في التاريخ لا يوجد ملائكة وشياطين، ولكنهم ببساطة بشر، لهم صفحات بيضاء وأخرى غير ذلك، وكذلك صفحات الماضي والتراث، فلا شك أن بها إنجازات وتفوقًا، ولكن بها إخفاقات وهبوطًا أيضًا، فليس من الإنصاف التشدق بالشعارات التي تغيب عنها الحقيقة وتزيف الواقع، وتجعلنا نغيب عن الحاضر ونكتفي ببناء القصور من فراغ الماضي.

التاريخ يكتبه المؤرخون بأسماء الملوك والسلاطين والأباطرة والقياصرة، ومن جلس على العروش ولبس التيجان وسكن القصور واقتنى الجواري والقيعان، كما قال نابليون بونابرت، فكثيرًا ما يقف كاتب التاريخ عند إنجازاتهم مادحًا، ويمر على غيرها غافلًا متناسيًا، ورغم ذلك تجدنا نضيف على كتب التاريخ والتراث قداسة وإجلالًا؛ فتعلق في أذهاننا شعارات جوفاء خرقاء، تقدس الملوك والحكام وتصف تاريخنا بأفخم وأعظم الشعارات.

فعلاقتنا بالماضي والتاريخ لا تحتاج تدليلًا على كوننا من أكثر الشعوب فخرًا بماضينا، فما أن تفتح تلفازًا أو تقرأ صحيفة تجدنا لا نكف عن تذكير أنفسنا والآخرين بأن ماضينا أعظم وأمجد وأفخم من أي ماضٍ لأية أمة أخرى، والمؤسف أن الملايين من المفتخرين بهذا الماضي لا يكادون يتذكرون غير الشعارات عامة، وإلى الآن نردد مرارٍا وتكرارٍا “مصر أم الدنيا”، نتناقلها بكل سهولة وابتهاج مؤمنين بمعناها، الذي لا يعني شيئًا إلا أننا محليو التفكير وقصار النظر وشديدو الانغلاق، والحق أن مكان مردد هذا الكلام هو متاحف التاريخ، إلا أن يدلل أو يثبت ما يدعي.

من المؤكد أن لنا إسهامات عظيمة في التاريخ وأن لنا حضارة مميزة، ولكننا بكل تأكيد لسنا وحدنا، كذلك كان لأبناء اليونان وإيطاليا أحفاد الإغريق والرومان حضارة، وأيضًا الحضارة السومرية في العراق والكنعانيون في فلسطين والحضارة الصينية والهندية وغيرها، من المؤكد أن لنا نصيبًا مساهمًا في حضارات الآخرين كذلك تأثرنا بحاضراتهم، من المؤكد أن في ماضينا صفحات بيضاء مشرقة، وأخرى مظلمة، فظاهرة التغني المستمر بالماضي تحتاج إلى التفكير والمراجعة، بل من غير الطبيعي ألا يكون هناك توازن بين الفخر بالماضي والانشغال بالحاضر والمستقبل.

للأسف السواد الأعظم من الناس لا يعرف عن التاريخ غير عبارات السلاطين المنتصرين فقط، فلا نتذكر غير أن صلاح الدين منقذ العرب ومحرر القدس، ومحمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، ولو لم يتآمر الغرب علينا لكنا أول الأمم، فليس من قبيل الصدفة أن نجد وصف القوات المنتصرة في المعارك “تواجه الهجمات برباطة جأش وثبات، وتصب قنابلها، وتهجم هجومًا كاسحًا، والضرب محكم…”، بينما يصف قوات العدو “حصدت صفوفه، اهتزت مراكزه وحصدت و دكت دكًّا، وتقهقر في غير نظام…” والعجيب أن بعد الحرب نجد أن للمنتصر والمنهزم حصون دمرت، ورجال حصدت، وخراب الحرب عمّ الجميع، ونكتفي بهذه العبارات الخرقاء التي تحكي لنا ما أراد الملوك والسلاطين قوله عن أنفسهم، يزيفون الحقائق ليقدسوا حكمهم ويحفظوا في كتب التاريخ ذكراهم. فنصنع أصنامًا ونظل لها عابدين، وقد ندعوا الله أن يبعثوا من التراب مرة أخرى.

فهل يجب أن نعيش في غياهب بئر تاريخ غير حقيقي يميل إلى التزييف أكثر منه إلى الحقيقة، كما أراد أن يكتبه مؤرخو السلاطين؟

فهل كان محمد علي باشا حقًّا والي النعم وعزيز مصر وصاحب مصر الحديثة، أم كان ظالم باشا كما أسماه المصريون بعد أن أثقلهم بالضرائب وأرهقهم بالإتاوات، وهل بنى جيشًا للمصريين ليدافعوا عن وطنهم، أم كان يكرس لمجده الشخصي ويصنع به ملكًا لأسرته في مصر، أم كان كل هذا معًا؟

هل كان صلاح الدين الأيوبي منقذ العرب ومحرر القدس، أم كان هذا الحاكم الذي عقد صفقة – اتفاقية الرملية- مع الصليبيين والتي تنازل فيها عن كل مدن فلسطين واحتفظ فقط بالقدس؟ هل كان هذا القائد الحربي، كردي الأصل منقذ وموحد العرب، أم كان هذا الحاكم الذي قسم الإمبراطورية قبل موته إلى ممالك بين أولاده وإخوته وأبناء أخويه، كأنها ضيعة يملكها، لا وطنًا عربيًّا إسلاميًّا ضخمًا يملكه مواطنون، أم كان كل هذا أيضًا؟

إن فكرة الحاكم العادل المنقذ المخلص، صانع الحضارة ومنقذ البلاد والعباد، التي تملأ صفحات الكتب في التاريخ والتراث نتغنى بها ونحفظها لأبنائنا هي محض خيال وأساطير، فإن أمور الحكم والإدارة عملية معقدة ومركبة تحكمها كثير من الأمور المتشابكة والمتداخلة، وكذلك الواقع الذي نعيشه مركب متداخل، متعدد ومتشابك، فقبول التاريخ والتراث على حقيقته جزء من قبول الواقع والتعامل معه بشكل واقعي ومسئول، والدفع من أجل إصلاحه وتقويمه نحو التقدم والإعمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد