يعطي مساحة من تعلم الدروس والعبر التي أرادها التاريخ حتى لا تتكرر أخطاء الأمم والشعوب، إن أحد أسباب تراجع العرب والمسلمين هو العصمة والقداسة التي ضربوها على التاريخ الإسلامي، واعتقدوا أنها تمثل الإسلام، وهذا هو أحد أخطر الاعتقادات، إنما تمثل حقبة تاريخية وأحداثًا ووقائع، لأمراء مسلمين، لذلك جعل الإسلام العصمة للكتاب والسنة المطهرة، ولم يرتبط الإسلام بأشخاص أو فترات زمنية.

إنني أدعو إلى قراءة سليمة ومنصفة للتاريخ العربي والإسلامي، وتصحيح معتقدات وموروثات خاطئة سرت في الأجيال عقودًا وعقودًا، فربما نجد أننا كنا مخطئين في بعض الأحكام تجاه بعض الفترات والأفراد، حيث أرجعنا ذلك إلى أسباب مذهبية أو سياسية أو دينية وهي في النهاية تتبع عاطفة القارئ، وهو ما أكده المحققون كابن خلدون وابن العربي وابن الوزير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد