إن الحديث عن كتاب كارن أرمسترونغ «تاريخ الإله» هو شيء صعب للغاية؛ فكيف لي أن أبدأ الحديث عنه ومن أين لي أن أبدأ؟ فلا أجد الكلمات المناسبة حتى لمحاولة التعبير عنه وعن المجهود المبذول به وسنين البحث الطوال التي استغرقتها كارن للخروج بهذا الكتاب للنور. فهي تأخذ القارئ في رحلة عبر تاريخ الأديان في العديد من المجتمعات لتخبرنا أننا جميعًا، مهما كان اختلاف أصولنا، نعبد نفس الإله على اختلاف صوره وأسمائه. فنحن لا يمكننا أن نضع تصورًا واحدًا للإله إذ تعجز الكلمات عن وصف ما لا تدركه عقولنا. ولذلك فإن كارن توصي بالصمت بقوة، وذلك بعد أن كتبت ما لا يقل عن 15 كتابًا حول هذا الموضوع. فكلمات مثل «الله» يجب أن يُنظر إليها على أنها رموز، وليست أسماء، ولكن أي كلمة تحاول وصف الإله هي قاصرة عن وصف ما ترمز إليه، وسوف تكون دائمًا غير كافية، أو متناقضة، أو مجازية. فهي تقول: «لا توجد فكرة مبسطة عن الإله. فالإله الواحد ليس كأنفسنا؛ يمكننا معرفته وفهمه». فنحن لا يمكننا إدراك الله من خلال التصنيفات البشرية والتعريفات المستهلكة.

إن الله ليس كالبشر. وبالتالي لا يمكننا أن نفكر به كائنًا مثلنا، فهو ليس بإنسان عملاق أو عظيم مثلًا، وهو لا يتطابق مع مفاهيمنا الأرضية. فهو ليس كمثله شيء، ولا يمكننا أن ندركه بعقلانيتنا. فإن إدراكه يتطلب قدرًا معينًا من الخيال، والمنطق، والشجاعة لنتجاوز الصورة العادية المأخوذة عن الله، ولنتوصل إلى مرحلة الإقرار بأنه خارج مفهومنا، وأن علينا أن نحيا دون أن نتوصل إلى ماهية الإله، ولكن علينا أن نحيا لنعرف ما نحن عليه، وكيف لنا أن نكون بشر أفضل من خلال الرحمة والتسامح. يجب علينا أن نتعامل مع ماهية الإله كما نتعامل مع الفن أو الموسيقى؛ أي بشكل شخصي ومن خلال الخيال. تقول كارن: «لا يمكن أن يكون الله موضوع الفكر الخطابي؛ لأن أدمغتنا لا تستطيع التعامل معه بالطريقة التي تتعامل بها مع كل شيء آخر».

وعبر فصول الكتاب الأحد عشر، تقوم كارن بتتبع تطور الديانات اليهودية، والمسيحية، والإسلام منذ بدايتها وحتى يومنا هذا، وتبين كيف تم إنشاؤها وتشكيلها في محيطها التاريخي. كما أنها تدرس تطور فكرة الإله عند الإغريق، وحتى قدوم المسيحية، مرورًا بعصر التنوير وانتشار الإلحاد، وكيفية تناول العديد من الفلاسفة والمثقفين لفكرة الإله. كما أنها تقارن تناول الفكر الديني في العصور المتقدمة بين أوروبا والشرق، وكيف أن الشرق انغلق على نفسه، ورفض أن يطور من الدين ومن أفكاره.

وربما أن الفصل الأكثر إثارة للاهتمام في الكتاب هو فصل التصوف. فهو المسار الذي غالبًا ما يختاره المعتقدون بأن التخيل هو القدرة الدينية الرئيسية؛ وذلك لأن الإله هو أبعد من فهم العقل، والبحث عنه يتطلب ما هو أكثر من مجرد دليل منطقي. فاليهود الكباليون يسعون إلى فهم حدسي عن الله من خلال الرموز والقصص. ويستخدم المسيحيون الأرثوذكس الأيقونات للتأمل في الإله الخفي. والصوفية الإسلامية ترغب في الاتحاد مع الله من خلال تغيير حالات الوعي. فمن خلال التقاليد الصوفية بالأخص يمكننا جميعًا أن نلتف حول نفس الإله؛ لأن المعرفة الباطنية للإله لا تعطي أي فرصة للانقسامات أوالحجج المنطقية.

وواحدة من الأفكار الرئيسية في كتاب «تاريخ الإله» هي فكرة الإله الشخصي، والإله المطلق. فالإله الشخصي هو الإله الذي ينطبع عليه صورة أتباعه، فيظنون أنه شخص مثلهم يشارك بنشاط في حياتهم، وبالتالي فهو يخضع للآراء الشخصية لأتباعه. فالإله الشخصي يمكن أن يكون اشتراكيًّا، أو متطرفًا، أو عنصريًّا، أو أي شيء آخر وفقًا لآراء أتباعه ومواقفهم. ومن ناحية أخرى، فالإله المطلق، كبراهمن في البوذية، هو إله خارج حدود «الخير» و «الشر» كما يعرفهما العقل البشري، فهو إله خارج حدود العقل، لا يمكن لبشر أن يدركه بالمفاهيم البشرية. وتقول كارن إن هناك فرقًا «كبيرًا بين الصور المحدودة لله التي خلقها الرجال والنساء وقداسة الله نفسه». فمهما حاول البشر أن يخلقوا علاقة ما بينهم وبين ربهم، فهي علاقة محدودة ومشروطة بأفكارهم عن الإله، وعن علاقاتهم ببني البشر؛ ولكنها في الحقيقة يجب أن تختلف عن أي علاقة بشرية، فنحن نتحدث عما هو ليس كمثله شيء.

إن الرجل العادي أو المرأة في الكنيسة أو على سجادة الصلاة يفكرون في الله، وكأنه نسخة كبيرة من أنفسهم ممزوج مع قوى غامضة ومزاج سيئ فسيغضب منهم لأي سبب؛ ولهذا يجب أن يستغفروا دائمًا ويعترفوا لكاهنهم. وبالنسبة لكارن أرمسترونغ فهذا هو مربط الفرس، فإذا ظلوا يفكرون في الرب بهذا الشكل، مهما كانت ديانتهم، فهم ليسوا متدينين حقًّا. فيجب علينا أن ننظر إلى الإله بشكل يختلف عن أنه «الأخ الأكبر» في السماء، والمفهوم البشري للإله كمشرع وحاكم، وصورته الموحشة كطاغية غاضبة. فتلك الصور هي ما تنفر البشر من الإله؛ لأنهم لم يعودوا يبحثون عن «دين يركز على الخارج»، لكنهم يريدون اكتشاف المعنى الداخلي لطقوس دينهم، المعنى الداخلي لوجودهم. فهم يريدون التركيز أكثر على الداخل لإيقاظ روحهم التي طحنتها أسنان الحياة السريعة التي نعيش فيها. فنحن نسعى «إلى معرفة الحقيقة الداخلية».

إن التوصل لله يجب أن يتم عبر تجربة ذاتية؛ إذ سيصل كل شخص بطريقة مختلفة إلى الإله. فمعرفة الله هي تجربة شخصية؛ ولهذا فكل واحد من الباحثين عن الحقيقة يتلقى التنوير الإلهي بشكل مختلف. ولا يمكن تفسير هذه التجربة بشكل عقلاني أو التعبير عنها بكلمات. فهي كقطعة من الموسيقى أو كقصيدة تؤثر في الروح دون أن ندركها كليةً. فالتجربة الدينية هي أبعد من المنطقية البحتة، فهي تجربة غامضة لا يمكن أن تفسرها اللغة لأنها تعجز أن تفسر ما هو أبعد من المفاهيم العقلية. ولذلك، فعلينا أن نتخلى عن الأنا، وعن الغرور اللغوي للوصول إلى حالة أعلى، ومن ثم الوصول إلى الواقع الأعلى أو كما تسميه كارن أرمسترونغ «الحقيقة الأكمل».

وبنهاية كتابها، تقول كارن أرمسترونغ إن أفضل حل للوصول إلى الإله هو من خلال التصوف. فوفقًا للصوفيين، علينا أن نعمل بجد للوصول إلى الله والوصول إلى حالة الكشف. فإنه من الصعب جدًا على البشرية أن تصل إلى هذا الواقع الروحاني في مثل هذا العالم الذي يهيمن عليه طلبيات الطعام السريع، والاتصالات الفورية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فبضغطة زر يمكنك التواصل مع من تحب، وتنفيذ كل طلباتك، ولكن التواصل مع الله يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك وما هو أعقد منه؛ فهو يتطلب الهدوء والصبر والتأمل، ولذلك لقد فقدنا العاطفة والصبر لتلقي الله والاستماع إليه. فنحن لا يمكننا التواصل مع الله بمثل هذه السرعة التي تقدمها لنا التكنولوجيا. إن الله هو حقيقة علينا أن ننظر بعمق داخل أنفسنا للعثور عليها من خلال تجربة ذاتية دفينة بعيدًا عن إملاءات البشر وتحكماتهم في الأديان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد