في مؤتمر شركة «آبل» في 10 سبتمبر (أيلول) 2019م لم يبدأ مدير الشركة مؤتمره الذي كان ينتظره مئات ملايين البشر في قارات العالم بالحديث عن نُسخ «الآيفون iPhone» الجديدة ومواصفاتها الحديثة وأسعارها، بل بدأ حديثه عن برامج ألعاب «آبل» Apple وهو برنامج Arcade وهذا ما يدل على أن الشركة تعي تمامًا ما تريده «الجماهير» المتسمرة أمام شاشات التلفزة. تحدث الرجل بكل زهو وفخر عن الألعاب الإلكترونية وعرض الترويج لهذه الألعاب، إضافة إلى خدمة «نيتفليكس» التي تقدم الأفلام «المثيرة»، وكلاهما – ألعاب الـ Arcade الإلكترونية وأفلام «نيتفليكس» – من مصادر المتعة واللذة للصغار والكبار على حد سواء!

عندها تذكرت قول الفيلسوف الألماني جورج هيغل Georg Hegel (1770-1831): «ما تاريخ العالم إلا تقدم الوعي بالحرية». وحزنت على ضياع جهد هذا الفيلسوف في تحديد وتعريف الحرية المطلقة، التي كان سيحصل عليها بعد تقدم وعيه بها، ومن ثم يصبح سيدًا على قدراته ويحقق ذاته. حزنت لأن البشر لم يكونوا ولن يكونوا كما فهم هيغل على الإطلاق. البشر يا سيد هيغل بدَّلوا مسار التاريخ الذي توقعته أنت إلى مسار آخر، وهو: «ما تاريخ العالم إلا تقدم الوعي باللذة». كما قال أحدهم!

كان الناس قبل بضع مئات من السنين يدينون بالكاثوليكية في أوروبا وأمريكا، والإسلام في أنحاء كثيرة من العالم، حيث كان الناس يعبدون الله ويقاومون الشيطان كل حسب دينه، وحتى المنتسبين للعقائد البوذية والهندوسية وعقائد أخرى كانوا يحتكمون إلى شرائع وقوانين تلك العقائد، وعاش الجميع بهدوء وسكينة نفسية وهم يعلمون ما لهم وما عليهم حسب إيمانهم، حتى طرأ العديد من المستجدات التي جهَّزت مسرح الحياة للتغيير وقلب عاليها سافلها.

وأول هذه المتغيرات التي أثَّرت في حياة البشر هو عصر النهضة في أوروبا في القرن الخامس عشر، وتلاه حركة الإصلاح البروتستانتي بزعامة القس مارتن لوثر في بداية القرن السادس عشر، ثم جاء عصر العقل، ثم عصر التنوير، ثم جاءت الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، ثم النازية والفاشية حركات سياسية واقتصادية واجتماعية فرَّقت الناس شيعًا. وكان الأخطر ظهور أفكار ومفاهيم فلسفية في القرن العشرين تبعها الملايين، منها الوجودية والعبثية. وحركات اجتماعية أخرى كالعصرنة وما بعد العصرنة، والنزعة الفردية (الشخصية) والنسبية (عدم وجود حقيقة ثابتة) و«احترام رأي أي شخص»، كما ظهرت أنواع مختلفة للتوجه الجنسي عند الجنسين. كل هذه الإيديولوجيات والمفاهيم والفلسفات أضعفت إلى حد كبير العقائد والأديان التي حكمت البشر لقرون.

لم تضعف الإيمان بالدين وتنحيه جانبًا فحسب، بل ساهمت هذه الإيديولوجيات والمفاهيم بخلق فراغ نفسي وعقدي جعل الناس يبحثون عن «إله» آخر إن صح التعبير. فمجدوا الجنس والنساء، كما تشبثوا بالرياضة ونجومها، والفن والفنانين، والسيارات الفارهة والبيوت الفخمة، والمطاعم والمقاهي الراقية. ولعل القاسم المشترك لكل هذه الأنواع من «الآلهة» هو تقديمها للذة والمتعة بطرق عديدة! وأصبح الحصول على المتعة هو الهم الأول للشباب والشابات وحتى كبار السن، لدرجة أنهم يعلِّقون ما لا يؤمنون به Suspension of Disbelief، أي يخفون أو يكبتون عداءهم لمبدأ معيَّن، أو نظام ما، أو حتى شخص ما مؤقتًا، وقد يتبرؤون من معتقداتهم ومبادئهم ولو ظاهريًّا ووقتيًّا، ويضحون بالمنطق والواقعية في سبيل الحصول، كما أسلفنا، على المتعة. فهناك برامج في اليوتيوب توضح ذلك تمامًا. فمثلًا ترفض الفتاة مرافقة شاب ما لأسباب منطقية، ولكن بعد أن ترى سيارته «اللامبورجيني» أو «الفيراري» تغيِّر رأيها، أي تعلِّق كراهيتها للشاب وترضى بمرافقته في سبيل المتعة واللذة ولو لوقت قصير!

ولعلنا نرى أن الكثيرين من الصحافيين والإعلاميين مَن غيَّر توجهه لتوجه معاكس تمامًا، وأخذ «يطبِّل» لمن كان يبغضهم من أجل المال الذي يشتري به اللذة وأنواع المُتَع! وواضح جدًّا حب الناس ومتابعتها بشغف للأفلام السينمائية، كما يتابعون المسلسلات التليفزيونية والمسرحيات ويدفع الناس الكثير من أموالهم لمتابعة منتجات السينما والتليفزيون، علمًا بأن ما يشاهدونه ليس حقيقيًّا، بل في أحسن الأحوال ما هو إلا محاكاة غير دقيقة للواقع، وهم على علم بذلك، ولكن الناس، كما أسلفنا، تضحي بالواقعية والمنطق، وتدفع أيضًا من مالها من أجل اللذة.

ولتأكيد أطروحتنا علميًّا ونفسيًّا لا بد من الرجوع إلى تقسيمات سيجموند فرويد الثلاثة للنفس البشرية: الهو  (Id)، وهو القسم الذي يمثل مبدأ اللذة واللذة فقط والسعي بكل الوسائل لإدراكها فورًا وبأي ثمن، والأنا العليا Superego والتي تمثل المجتمع والدين والمدرسة والأخلاق أي الضمير المراقب، وأخيرًا الأنا Ego وهو القسم البراجماتي (النفعي) الوسيط بين القسمين المتطرفين الذي يحاول أن يلبي طلبات القسمين الأول Id والثاني Superego بالتوفيق بينهما بشكل مرضٍ ومعقول. في الحقيقة كانت هناك مجتمعات تمثل كل قسم من هذه الأقسام. فالمجتمعات المحافظة والتي تمثلت ببعض المجتمعات الإسلامية كالمملكة العربية السعودية وأفغانستان، والمسيحية كبولندا وغيرهم كانت تمثل الأنا العليا Superego، وكانت معظم المجتمعات الأخرى تمثل الأنا Ego أي القسم الواقعي البراجماتي.

إلا أن الواقع المُعاش اليوم يُظهر بلا شك أن قسم الـ«هو» Id أصبح هو الغالب في معظم المجتمعات الأوروبية والأمريكية الشمالية، بل في كل المجتمعات الغنية نوعًا ما كدول الخليج العربي وكوريا الجنوبية واليابان وغيرهم. ولم يعد تمثيلها يقتصر على المجتمعات، بل على الأفراد الميسورين في كل أنحاء العالم. ولعل أهم المتع واللذات المطلوبة اليوم في بريطانيا وأمريكا وأمثالهما هي ممارسة الجنس مع الكل، وفي كل وقت، وبلا ضوابط. وطلب ممارسات معينة في هذا المجال في وسائل التواصل الاجتماعي بلا خجل ولا وجل! وتعاطي المخدرات من كل الأنواع والأصناف. بالإضافة إلى السُكر والسهر في البارات دون حساب للوقت. وكثير ممن لا يملكون المال من أجل الحصول على اللذة يمكنهم «تأجير» أجسادهم ليتمتعوا.

وفي هذا المجال تُستغل أكثر من مليوني طالبة جامعية أمريكية بحاجة لدفع ديون القروض الدراسية كصديقات girl friends من قبل طالبي اللذة والمتعة الجنسية من كبار السن الذين يُطلق عليهم sugar daddies ويطلق على تلك الطالبات sugar baby females. وهذا صحيح عن مئات آلاف النساء المتقدمات في السن اللائي يحصلن على المتعة الجنسية من الشباب باستغلال حاجتهم للمال لدفع الرسوم الدراسية نفسها ويُسمى هؤلاء الطلبة الشباب sugar baby males. الغريب أن يحصل هذا الاستغلال للشباب من الجنسين في الدول الأغنى في العالم، فبالإضافة لأمريكا يحصل هذا في فرنسا وبريطانيا، وهناك مواقع في الإنترنت للإعلان لتسجيل الشباب والفتيات الراغبين بمثل هذه الممارسات! وقد نرى هذه الإعلانات في بلادنا قريبًا إن لم تكن حصلت فعلًا بطريقة أو بأخرى، فالناس تريد المتعة فلم يعد البشر يؤمنون بالآخرة!

ولم يكن الأطفال بعيدين عن استدراجهم في استراتيجية تغييب العقول وتضليل التفكير، بل تشويهه عن طريق تحفيز الشهوة في نفوسهم في عمر قد لا يؤهلهم حتى للوعي باللذة جسديًّا ونفسيًّا، وذلك لعلم القائمين على تنشئتهم بأن الشهوة «تُعتم العقل»، كما قال توماس الأكويني. ولهذا بدأت يد السلطة الخفية باختراع ما يثير شهوة الأطفال في 240 من المدارس البريطانية، حيث أطلقت برنامج «كل شيء عني All About Me» وأدرجت ضمن هذا البرنامج دروسًا لتعليم الجنس للأطفال بين سنَّي السادسة والعاشرة.

وتشمل هذه الدروس للأطفال «الإثارة الذاتية»، أي لمس ودغدغة بعض أعضاء الجسم ومنها (الأعضاء الخاصة) مما يثير إحساسًا جميلًا، ويعلمون الأطفال أن هذا «في الحقيقة شيء طبيعي»، ولكن ليس أمام الآخرين، بل في الحمام أو في السرير! واعترض الآباء على هذه الدروس التي تعلم أطفالهم «العادة السرية» في هذه السن المبكرة، إلا أن الرسميين سيطبقون البرنامج دون اكتراث لآراء الآباء، زاعمين أن هذا البرنامج يبني الاحترام الذاتي ويمكِّن الأطفال من استكشاف هويتهم الشخصية.

وتطورت الأمور حتى أصبح طُلَّاب اللذة يحددونها ببعض المواصفات الغريبة والمذهلة. فهذه بعض الأمثلة أيضًا من بريطانيا ولكنها، كما أرى وأسمع وأقرأ وعلى مسؤوليتي، توجد في معظم البلاد بما فيها البلاد العربية. ففي أحد مواقع العلاقات الرومانسية تقول إحدى الفتيات اللندنيات ذات التسعة عشر ربيعًا أنها تود إقامة علاقة مع رجل متزوج عمره أكثر من 30 عامًا، والسبب أنها تجد لذة غامرة بخيانته لزوجته – لا أستطيع وصف نوعية وكيفية اللذة التي تطلبها في إعلانها في الموقع الرومانسي!

وفتاة أخرى من شمال غرب بريطانيا، شقراء ذات جمال أخَّاذ، وعائلة محترمة وعمرها ثمانية عشر عامًا تبحث عن رجل أسود قوي وجذَّاب جنسيًّا، وإن كانوا رجلين فذلك أفضل بكثير للقاء حميم! واضح أن طريقة اللذة التقليدية تلفظ أنفاسها الأخيرة. وأخرى تشترط من أجل علاقة حميمة أن يتقدم لإقامة العلاقة الجنسية معها رجال ببدلاتهم الرسمية كالشرطة والجنود والبحارة. وترفض رجال المرور وجنود الإنقاذ!

الفتيات السابقات لم يكنَّ إلا عيِّنة قد تمثل معظم فتيات الجيل، فالإنترنت جعلت من سبُل الحصول على اللذة وتنوعها أمرًا يسيرًا، كما أن المواصلات في المدينة الواحدة ليست بعائق، وحتى بين المدن في الدولة الواحدة، بل بين مدن القارة كما هو الحال في دول الاتحاد الأوروبي! تحوِّل الحب الرومانسي الراقي إلى لذَّة تؤمنها فانتازيا جنسية! طلبات وشروط المتعة والتلذُّذ مكتوبة (ومرة أخرى لا يمكن كتابتها هنا)، فلا يتقدم إلا من يلبيها!

لعبت الرأسمالية ومن هم وراء الكواليس دورًا تدميريًّا بحق لإلغاء الأنا العليا ممثلة التعقُّل والضمير Superego، كما ألغت حتى دور الأنا Ego وهي التي تمثل الوسطية المقبولة بين الطرفين الراديكاليين، وفوضت دوريهما للهو Id الذي يسير على مبدأ تجنب الألم والحصول على اللذة بأي ثمن! أطفالنا لم يعودوا يأبهون إلا بالـ«موبايل» أو «التاب» والألعاب التي يحتويها، وكثير ممن هم في سن المرحلة الإعدادية لا يعرفون عواصم بلادهم وحدودها، ولكنه شاطر في حصد النقاط في الألعاب الإلكترونية، وتبرير التأخر في الدراسة.

وهذا ما تنبأ به بعض العارفين وعلى رأسهم الفيلسوف الأمريكي المحافظ فرانسيس فوكوياما في كتابه الذي صدر في تسعينيات القرن الماضي تحت عنوان: «نهاية التاريخ والإنسان الأخير». حيث قال إن اقتصاد السوق السائد في أمريكا وأوروبا هو الذي سيسود وستكون نهاية التاريخ، أما الإنسان الأخير فهو: «إنسان بلا صدر». إنه إنسان ضعيف ويشبه الزومبي (الميت الحي)، إنسان مهووس بالشؤون المبتذلة ومشبعًا حاجاته المادية التافهة. إنسان بلا رؤية مهمة، ولا شيء من المروءة ولا روحانية. مصلحته الشخصية هي كل شيء بالنسبة له.

بالتأكيد ما يقصده فوكوياما باقتصاد السوق السائد هو الرأسمالية. وإني، كمراقب، أرى هذا الزومبي في الغالبية الساحقة من الناس، غربيين كانوا أم شرقيين ولسان حاله يقول: «خذوا الحرية والثقافة والتعليم، وبطريقكم خذوا الديمقراطية والانتخابات، خذوا كل شيء وافعلوا ما تشاؤون، فقط دعوني أتمتع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد