عندما تعتقد بأن العالم قد تقدم وأن أحداث الفتن والنزاعات قد اندثرت، لا يلبث التاريخ إلا أن يفاجئنا بأن الدرس لم ينته بعد، ولذلك تتكرر الأحداث مرة أخرى، باختلاف الأماكن والأشخاص، ولكن تظل النتيجة واحدة قتل وتهجير وانعدام المسؤولية الإنسانية.

ميانمار بركان يهدأ ثم ينفجر سريعًا، سياسة التطهير العرقي التي اعتمدت عليها الحكومة هناك، ومحاولة الطرد الجماعي التي يتعرض لها المسلمون، تذكرنا بفظاعة المشهد الذي عشناه قبل سنوات في أحداث البوسنة.

في البوسنة والهرسك كان هناك تطهير عرقي أيضًا بسبب رفض استقلال البوسنة، ورفض إقامة دولة دينية في أوروبا. وعندما تتذكر الحملة التي تعرض لها المسلمون في البوسنة تعتقد بأن البوذيين في حربهم ضد المسلمين ساروا على نهج الصرب في حملة الإبادة ضد مسلمي البوسنة.

حيث بدأت الحملة ضد المسلمين من الصرب في الإعلام باعتبار أن المسلمين ليس لهم وجود في هذه الأرض، وأنهم دخلاء وعليهم المحافظة على وحدتهم الدينية، وهي نفس تصريحات الراهب البوذي «وبراثو» بقوله إن المسلمين يزدادون انتشارًا وأطفالهم خطر على أمتنا، ويجب المحافظة على ديننا.

بدأت الحملة في ميانمار بالإعلام أيضًا، حيث تمت مهاجمة الثقافة الإسلامية والطقوس وطرق الذبح ومنع المسلمين من التنقل من بلدة  إلى أخرى، ويجب عليهم أخذ تصريح قبل الشروع في الزواج ومن يخالف يتعرض  إلى السجن، وليس لهم حق الانتخاب، وتم منع استخدام الهواتف المحمولة حتى لا يستطيعون نقل معاناتهم إلى الخارج وعزلهم عن العالم ومنع دخول المساعدات الإنسانية.

وبدأت مراحل الإبادة والقتل والاغتصاب، وحرق المنازل حتى لا يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم مرة أخرى، وحرق الجثث حتى لا يتم معرفة العدد الحقيقي للقتلى، وهو مماثل لما قام به الصرب في حرب البوسنة حتى لا تتم الإدانة الدولية لهم.

وتشابهت تصريحات المسؤولين في صربيا وميانمار حيث تم التأكيد على أن ما يحدث ليس إلا نزاع

داخلي، وحرب ضد مسلحين خارجين عن القانون حتى إذا أدت هذه الحرب إلى قتل أطفال واغتصاب

نساء وتهجير أكثر من 400 ألف فرد!

قال وزير خارجية يوغسلافيا لن نسمح للمتطرفين المسلمين بأن يغيروا تاريخنا. وأن الحرب ليست دينية، وكان التصريح مماثلًا لنظيرته في ميانمار حيث قالت رئيسة الحكومة الحاصلة على جائزة نوبل «أونغ سان سوشي» والتي عانت كثيرًا من الجيش البورمي في الماضي، تؤكد دائمًا أن الحرب ليست دينية ولا يوجد إبادة ضد المسلمين، وعندما تتعرض للإحراج من أسئلة الصحفيين تتجاهل الإجابة أو تنسحب من الحوار.

واختلفت ردود الأفعال الدولية حيث كان رد فعل الأمم المتحدة على ماحدث في البوسنة مختلف نسبيًا،

حيث قررت الأمم المتحدة إرسال 14 ألف جندي حتى تساهم في حل النزاع، وبالرغم من عدم فاعلية القوات في حماية المدنيين، إلا أنها كانت خطوة مهمة في ذلك الوقت، وإدانة العدوان، وتم فرض حظر تجاري وجوي وتم فرض الحظر التجاري والجوي، وتجميد الأموال، وخفض أعداد البعثات الدبلوماسية، ووقف التبادل الثقافي مع صربيا. واعترفت المجموعة الأوروبية باستقلال البوسنة والهرسك.

وشبه المحققون الدوليون أحداث ميانمار والبوسنة بأنها تشبه المحرقة اليهودية حيث القتل بالدافع الديني واختلاف الثقافات. وكان رد الفعل في العالم الإسلامي على مجازر البوسنة مختلف عن بورما بعض الشيء، حيث جاء الرد سريعًا نسبيًا من منظمة التعاون الإسلامي التي أدانت ما يحدث في البوسنة وساعدت منظمات المجتمع المدني في جمع التبرعات وإرسالها  إلى البوسنة وأدان مؤتمر وزارء خارجية الدول الإسلامية الاعتداء على مسلمي بورما وطالب بوقف هذه الممارسات.

وتم إرسال متطوعين  إلى البوسنة «قوات مجاهدين» وساعد ذلك الصرب على التأكيد أنها حرب دينية

وسحبت مصر، والسودان،  وإيران سفيرهم من البوسنة وحاول وزير خارجية إيران الذهاب  إلى البوسنة ولكن تم منعه. أما عن تركيا فقد أرسلت مساعدات وأدانت ما حدث في البوسنة، ولكن كانت تتدخل بحذر حتى لا تزعم صربيا بأنها تريد عودة الحكم العثماني من جديد.

ما يختلف في الموقف هو تأخر رد الفعل الإسلامي على أحداث ميانمار، وعندما جاء الموقف اكتفينا بالإدانة التي لا تتعدى بعض كلمات تطلق في الهواء.

جاءت أزمة ميانمار لتكشف تغيرًا كبيرًا حدث في الشخصية الإسلامية، التي أصبحت غير قادرة على

التعاطف وإن حدث التعاطف يكون بصورة خاطئة بالاكتفاء بمشاركة الصور عبر مواقع التواصل

الاجتماعي، وإذا كانت الشخصية الإسلامية عانت في البوسنة وميانمار وتم محو ثقافتهم الإسلامية

فماذا ستكون حجتنا نحن الذين محونا ثقافتنا بأنفسنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد