شهدت الساحة السياسية المصرية في الفترة الأخيرة، مبادرتين تتعلقان بمستقبل الحكم في مصر، الأولى مشروع الفريق الرئاسي لانتخابات 2018، والثانية حملة جمع توقيعات لاستمرار حكم «السيسي» فترة رئاسيةً ثانيةً بدون انتخابات رئاسية! تتسم المبادرتان بما أطلق عليه في يوليو 2013 «هندسة التاريخ»(1).

«الفريق الرئاسي» و«هندسة التاريخ»!

يمكن تلخيص المبادرة (المشروع) التي أعلن عنها العالم المصري عصام حجي عن الفريق الرئاسي لانتخابات 2018، يمكن تلخيصها في ثلاثة عناصر؛ الأول اعتمادها على الشباب، الثاني عمل دراسات للواقع المصري، الثالث تحديد شكل الحكم في فريق رئاسي.

بالنسبة للعنصر الأول الخاص باعتماد المبادرة على الشباب؛ مع بداية 2002 اجتاحت مصر «موضة» الشباب لتهيئة الساحة للوريث الشاب جمال مبارك، وكما هي العادة في السياسة «كلمة حق يراد بها باطل»، وبالرغم من أنني قد تساءلت في 2013، بمناسبة الآراء التي كانت تشكك وقتها في قدرة شباب الثورة على الحكم، تساءلت «لماذا لا يحكم الشباب ألم يكن جمال مبارك سيحكم؟!»(2)، إلا أن الانسياق وراء «موضة» الشباب يضع المبادرة في سياق نفس «الموضة»، وبالرغم من الصفات الخاصة بكل فئة عمرية، إلا أن الفيصل العلمي الوحيد في أي مبادرة تدعي العلمية، هو أن يكون المعيار الوحيد هو الكفاءة والنقاء، وهي صفات لا تحتكرها فئة عمرية معينة دون غيرها، من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تغيير مسيرة وطن ظلت تتحكم فيه فئة بعينها لأكثر من ستة عقود، لا يمكن التغلب عليها بالاعتماد على فئة وحيدة أيًا كانت سماتها الإيجابية.

أما العنصر الثاني للمبادرة الخاص بعمل دراسات للواقع المصري، فهو أكثر عناصر المبادرة إثارة للدهشة، ألا يعلم القائمون على المبادرة الحجم الهائل للدراسات العلمية المعمقة عن الواقع المصري التي قام عليها مئات من علماء مصر المخلصين على مدى عشرات السنين؟! المفتقد ليس الدراسات، إنما الإرادة السياسية، تلك الإرادة المرتهنة، حتى الآن، بتحالف قوى مرتبط وجودها بمقاومة التغيير وباستمرار نفس السياسات وأساليب وشكل الحكم القائم، وهو ما ينقلنا إلى العنصر الثالث من المبادرة الخاص بشكل الحكم.

من يملك القوة المنظمة يحكم!

العنصر الثالث من المبادرة، والذي يقترح شكلًا جديدًا للحكم «فريقًا رئاسيًا»، ليكرر نفس المأساة التي تعيشها النخبة المدنية يسارية وليبرالية منذ عشرات السنين، فبدلًا من البحث عن أسباب انفصالها عن جموع الشعب المصري، وخلق أشكال من الممارسة تؤدي لارتباطها بجمهورها المفترض، حيث تتمركز برامج هذه النخبة وأهدافها لصالح هذه الجماهير ومن أجلها، بدلًا من ذلك تلجأ النخبة في كل أزمة إلى إعادة إنتاج نفس المأساة، بإعادة «هندسة التاريخ» بالبحث عن مسميات وأشكال جديدة للهروب من الأزمة الحقيقية المتعلقة بانفصالهم عن جمهورهم المفترض، والذي ما بات يفضح عجزهم عند كل انتخابات، لتأتي المأساة هذه المرة على شكل «فريق رئاسي»! بدلًا من بذل الجهد الواجب لتشكيل «قوة منظَمة»، والتي بدونها لن تكون هناك أي فرصة حقيقية للوصول إلى الحكم، أيًا كان شكل هذا الحكم، والتي عندها ستكون كل هذه الجهود المخلصة مجرد أمنيات طيبة وأوهام، ولا أدري من أين جاء عصام حجي بهذه الثقة عندما طرح مشروع الفريق الرئاسي لانتخابات 2018، ليؤكد أن هذا الفريق سيكسب الانتخابات حتى لو ترشح الرئيس السيسي مرة أخرى أمامه!(3)

ما أكثر الدراسات أو الأشكال «الهندسية»، ليس النقص في الأشكال «الهندسية» أو الدراسات، النقص في «القوة المنظمة» على الأرض، وما الإغراق في «هندسة التاريخ» سواء بالأشكال أو الدراسات، ما هو إلا وسيلة دفاعية نفسية للهروب من معضلة تشكيل «قوة منظمة» على الأرض.

وهو ما سبق وأن حذرت منه عندما كتبت في يوليو 2013:

«هندسة التاريخ».. وسؤال: ماذا بعد سقوط الإخوان؟!

الذي سيحكم مصر فعليًا، بعد سقوط الإخوان (السقوط المؤكد، أيًا كان موعده)، هو من يملك «القوة المنظمة».
«القوة المنظمة» التي لم تحظ بالاهتمام الواجب حتى الآن (للأسف الشديد) من قبل من يتصدون من قيادات يناير، لرسم سيناريوهات مستقبل السلطة في مصر ما بعد الإخوان!
كل الاهتمام منصب على «هندسة التاريخ»! التي يحكمها المنطق الشكلي المهتم بمدى «الوجاهة النظرية» لاقتراحات من قِبيل: من هو الأنسب لتولي السلطة خلال المرحلة الانتقالية، هل هو رئيس المحكمة الدستورية؟! أم مجلس رئاسي؟! أم شخصية توافقية؟!… إلخ.
من سيحكم مصر فعليًا، هو من يملك «القوة المنظمة».
بعد 25 يناير 2011، لم تكن هناك «قوة منظمة» تعبر عن الثورة، فحكَم المجلس العسكري!
بعد فترة المجلس العسكري، لم تكن هناك «قوة منظمة» تعبر عن الثورة، فحكَم الإخوان المسلمون!
بعد فترة الإخوان المسلمين، هل هناك «قوة منظمة» تعبر عن الثورة؟!

والسؤال الذي ستُحدد إجابته مستقبل السلطة في مصر، هو :
من يملك «القوة المنظمة» في مصر الآن؟!

(7 يوليو 2013)(4).

ليه تحكم 4 سنين لما ممكن تحكم 8؟!

أما بالنسبة للمبادرة الثانية التي تشهدها الحياة السياسية المصرية، والتي تتعلق أيضًا بشكل الحكم في مصر، وهي الحركة التي تقوم بحملة لجمع توقيعات لاستمرار حكم «السيسي» فترةً رئاسية ثانية بدون انتخابات رئاسية في 2018! أي «اختراع» شكل جديد للحكم، الحكم بالتوقيعات بدلًا من الانتخاب! إنها أيضًا إعادة «هندسة التاريخ»، بهدف فرض حكم قسري بدون انتخابات، وهذه الحركة هي في حقيقتها مجرد نسخة باهتة من حركة «تمرد» من حيث الفكرة والأسلوب وجهات التمويل والإدارة… إلخ، ولكنها تأتي في سياق مختلف عن السياق الذي عملت فيه «تمرد»1، فبعد ثلاث سنوات، وبعد الصدمة العنيفة التي تلقاها الشعب في أحلامه الوردية في حياة زاهرة سيوفرها له الرئيس المنقذ، «الرئيس الضرورة»، لا يمكن أن تأتي «تمرد»2 بنفس النتائج التي حققتها «تمرد»1، وتقول لنا خبرات التاريخ القريب، غالبًا ما يرتبط الإحباط الشعبي بردود فعل عنيفة وبحركات احتجاجية كبيرة، مثلما حدث مع «السادات» عندما وعد الشعب بأحلام وردية عند توقيعه اتفاقيات السلام مع إسرائيل في 76، وعندما لم تتحقق هذه الوعود، بل تحقق عكسها، كانت الانتفاضة العارمة في يناير 77، إنها حقائق التاريخ التي لا يمكن إنكارها أو تغييرها بـ«تمرد»، ولا بغيرها. الواقع قادم!

المبادرة الثالثة: «تنفذ ولا تعلن»!

من يمتلك القوة المنظَمة يحكم. بعد الضربات العنيفة التي تلقاها تنظيم الإخوان المسلمين منذ يوليو 2013، وإلى أن يستعيد قوته مرة أخرى، وهو تاريخيًا حادث حتمًا، في المديين القريب والمتوسط.

(«لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه».
قوىَ الإسلام السياسي لن تتبخر!
قانون نيوتن الثالث :
«لكل قوة فعل قوة رد فعل، مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه يعملان في نفس الخط»)(5).

إلى أن تستعيد قوى الإسلام السياسي قوتها، وإلى أن تمتلك قوى التغيير المدنية، اليسارية والليبرالية، القدرة على فرض إراداتها، عندما تمتلك القوة المنظمة، تلك القوة التي تتشكل وفق عملية تراكم الوعي عبر النضال في الزمن، وحتى هذا الحين ستظل نفس معادلة الحكم قائمة، الراغبون في التغيير لا يملكون القوة المنظمة، ومن يملكون القوة المنظمة لا يرغبون في التغيير، لذا ستظل القوى «العتيقة» (المستمرة من يوليو 52)، (مجلس إدارة اتحاد ملاك مصر، محليًا، إقليميًا، دوليًا) والمرتبطة مصالحها بالمحافظة على استمرار النظام، ستظل هذه القوى تحكم، وإن تغيرت الوجوه والتحالفات، والتي تشير كل المؤشرات إلى قرب تغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد