أيمن حويرة
أيمن حويرة

1,554

“كل شخص يكتب التاريخ حسبما يناسبه” هكذا قال خوسيه ريزال الأديب والمناضل الفلبيني الذي أعدم على يد الاحتلال الأسباني، لا تبدو العبارة صادمة، بل يتفق الكثيرون على كونها حقيقية إلى حد بعيد.

يردد البعض أن الطغاة دوما يزيفون تاريخهم، يعمدون إلى كتابته وهم أحياء؛ ليصوغوه كما يحلو لهم، بل يتآمرون بعد موتهم مع الأجيال اللاحقة؛ حتى يخفوا جرائمهم، ويجرون جراحة تجميلية لصفحات التاريخ المهترئة المتهالكة التي تحمل أسماءهم فيزينوها بزخارف خادعة.

لكن المثير حقا هو التغاضي – المتعمد أحيانا – عن عمليات التجميل العكسية التي يجريها الكثيرون لتاريخ مجيد تشوبه بعض الشوائب الحتمية، ويعلق بثوبه الأبيض القليل من السواد الذي لا يضيره ولا يضير أبطاله، بل يجعلهم أقرب إلى البشر منهم إلى الملائكة.

يخطىء المسلمون كثيرا حين يعمدون إلى التعامل مع التاريخ بنظرة أحادية، يمجدون ويجلون عظماء الإسلام فلا يرون إلا إنجازاتهم ويصبون لعناتهم على أعدائهم. يظنون أن هذه المنهجية هي الوسيلة المثلى لرفع راية الإسلام عاليا وتبجيل الحضارة التي بناها المسلمون الأوائل وطورها الأبناء والأحفاد، متجاهلين أن تجميل التاريخ ـ حتى إن كان حسن النية ـ يضر أكثر مما ينفع، وأن الحضارة الإسلامية لا يضيرها بعض الزلات المنطقية،

ولا يقلل منها أو ينتقص من قدرها أن يرتكب بعض رجالها أخطاء بشرية لا ينبغي أبدا التنصل منها.

يعج التاريخ بالكثير من المواقف التي يخجل البعض من مجرد الحديث عنها أو الدخول في نقاش حولها، يتحاشى الجميع ذكر حادثة مقتل الأمير شاهزاده مصطفى؛ حتى لا يضطرون إلى التورط في الاعتراف إما بتورط السلطان سليمان القانوني في قتله أو بضلوع الأمير الشاب في محاولة انقلاب على والده.

ثمة اعتقاد بأن سليمان العظيم لا ينبغي له أن يخطئ، ومصطفى البريء لا يمكن أن يكون متمردا، لا ينبغي للعظماء أن يخطئوا، وإن أخطأوا سقطوا وسقطت معهم إنجازاتهم كلها، هكذا يتخيلون، يتناسون أن موسى عليه السلام قد قتل، وأن الصحابة قد اقتتلوا، فلم ينقص ذلك من قدر أيهم شيئا. ليس هذا دفاعا عن سليمان أو مصطفى أو تبريرا لأخطاء من أخطأ منهم، لكنه فقط محاولة لجعل التاريخ بشريا بقدر الإمكان.

لو أمعنا النظر قليلا في بعض التفصيلات التاريخية التي يغض المتعاطفون الطرف عنها، لوجدنا العديد من هذه اللمحات البشرية المماثلة لحالة القانوني وولده، يظهر ذلك جليا في عظماء الإسلام أمثال صلاح الدين الأيوبي والحكم بن عبد الرحمن الناصر، هؤلاء العظماء الذين ازدهرت الدولة الإسلامية في عهدهم أيما ازدهار، ثم لم تلبث أن انتكست حينما عهدوا إلى أبنائهم بخلافتهم،

فنرى أبناء صلاح الدين وقد تناحروا من بعده وانقسمت الدولة الإسلامية لدويلات، بينما عهد الحكم لابنه هشام، الصبي الذي لم يتجاوز الثانية عشر، فكان أن سقطت دولة الخلافة في الأندلس بعدها بنحو خمسين عاما.

في المقابل يخشى محبو التاريخ ناصع البياض الزج بأنفسهم في حوارات ربما تقود لاعترافات ببعض حسنات أكابر المجرمين من أعداء الحضارة الإسلامية، فيظهر أتاتورك كطاغية علماني فقط، يتحدث الجميع عن إرثه السياسي دون العسكري، بل حتى وإن تطرقوا إلى رصيده الحربي يتم دائما استخدام قاموس المؤامرة والتلميع المتعمد وغيرها من الكلمات التي تجعل من أي نصر عسكري حققه أتاتورك مجرد تمثيلية متقنة.

والحقيقة أن التطرق للمعارك التي شارك بها أتاتورك لا يعني أبدا الاعتراف بها أو إنكارها، لا يعني دعمها سلبا أو إيجابا، لكن الغرض الحقيقي من تناولها هو فقط لفت الانتباه إلى وجود احتمال ولو ضئيل لأن يكون أحد أعتى أعدائك وأسوأهم متميزا، تماما كما يمكن لأحد أهم أبطالك أن يرتكب بعض الحماقات أو ربما حتى الجرائم.

لم تقتصر سجلات الشرف والمجد على هذه السقطات -ـالضئيلة إذا ما قارناها بقرون من الأمجاد ـ ولم يتوقف قطار نظرية الإنكار ـ الذي كان أتاتورك أحد ركابه ـ فقط في محطة إلغاء الخلافة، بل كانت رحلته طويلة امتدت منذ فجر الإسلام وصاحبت رحلة الحضارة لحظة بلحظة.

لكن المحاولات المضنية لإضفاء الصورة الملائكية على التاريخ البشري الإسلامي في مقابل الصورة الشيطانية للآخرين لم تعد تؤتي أكلها، بل لقد ظلت هذه المحاولات دوما عبئا على التاريخ الإسلامي والمنتسبين له، ودفعت العديد من كارهي هذا التاريخ وهذه الحضارة إلى محاولات تشويه عكسية دفعت بتراثنا كله إلى حافة الهاوية وعمدت إلى التشكيك في ثوابته قبل نقاطه الخلافية.

لذلك كان لزاما على من يؤمنون أن الغرض الحقيقي من قراءة التاريخ هو أخذ العظة والتعلم لا التفاخر والتعصب، أن يخوضوا معركة الحقيقة، تلك المعركة التي تهدف إلى صياغة التاريخ كما كان، وليس كما يجب أن يكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك