(1)

دأب حاكم مصر العسكري، الفريق أول عبد الفتاح السيسي -وهي آخر رتبة شرعية حصل عليها- على تقديم روايات جديدة لأحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) وما بعدها، فبالإضافة للتشويه الذي يقوم به إعلامه ليل نهار لثورة يناير، وتخوين رموزها، وتجهيل من شاركوا فيها، وتسفيه أهدافها، وتقبيح مآلاتها، فإنه ينزل بنفسه إلى الساحة مع كل خطاب تقريبًا لينحر -بدأب وصبر- في تاريخ الثورة مرة وراء مرة، تارة مهاجمًا الثوار وتارة مبرئًا قاتليهم.

(2)

ومن هيبة هذه الثورة ومكانتها في نفوس عشرات الملايين من أبناء هذا الشعب أن أعداءها لم يستطيعوا حذفها من التاريخ، أو تزوير تاريخها دفعة واحدة، بل اضطروا -رغم سيطرتهم على السلطة إثر انقلاب 3 يوليو (تموز) 2013- أن يضعوا في دستورهم تمجيد ثورة يناير في دباجته الافتتاحية، وهم في ذلك كذبة خونة -مثل التعبير الذي يستخدمه المؤرخ الإسلامي العظيم ابن كثير في وصف مزوري التاريخ- إلا أن ثورة يناير ومكانتها التي ما زالت مترسخة في نفوس الكثير من الشعب المصري قد دفعتهم لهذا النفاق، على أساس أن يبدؤوا مرة وراء مرة وخطبة وراء خطبة في تقويض تاريخ ثورة يناير وتحطيمه في النفوس، ثم ما أسهل بعدها حذفها من دباجة الدستور في أي تعديل قادم، وما أكثر وأيسر التعديلات القادمة!

(3)

وعندما اندلعت ثورة يناير ونزل الثوار إلى الشارع، كانت الجهات التي تستهدفهم واضحة، فكل شيء كان مسجلًا بالصورة والصوت وقتها أمام عدسات الفضائيات التي تبثها للملايين، وكان شهود العيان المباشرون على الأرض يبلغون عشرات الآلاف، لذلك كانت فرصة التزوير المباشر شبه منعدمة في تلك الفترة، وإذا حدثت تكون مضحكة، مثل تصريح التليفزيون المصري أن الثوار في التحرير يبلغون حوالي 3 آلاف، كان ذلك يوم المليونية الأولى في 1 فبراير (شباط) 2011، كان التزوير صعبًا، لذلك عندما بدأت الشرطة تستخدم الخرطوش كان اتجاه إطلاق النار واضحًا من عناصر الشرطة على المتظاهرين، ويوم جمعة الغضب حين تقدم البعض في اتجاه وزارة الداخلية فبدأ القناصة يقتلونهم، وكان مكانهم واضحًا فوق سطح وزارة الداخلية، وعندما فتحت السجون بطريقة تآمرية لإخراج المساجين لإحداث فوضى عارمة في ربوع مصر؛ لإعادة من في الميدان إلى بيوتهم لحراستها كان معروفًا تمامًأ أنها بأوامر الداخلية وتنفيذها وإشرافها، ومن غيرها يستطيع فتح السجون؟! ومن يملك الفتح إلا من معه المفتاح؟! وعندما رفض اللواء بطران مسايرة هذه المؤامرة قتلوه فورًا، وعرف الشعب الصري في يومها من فعل ذلك، وأكدته عائلته في وقتها.

(4)

كانت الأمور ثابتة بشهادة المئات من شهود العيان، وبوجود عشرات التسجيلات بالصوت والصورة، لذلك ما لبث المجلس العسكري أن اضطر للقبض على كافة قادة الأجهزة الشرطية المتهمة مثل جهاز أمن الدولة، والأمن المركزي، ومدير أمن القاهرة، وغيرهم، بالإضافة إلى حبيب العادلي نفسه الذي كان تحت التحفظ حتى قبل تنحي مبارك، كذلك ألقي القبض على جميع الكبار الفاسدين من رجالات عصر مبارك، مثل زكريا عزمي، وفتحي سرور، وصفوت الشريف، وأحمد نظيف، وغيرهم، ثم سيق مبارك نفسه للمحاكمة بعد تردد كبير.

(5)

وعندما كان عصب الثورة قويًّا لم يجرؤ أحد على تقديم رواية مخالفة في البداية، ومع بدء التشققات في جبهة الثوار، بدأت الروايات التزويرية تسوق ببطء وخبث شديدين، وبطريق غير مباشرة، فبدأ يستخدم مصطلح «الطرف الثالث» باعتباره قوة خفية كانت تدخل إلى ميدان الأحداث لا تنتمي إلى الطرف الأول وهم الثوار ولا إلى الطرف الثاني وهي الأجهزة الأمنية، وبدأ ينسب إلى الطرف الثالث قتل الطرف الأول لإيقاع فتنة وإدانة الطرف الثاني! وكان أول استخدام جدي لهذا المصطلح في أحداث ماسبيرو يومي 9 و10 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، حين بدأت الاتهامات توجه «للطرف الثالث» المجهول رغم أن التسجيلات تظهر بوضوح قيام المدرعات بدهس المتظاهرين، وأن الرصاص الحي يطلق عليهم، وبدأ الإعلام الحكومي يسوق للناس أنها كانت مدرعة واحدة وسرقت، وأن الطرف الثالث هو الذي يطلق الرصاص، وللأسف صدقنا جميعًا؛ لأننا كنا نريد أن نصدق، ولم نكن مهيئين لكي نصدق أن قوات عسكرية يمكن أن تشارك في قتل الثوار.

(6)

ومع الهجوم الإعلامي على الإخوان في فترة عهد الرئيس مرسي، بدأ يقال إن الطرف الثالث هم الإخوان أنفسهم أو مناصروهم مثل حماس، وظهرت نظرية تقول إن الذي فتح سجون مصر في وقت واحد هي عناصر من حماس تقدر بـ800 فرد عبرت عبر الأفاق إلى سيناء ومنها إلى مصر، ثم توجهت إلى السجون المختلفة ففتحتها! بل زادوا في ذلك فقالوا إن الطرف الثالث الذي قتل المتظاهرين في جمعة الغضب وما بعدها هم الإخوان أو حماس أيضًا (رغم أن كثيرًا من الثوار الذين ماتوا في تلك أليام كانوا من الإخوان).

(7)

ويعتمد الإعلام الموالي في هذا على شيوع الجهل والهوى عند كثير من المتلقين، مما يجعلهم على استعداد قلبي -لا عقلي- لتلقي أي أكاذيب، والاقتناع بها، وإعادة نشرها؛ أملًا أن تنجح يومًا في فرض ذاتها بالتكرار لتصبح حقائق راسخة، عملًا بالمثل الشعبي «الزن على الودان أمر من السحر»، ومقولة جوبلز وزير الدعاية النازي الخالدة «اكذب واكذب، واستمر في الكذب، وسيأتي يوم يصدقك فيه الناس».

(8)

وفي خطابه الأخير توسع الفريق أول عبد الفتاح السيسي في موضوع إعادة كتابة تاريخ الثورة، ليبرئ الأجهزة الأمنية من كافة الجرائم الكبرى، وكان مما يقال:

في أحداث محمد محمود كان المطلوب إسقاط المجلس العسكري، وكان المطلوب إسقاط الدولة.

لذلك أرادوا افتعال مقتلة حتى نظهر بصورة المعتدين، وهي الحالة المطلوبة لإسقاط الدولة.

وأنا كنت المسؤول عن كافة الأجهزة الأمنية، وكنا حريصين على ألا يسقط مصري واحد.

ولكن دخلت عناصر تسببت في القتل، ولم نقتل أحدًا.

وطلبنا منذ البداية من الفرق الهندسية العسكرية وضع كتل خرسانية لإغلاق الشارع، ولما تم ذلك بعد ستة أيام توقف كل شيء.

لكنهم أرادوا أن يقدمونا باعتبارنا قتلة، كما فعلوا ذلك في أحداث ماسبيرو! وفي أحداث بورسعيد! وكما فعلوا مع الشرطة في أحداث يناير 2011!

وهكذا وفي تقدم كاسح أخير يسحب السيسي نظرية «الطرف الثالث» لتسري على جميع جرائم الأجهزة الأمنية في تلك الفترة، للتوافق مع مهرجان «البراءة للجميع» الذي حصل بموجبه جميع المسؤولين عن تلك الجرائم على براءات قضائية، وقال بالنص: «أستطيع أن أقول (بجلاء) (بصدق) (بأمانة) (بشرف) إننا لم نمس مصريًّا واحدًا بسوء خلال هذه الفترة»!

(9)

وفي النهاية يطلب السيسي من الآباء والأمهات أن يلقنوا هذا الكلام لأبنائهم، وأن يقوموا الأبناء إن قالوا أو سمعوا بغير ذلك، وأن يقولوا لهم: «من فضلكم.. ما تضيعوش البلد»!

(10)

ومن سوء حظ السيسي ومن حسن حظ مصر -في هذا الموضوع المتعلق بكتابة تاريخها بالتالي لمسار مستقبلها- أن تسجيلات الصوت والصورة ما زال أغلبها موجودًا إلى الآن وشاهدًا على ما حدث في جميع هذه الأحداث أو أغلبها، وبالطبع لن تكفي مقالة واحدة للإحاطة الكاملة بكل هذا، لكن تعال نستعرض معًا يا سيسي تلك الأحداث، ونعرض مقولاتك عليها:

1- يقول: في أحداث محمد محمود كان المطلوب إسقاط المجلس العسكري، وكان المطلوب إسقاط الدولة، لذلك أرادوا افتعال مقتلة حتى نظهر بصورة المعتدين، وهي الحالة المطلوبة لإسقاط الدولة، وأنا كنت المسؤول عن كافة الأجهزة الأمنية، وكنا حريصين على ألا يسقط مصري واحد، ولكن دخلت عناصر تسببت في القتل، ولم نقتل أحدًا.

غير صحيح يا سيسي، كان المطلوب إدانة الاعتداءات الأمنية على المتظاهرين، ورفض محاولات المجلس العسكري تأجيل تسليم السلطة إلى 2013، وفي النهاية رضخ المجلس العسكري لإعادة تأكيد موعد 30 يونيو (حزيران) 2012، وهو ما قبله الجميع؛ مما يدل على عدم صحة ادعائك.

قتل أكثر من 40 مواطنًا بالغاز الذي يطلق من داخل صفوف الشرطة، فهل دخلت تلك العناصر الموهومة إلى داخل صفوف الشرطة، ثم أطلقت الغاز، والبعض قتل بالرصاص الحي معلوم المصدر، فهل دخلت تلك العناصر وخالطت الشرطة بلباسها وأطلقت النار في حراستهم دون أن يعلموا؟! ومشاهد جنودك وهم يلقون الجثث على القمامة، هل كانوا أيضًا طرفًا ثالثًا بلباس الشرطة، وصور عشرات الجنود وهم يتجمعون حول من يسقط في أيديهم من الثوار، فيشبعونه ضربًا وركلًا حتى مات بعضهم من ذلك، هل كان عشرات ومئات الجنود هؤلاء من حماس في لباس الشرطة؟!

2- ويقول: طلبنا منذ البداية من الفرق الهندسية العسكرية وضع كتل خرسانية لإغلاق الشارع، ولما تم ذلك بعد ستة أيام توقف كل شيء.

– احتاجت الفرق الهندسة ستة أيام لتضع الكتل الحجرية لتسد شارعًا عرضه عدة أمتار! يا «راجل»؟! الفرق الهندسية للقوات المسلحة التي فتحت ثغرات خط بارليف، ثم مدت الجسور المعدنية لتمر عليها فرق الدبابات في حرب أكتوبر، واحتاجت وقتها عام 1973 لست ساعات، تحتاج في القرن الواحد والعشرين وفي قلب القاهرة لستة أيام لوضع كتل حجرية تسد مدخل شارع! ألهذه الدرجة وصل الاستخفاف بالعقول؟!

3- يقول: لكنهم أرادوا أن يقدمونا باعتبارنا قتلة، كما فعلوا ذلك في أحداث ماسبيرو! وفي أحداث بورسعيد! وكما فعلوا مع الشرطة في أحداث يناير 2011!

نعم يا سيسي، كنتم قتلة في أحداث ماسبيرو، ومسجل عليكم بالصوت والصورة.

نعم يا سيسي، كنتم قتلة في أحداث سجن بورسعيد، ومسجل عليكم بالصوت والصورة.

https://www.youtube.com/watch?v=90W3bCcQ7IE

نعم يا سيسي، كنتم قتلة في مجلس الوزراء، ومسجل عليكم بالصوت والصورة.

نعم يا سيسي، كانت الشرطة قتلة في أحداث ثورة يناير، ومسجل عليكم بالصوت والصورة.

وعشرات الفيديوهات غيرها فضلًا عن شهادات آلاف من شهود العيان ما زالوا أحياءً، وسيظل آلاف منهم أحياءً إن شاء الله يوم يأتي يوم محاكمتك، فلم يقدمكم أحد كقتلة إلا عملكم، فأنتم قتلة، وها أنت تعترف -والأعتراف سيد الأدلة- أنك كنت المسؤول الأمني عن أحداث محمد محمود، فها هي تنضم هي الأخرى إلى سجل جرائمك الشخصية، لتصطف إلى جوار مذابح «الحرس الجمهوري» و«المنصة» و«رابعة» و«النهضة» و«رمسيس» و«مذبحة 6 أكتوبر 2013» و«مذبحة 25 يناير 2014»، ومذابح سيناء، والتصفيات العشوائية، وجميع الانتهاكات التي تؤول مسؤوليتها إليك مباشرة، هذا ما سنقوله ونكتبه في كل مكان، وهذا ما سنعلمه لأولادنا وأحفادنا، فاطمئن يا جنرال، التاريخ محفوظ مهما حاولت، والله من ورائكم محيط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد