يميل البعض اليوم للاستسهال في إطلاق الأحكام، وعدم إخضاع القضايا الكبرى لمحاكمات عقلية رصينة؛ تتبيَّن الحقيقة من الكذب، والمبالغة من الواقع.

ولعلَّ أبرز ما يُدلِّل على ذلك؛ سَوقُ القوالب الجاهزة، والعبارات الشائعة، والاستدلال بها وكأنها أدلة قطعية غير قابلة للنقد أو النقض؛ ومما يزيد الأمر مرارةً وحسرة؛ توظيف تلك المقولات في سياق جلد الذات والنيل من الجذور، وبما يخدم أيديولوجيات معينة، أو في سياق بث اليأس وإضعاف جذوة الأمل في النفوس؛ أو لنقل ما تبقى منها.

يقال كثيرًا: (التاريخ يكتبه المنتصر)، وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل الأمر بهذه البساطة حقًا؟ هل يمكننا نفي ارتباطنا بجذورنا التاريخية بعبارة واحدة فقط، دون النظر المعمَّق في المسائل الحساسة المُشكِلَة؟

إن هذه المقولة معتوَرة في ذاتها، لا يمكن التسليم بها؛ فالتاريخ بطبعه كاشف الحقائق، إذ يكشف عن أسراره ولو بعد حين، والمنتصر الظالم حتى لو تمكن من سرد روايته، بل إقناع جمهور من الناس بها، فإنه أعجز من أن يواصل كذبه على مرِّ العصور والأزمنة؛ فكل ظالم إلى زوال، ومنتصر اليوم مهزوم الغد، وقد يتمكن المهزوم من تحقيق الانتصار وسرد روايته؛ فتتضح الصورة أكثر للأجيال اللاحقة، وتُستجلى الحقائق من خلال معارضة الروايات بعضها ببعض.

وقد يحدث أن يبقى المهزوم مهزومًا حتى لو هُزِمَ ظالمه واندثر، في هذه الحالة فإنه من المستحيل عدم تمكن المهزوم من إيجاد فسحة يسرد روايته من خلالها، ويعرض فيها أدلته وبراهينه، وعلى جميع الأحوال، فإن الحقيقة ستظهر عاجلًا أم آجلًا، ودليل ذلك ما تناهى إلينا من أخبار المظلومين، وجور الظالمين، وعدل العادلين، ونقاء الصالحين.

إن الباحث التاريخي لا بد وأن يكون حصيفًا فطنًا، قادرًا على قراءة السطور، والكشف عما أخفته في ثناياها؛ فالحرف في كتب التاريخ له قيمته، والإنسان بطبعه وفطرته وعقله قادر على تمييز الخير من الشر، والحق من الباطل.

أما في الحالة الإسلامية، فإن كل حدث يُعرَض على ميزان الشرع والدين؛ فما وافق الدين كان حقًا وعدلًا، وما خالفه كان باطلًا وجورًا، حتى لو كان هذا الجور جورَ المُقدَّمين من ذوي الفضل، فالخطأ سيظل خطأً، والباطل سيبقى باطلًا.

إن نظام محاكمة دقيق كالذي تتوفَّر عليه الأمة الإسلامية، لهو الأقدر على عرض الحقائق كما هي دون زيادة أو نقصان، فلا مكان لدينا لرواية رواها منتصر ظالم، والعلماء كانوا ولا يزالون الضامنين لهذه المكاشفة، ولطالما امتُحِنَ العلماء على مرِّ التاريخ بسبب مواقفهم وثباتهم على الحق، وصدعهم به في وجه الحكام المنتصرين الظالمين وهم في أوج قوَّتهم، والأدلة عديدة لا حصر لها؛ فعلماء الدين لدينا لهم الصدارة، والأُمَّة من ورائهم تبع.

إن الاستسهال في إلقاء الأحكام يلقي بظلالٍ سلبية على المجتمعات الإسلامية، فعزل الأمة عن جذورها، ونماذجها الصالحة، يسهم في بث اليأس والإحباط بين أبنائها، وبهذا نظلم أنفسنا أولًا، ونتيه في غياهب النسيان ثانيًا، فالإنسان دون قدوة كالساري ليلًا دون نور يهتدي به، والخيرية كانت ولا تزال وستبقى أصلَ المسلمين، وجوهرهم.

لقد بلغ الأمر بالبعض مبلغه، فطفقوا يستدلون باستدلالات هي أبعد ما تكون عن الواقع، وأخذوا يعقدون المقارنات البائسة بين الماضي والحاضر، ضاربين بالحقيقة عرض الحائط؛ ولتذهب الحقيقة إلى حيث ألقت؛ طالما هناك فرض لأفكار أُحادية معينة، تتستر بلباس العقلانية، ولكنها أبعد ما تكون عن أي مظهر من مظاهرها، فضلًا عن كونها تخلو من أي منهجية علمية محترمة، ومع أن الردود جاهزة ومعروفة، بل ومتسقة مع السياقات التاريخية المختلفة، إلا أن أبناء الأمة بدأوا يفقدون ثقتهم بما لديهم من تراث عظيم، ولذلك أسباب كثيرة وعديدة، منها أن هذا حال المغلوب دائمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد