من النادر أن تجد مصريًا لا يشجع الأهلي أو الزمالك، ومن الأندر أن تجد أحدهم لا يشجع بتعصب عنيف، بعض المتابعين لحالة المجتمع المصري يرون أن التعصب الأعمى والشقاق بين الجماهير هو لعبة من الحكومات والدولة من أجل إلهاء الناس في أمر تافه وشغلهم عن أمور السياسة وغيرها.

ففي الكرة يخرج الناس كبتهم وغضبهم بلا خوف من رقيب أو غيره، ويصبح التشجيع مباحًا بكل أنواعه، وما لا يقدر عليه المواطن البسيط في السياسة من التعبير عن رأيه أو إبداء احتجاجه، تكفل له لعبة الكرة ذلك الحق.

لكن الغريب الذي لا يعلمه كثيرون أن قصة الصراع بين الأحمر والأبيض لم تبدأ منذ تأسيس النادي الأهلي 1907م، ومن بعده نادي الزمالك، لكن القصة تحديدًا بدأت منذ الفتح العثماني لمصر في العام  1517م.

الجذور التاريخية:

بعد زوال حكم المماليك وانقضاء دولتهم في مصر على يد العثمانيين، هلك معظم المماليك أثناء الفتح العثماني، خاصة كبار الأمراء وأصحاب النفوذ، حتى لم يبق منهم غير الصغار وضعاف الشأن، وذات يوم جلس السلطان سليم الأول فاتح مصر مع خاصته ووزرائه وأخذوا يتذكرون  سيرة المماليك وعهدهم، فقال السلطان :هل بقي أحد من الجراكسة نراه؟

فقال أحد رجاله: لم يبق غير أحد أمرائهم وهو كبير طاعن في السن اسمه سودون وقد اعتزل السياسة والقتال منذ زمن بعيد،  وله ولدان فارسان اعتزلا معه أيضًا.

أعجب السطان بذلك المملوك وبفعله وطلب رؤيته على الفور طالبًا أن يذهب هو بنفسه ليتحقق من تلك الأخبار، انطلق السلطان ومن معه حتى وصلوا بيت سودون فوجده قد جلس في  بيته وبين يديه المصحف وهو يقرأ القرآن، والخدم والمماليك واقفون بين يديه، فلما عرف بأن الزائر هو السلطان قام إليه وسلم عليه ووقف بين يد السلطان، فسأله عن عزلته وعدم مخالطة الناس فأجابه سودون أنه لما رأى في دولة المماليك اختلال الأمور وترادف الظلم والجور وأن السلطان مستقل برأيه فلم يصغ إلى وزير ولا عاقل مشير، وأقصى كبار دولته وقتل أكثرهم، بما أمكنه من حيلته، وقلد مماليكه الصغار مناصب الأمراء الكبار، فسعوا بالفساد وظلموا العباد وتعدوا على الرعية، فانحرفت عنه القلوب، فعلمت أن أمره في أدبار ولابد لدولته من الدمار، فاعتزلت الناس ولم أشارك في القتال، ومنعت ولداي عن مباشرة القتال خوفـًا عليهما، لما أعلمه فيهما من الإقدام، فيصيبهما كغيرهما من البلاء العام.

فأعجب السلطان بكلامه، ورجاحة عقله وحكمته ثم طلب منه رؤية ولديه  قاسم وذي الفقار، فإذا هما برجاحة عقل والدهما وفطنته، فضلاً عن فروسية وقوة لا تخفى على الناظر، فأعجب بهما السلطان وانصرف وقد أضمر في نفسه شيئًا.

فرق تسد

كان السلطان العثماني متخوفـًا من اجتماع كلمة المماليك مرة أخرى في مصر بعد رحيله وعودته إلى أسطنبول، إذ ربما يستقلون بمصر عن حكمه ويعاودون الصراع من جديد، لذا وضع تلك الخطة المحكمة حتى لا تقوم للماليك قائمة.

في اليوم التالي أمر السلطان العسكر وكبار الناس أن يجتمعوا بمكان فسيح ثم أمر الأخوين قاسم وذا الفقار أن يتباريا في القتال، وكانت هذه عادة تحدث في المناسبات والأعياد حيث يقوم بعض الفرسان بالمبارزة والقتال بدون أن يقتل أحدهما الآخر، ويحضر الناس لمشاهدة تلك المباريات، كان القتال بين الأخوين رائعًا وقد أبرز كل منهما فروسيته وشجاعته، وقد انبهر الحضور بذلك القتال، وفي اليوم التالي أمر السلطان الناس بالاجتماع في المكان نفسه لكن هذه المرة قسم المماليك والجند إلى فريقين، وجعل على كل فريق أحد الأخوين وأمر كل فريق بأن يتميز عن الآخر بلون الملابس والجياد، فتميز الفقارية نسبة إلى ذي الفقار باللون الأبيض.

وتميزت القاسمية نسبة إلى قاسم باللون الأحمر، واصطف الفريقان في الساحة منتظرين أوامر السلطان فأمر كل فريق منهم أن يظهر شجاعته ومهارته فتباروا في ضرب الرماح وسباق الخيل والمبارزة، وأخذ الناس يشجعون كل فريق، ثم أمر السلطان الفريقين بالهجوم على بعضهم فهجم الفريقان واشتبكا حتى أوشك القتل أن يصير بينهما فأوقفهما السلطان بإشارة منه، ثم أخذ يعيد تلك اللعبة كل يوم حتى اشتهر أمر تلك اللعبة، وأصبح لكل فريق مشجعوه يحضرون لمشاهدة اللعبة وتشجيع فريقهم، وانقسم الجند فيها فريقين واستمر كل منهم على محبة اللون الذي ظهر فيه وكره اللون الآخر حتى أواني المتناولات والمأكولات والمشروبات، كان كل فريق لا يأكل إلا في أطباق تشبه لونه ولا يرتدي في الملابس إلا لونه.

الهوس والجنون

ولم يتوقف الأمر عند الجند والسادة بل تعدى إلى العبيد والخدم وعوام الناس، فأصبح كل واحد منهم يشجع أحد الفريقين ويعادي الآخر، وبمرور الوقت  تزايدت حدة الأمر حتى أصبح كالوباء وأصبح الناس يعايرون الفريق الخاسر ويعايرون مشجعيه فكانت تنشب المشاجرات الرهيبة التي تزهق فيها الأرواح وتحرق فيها البيوت بسبب تلك اللعبة، حتى قال الجبرتي واصفـًا الأثر السيئ لتلك اللعبة “فكم خربت بلاد وقتلت أمجاد وهدمت دور وأحرقت قصور وسبيت أحرار وقهرت أخيار”.

لكن الأمور تطورت أكثر من ذلك فأصبح بين الفريقين نزاع وقتال وكل منهما يطلب الحكم والسيطرة على مصر، وكانت بينهم الحروب الطويلة وحيكت المؤمرات والدسائس وسعى كل فريق للتخلص من الآخر، حتى ضعفت قوة الجند واختلت كلمتهم وكانت تلك الفرقة سببًا كبيرًا في هزيمة المماليك أمام الفرنسيين أثناء حملة نابليون على مصر، ومن ثم زوال المماليك.

القصة التي ذكرتها في المقالة وردت في كتاب عجائب الآثار في تراجم الأخبار، لعبد الرحمن الجبرتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)