أيمن حويرة
أيمن حويرة

“جنة الله في أرضه، كانت قبلة الناس منذ بضعة قرون، تبارت هي وجارتها وشقيقتها الصغرى في جذب المسلمين وغير المسلمين من شتى بقاع الأرض وعلى اختلاف ألوانهم وأعراقهم وعقائدهم لينصهروا معا في بوتقتها ويشكلوا حضارة من أعظم حضارات العالم في هذا الزمان، وليتبوأ الإسلام بناء على ذلك مقعد الصدارة – كما اعتاد – دومًا على أيدي حكام المسلمين العظام”.

ربما يظن الكثيرون أن هذه الكلمات ما هي إلا جزء من وصف أحد مؤرخي القرن العشرين للأندلس وحواضرها قرطبة وغرناطة وغيرهما، ربما يجول بخاطر البعض أن هذه الجنة هي إسطنبول القرن السادس عشر أو دمشق القرن الثامن أو بغداد ما قبل هولاكو. لكن أحدًا لن يتخيل أن تأتي هذه الكلمات على لسان أحد مؤرخي القرن الرابع والعشرين متحدثًا عن دولة الإمارات العربية وشقيقتها الصغرى قطر. ربما تبدو هذه الكلمات محل اختلاف أو تبدو مبالغة بعض الشيء على من عاش هذا العصر وحضر أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، بل ربما بدت هذه الكلمات للبعض محض جنون ومثار سخرية. لكن نظرة فاحصة على تاريخ الدولة الإسلامية منذ ارتقاء معاوية – رضي الله عنه – عرش دولة الملك العضوض وحتى زوال هذه الدولة على يد عبد المجيد بن عثمان، قد تجعلنا نعيد النظر قليلا فيما نظنه مجرد خيال خصب.

هل كانت الأندلس حقا جنة كما قرأنا عنها؟ هل عاش مسلمو مصر والشام حياة رائعة في عهد العثمانيين؟ هل كان ابن طولون عظيما؟ وهل يشفع لصفية وكوسم وخرم ما فعلنه من أعمال خير كي يتناسى التاريخ ما فعلنه وما أوعزن لأزواجهن من سلاطين بني عثمان بفعله؟ هل عمد عمر بن عبد العزيز – خامس الخلفاء الراشدين – إلى انتخاب من يخلفه؟ هل حسُن إسلام أهل قرطبة وإشبيلية؟ هل كان عبد الحميد الثاني هو فاروق القرن العشرين؟

ربما تبدو هذه الأسئلة وغيرها مثيرة للجدل بعض الشيء، سيقول هواة التاريخ الإسلامي ناصع البياض أن مجرد ذكر هذه العناوين ما هو إلا تتبع لثغرات لا طائل من ورائه، وأن أغراضًا خبيثة ومحاولات مغرضة للنيل من الإسلام وأمجاده تقف خلف هذا. لكن الحقيقة أن تناول مثل هذه الموضوعات دون إفراط أو تفريط، ووضعها في سياقها التاريخي إنما يصب بالأساس في مصلحة الإسلام.

لماذا يكذب التاريخ والمؤرخون؟ تبدو هذه الجملة صادمة بعض الشيء لكنها حقيقية إلى حد بعيد، سواء كان هذا الكذب متعمدًا من قبل هؤلاء المؤرخين، أو كان عن غير قصد بحكم تعامي التاريخ الدائم عن التفاصيل والشيطان الذي يكمن فيها واهتمامه فقط بجمال ألوان الصورة وروعة إطارها بعد تصغيرها بحيث لا تظهر عيوبها. لكن وإن فهمنا لماذا يكذب هؤلاء فسيظل السؤال الأصعب هو لماذا نصدق نحن هذا الكذب؟ لماذا نتجاهل كل المؤشرات التي تطل علينا بين الحين والآخر محاولة تنبيهنا إلى خطأ ما نرتكبه؟

هل نحن بحاجة إلى مئات الحلقات وعشرات المسلسلات لنعلم أن السلاطين العثمانيين الأوائل – حتى وإن كانوا محاربين عظماء – قد ارتكبوا أخطاء جسيمة بعدما سمحوا لنسائهم بالتدخل في الحياة السياسية وإفسادها في الكثير من الأحيان؟ هل يبدو عصيًّا علينا أن نفهم أن جنود الإنكشارية – وكما كانوا سببًا في توسع حدود الدولة العثمانية – كانوا سببًا في انهيار الدولة؟ لماذا ننكر وجود قانون قتل الأشقاء ونحن نعلم أن دولة بني عثمان قد شارفت على الانتهاء عدة مرات بعدما عانت من عدم وجود ورثة للعرش بسبب هذا؟ هل تعلم أن الفرغاني – المعماري القبطي الذي صمم جامع ابن طولون – مات في السجن بعدما حبسه ابن طولون؟ وماذا عن الظاهر بيبرس الذي قتل قطز؟ ومعتصم وامعتصماه الذي عذب ابن حنبل؟

ألا يمكن بعد كل هذا أن يزيف مؤرخو مستقبلنا حاضرنا كما زيف مؤرخونا ماضينا وماضي أجدادنا؟ ألا يمكن أن يغزلوا الشعر فيمن نراهم اليوم هم سبب جل مصائبنا وأكبر همنا؟ ألا يمكن أن يروا ما نراه اليوم ذلا، مجدًا وسؤددًا؟ أن يروا حروب المصالح معاركَ جليلة من أجل رفعة الإسلام؟ أن ينعتوا ملوك اليوم – الذين ظلوا عشرات السنين جاثمين على صدور شعوبهم – بالقادة الفاتحين العادلين؟ هل يمكن لنا أن نرى برج خليفة جنبًا إلى جنب في كتب العمارة مع قصر الحمراء والجيرالدا، ونرى مطاري دبي والدوحة آثارًا تاريخية عظيمة مثلهما كمثل محطة قطار حيدر باشا؟ ربما يكون هذا هو تاريخنا الذي سيحكيه أحفادنا ولن نمتلك حينها الفرصة لرفضه أو الاعتراض عليه، لن نستطيع الصراخ بأن كل ما يُذكر إنما هو محض زيف وهراء وأن الصورة كانت أكثر سوءًا مما تبدو في المرآة. لو كان لنا أن نعيش حينها لربما عرفنا أن ما سيقوله التاريخ عنا بعد قرون هو نفس ما قلناه نحن – أو على الأقل صدقناه – عن تاريخ أجدادنا.. سنحزن كثيرًا على ذلك وسنتمنى لو قُص تاريخنا كما كان…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك