تاريخ اللغة العبرية
يصنف علماء اللغة لغات البشر إلى عدد من العائلات اللغوية، والتي تتشابه فيما بينها إلى درجة يمكننا بموجبها الافتراض أن لغاتها قد تطورت من لغة واحدة كانت مستخدمة في الحديث في الماضي البعيد. ويمكن حصر عدد اللغات الحاضرة والماضية فيما يقارب 4 آلاف لغة، ويزيد عدد العائلات اللغوية على 100 عائلة.
تنتمي العبرية إلى العائلة الحامية السامية وحسب معجم الحضارات السامية، فالساميون هم الشعوب التي يجمع بينهم العامل اللغوي وتتكلم لغة سامية، وقد أطلق العهد القديم هذه التسمية على الشعوب المنحدرة من ذرية سام بن نوح. وتنتمي اللغات السامية إلى اللغات المعربة وتشكل مجموعات مترابطة.
العبرانيون شعب سامي ينسبه كتاب العهد القديم إلى «عابر» أحد أحفاد سام بن نوح. أطلقت التسمية على ذرية ابراهيم بصورة خاصة. ويعرفون بـ«بني إسرائيل» نسبة إلى يعقوب إسرائيل الذي ترأس أبناؤه أسباط إسرائيل الاثني عشر. كما أطلق عليهم اسم «اليهود» وذلك نسبة إلى اليهودية أو إلى أرض يهوذا. كانت مراجع تاريخ العبرانيين تقصر حتى منتصف القرن 19م على كتاب العهد القديم إلا أن بعض المعلومات الإضافية بدأت تتوفر مما يساعد على توضيح الوضع التاريخي العام لهذا الشعب.
منشأ العبرانيين لا يزال موضوع جدل ويكتنفه بعض الغموض. ويرى بعض المؤرخين أن كلمة عبري مشتقة لغويًّا من جذر «عبر» ويكون العبرانيون بذلك شعبًا عبر حدًا معينًا قد يكون جبلا ونهرا. وان صح هذا الرأي، فإن الحاجز الذي جرى عبوره لا يمكن تحديده. ويحتمل أن يكون نهر الفرات أو الأردن او أي نهر أو جبل أو حاجز طبيعي. وحسب رسائل تل العمارنة فأصل الكلمة هو «خابيرو» وهي كتيبة عرفت بارتكاب جرائم في أرض كنعان خلال القرنين 15و 14ق.م وهي تسمية محرفة لكلمة «عوفريم» أي العابرين أو الجوالين الأغراب. وتطور اسم خابيرو إلى اسم العبريين يتفق مع قواعد علم الأصوات العبرية.
ويمكن احتمال أن يكون مدلول هذا الاسم هو الجائلين أو العابرين غير مستحب لدى العبريين الذي بدأوا في النظر إلى أنفسهم باعتبارهم من سكان البلاد التي منحت لهم ولنسلهم وبناء على ذلك بدأوا يفسرون هذا الاسم على أن مدلوله هو «بني عابر» أو «عبر النهر حيث أقام آباؤهم» ( يوشع24، 2) والمقصود نهر الأردن، ولم يرد اسم اللغة العبرية في العهد القديم، لذلك فإن أكثر الاصطلاحات شيوعًا في التلمود وفي الأدب الرباني بشكل عام بالنسبة للغة العبرية هو اصطلاح « اللغة المقدسة». وبمرور الزمن بدأ استخدام هذه التسمية بالنسبة للغة الصلوات وسائر أمور الدين والعبادة ليصبح اسم اللغة العبرية هو الاسم الشائع في الاستعمال سواء بالنسبة للغة الأدب أو الحديث اليومي.
وتدخل العبرية في الفرع الكنعاني، وهي من اللغات السامية الشمالية، إلى جانب اللغات الفينيقية والمؤابية وكذلك الأوغارتية. كانت هذه اللغة تعرف لدى مؤلفي كتاب العهد القديم باسم «لسان كنعان» أو «لغة اليهود» وقد أطلق عليها اسم اللغة العبرية في القرن 2م في كتاب المشنا. واللغة ليست إلا تطورا للغة سكان بلاد كنعان الأصليين قبل مجيء اليهود إلى هذه المنطقة، والتارحيين (نسبة الى تارح والد ابراهيم عليه السلام) القادمين من حران.
وقد أهملوا لغتهم الأصلية وتبنوا اللغة الكنعانية نظرا لتفوق الكنعانيين الحضاري والقرابة الشديدة بين اللهجتين الآرامية والكنعانية. وقد مرت اللغة العبرانية بعدة مراحل في العصور السامية القديمة قبل أن تتخذ صورتها الحديثة. تتمثل في عبرية كتاب العهد القديم الممتدة من القرن  10 إلى 2ق.م حيث كانت لغة بسيطة تتألف من حوالي 5500. وبأبجدية مثيلة بالفينيقية تتألف من 22 حرفًا من الصوامت. وظل شكلها المستمد من أبجدية بيبلوس القديمة قائمًا حتى ق1ق.م، وتسمى الأبجدية العبرية الفينيقية أو العبرية القديمة.
واستبدلت هذه الأبجدية من ثم بالأحرف المربعة الشكل المستمدة من الآرامية ولم يجر تدوين الصوائت إلا في زمن متأخر في ق6-7م، في المرحلة اللاحقة للسبي البابلي. ازداد انتشار الآرامية في الجليل التي امتدت إلى اليهودية بعد سقوط السامرة. فتأثرت العبرانية بهذه اللغة كما تأثرت كذلك بالفارسية، وأصبح السكان اليهود يتكلمون اللغتين العبرانية والآرامية في أغراض الحياة اليومية واستمر هذا الوضع أجيالا انتهت بتغلب الآرامية.
اللغة العبرية بدأت على شكل لهجة، ثم أخذت شكل اللغة بعد نزول التوراة. وقد تعرضت لكثير من التأثيرات نتيجة الأوضاع السياسية في أرض كنعان، ويبقى السبي البابلي هو السبب الأكبر الذي أدى إلى ضياع اللغة من لسان اليهود الذين تحولوا إلى الآرامية ليتم استخدام اللغة العبرية كلغة دينية فقط إلى أن أعيد إحياؤها بعد ذلك. ويمكن القول أن اللغة العبرية قد مرت بخمس مراحل مهمة:

مرحلة العبرية القديمة الخالصة

يمكن تسميتها عبرية العهد القديم أو الكلاسيكية، وبرزت في ق10ق.م، طوال فترة الهيكل الأول وهي الفترة التي توحد فيها بنو إسرائيل تحت حكم داود وسليمان عليهما السلام حتى السبي البابلي (586 ق.م) حيث تمتع اليهود بالاستقلال السياسي، وعاشوا في حالة استقرار اجتماعي، وكانت اللغة العبرية التوراتية هي اللغة الرسمية والدينية الشائعة الاستعمال، وكانت تتسم بالنقاء والبعد عن أية تأثيرات أجنبية ودونت بها معظم أسفار العهد القديم.
وفي نفس هذه الفترة قامت مملكة آرام-دمشق التي بدت أول صحوة آرامية قومية وقفت في معارضة سياسية للمملكة العبرية، وتجسد ذلك على ما يبدو عندما أخذت اللغة الآرامية القديمة مكان مثيلتها العبرية، خصوصًا بعد تدمير نبوخذ نصر أورشليم، ونقل الكهنة والنساخ والحرفيين إلى بابل وترك القرويين منهم والذين لم يتمكنوا من العناية باللغة الأدبية الكلاسيكية، وقد استمر النفي 70 سنة تعلم فيها المنفيون الحديث بلغة محيطهم والتي كانت آنذاك هي الآرامية واليونانية في بعض المناطق، فأصبحت اللغة العبرية لغة دين فقط ولم تعد لغة تخاطب وأدب. وقد تأثرت اللغة العبرية بالمصرية القديمة والأكادية و الهيندو-أوروبية.

مرحلة العبرية المشنائية

من القرن 2ق.م إلى 2م وهو العصر الذي تميز بالتفسيرات الدينية التي تمت على نصوص العهد القديم لتقريبها وتوضيحها للعامة. وفي بداية القرن 2م شرع في جمع وتصنيف وتبويب كل التفسيرات الدينية الشفهية، فتمت التلمود بلغة مختلفة عن عبرية العهد القديم، حيث ظهر فيها التأثر باللغة الآرامية كما احتوت ألفاظًا من اللغة العربية واليونانية والفارسية. والاسم الذي يطلقه التلمود على لغة المشنا هو لغة الحكماء لأنها اقتصرت على الحكماء في المدارس بينما لم تكن عامة الشعب بحاجة إليها، لأنها كانت تستخدم الآرامية. وباستثناء التأثير الآرامي فان هذه اللغة مليئة بالعديد من الكلمات المستعارة من اللغات الأخرى سواء السامية أو الهيندو-أوروبية، حيث كان اليهود على اتصال بهم. ليتوقف بعد ذلك استخدام اللغة في الحديث أواخر هذا القرن وبقيت لفترة طويلة لغة للصلاة وقراءة العهد القديم والتلمود.

مرحلة عبرية العصر الوسيط

   من القرن 7م حتى 18م، حيث كانت مكانة العبرية بين اليهود في هذه الفترة مثلما كانت اللاتينية بين المسيحيين في غرب أوروبا، واليونانية بين المسيحيين الشرقيين والعربية الكلاسيكية بين المسلمين أو السنسكريتية في الهند، وقد خدمت كل واحدة من هذه اللغات الأغراض الكتابية فكان معتادًا بين اليهود الكتابة بالعبرية ولكن الحديث بلغات مختلفة تبعًا للبلد الذي يعيشون فيه، فبقيت اللغة المقدسة ولغة الحديث اليومي منفصلتين.

العبرية الحديثة

وبرزت في القرن 18م على يد حركة تنويرية أوروبية دعت اليهود إلى الحداثة ومراجعة دياناتهم وعاداتهم وفق معايير حديثة وإنسانية، وقد أطلقت على نفسها اسم (الهسكالا) فأنتجوا في الفلسفة والنحو والتاريخ والعلوم اللاهوتية بلغة الحقبة التوراتية وجمالها وصفائها واستقلالها القومي، الشيء الذي زاد في إغناء الثروة اللغوية العبرية بخلق مصطلحات جديدة لم تكن موجودة سابقًا.
تأسس بعد ذلك المجمع اللغوي عام 1889 بواسطة مجموعة من المثقفين في القدس على رأسهم اليعازار بن يهودا، حيث وضع أمامه هدفين أساسيين هما تحديد مصطلحات في المادة التعليمية المختلفة في المدارس وفي المجالات العلمية والحياة العملية، وطريقة النطق الصحيحة والكتابة والمشكلات النحوية. وفي سنة 1904 تم توحيد النطق والكتابة باعتماد النطق السفاردي الشرقي.

العبرية المعاصرة

بعد الجهود الحثيثة في إحياء اللغة العبرية بوصفها لغة حديث وبعد الهجرة الثانية من شرق أوروبا في أوائل ق20 نحو فلسطين لشباب مشبعين بالتعاليم القومية، تم خلق واشتقاق كلمات جديدة لتوسيع اللغة. وقد لوحظ استعارة الكلمات من اللغات الأجنبية وعبرنتها حيث يظهر تأثير اللغات الأجنبية واضحًا في العبرية بشكل خاص، ولوحظ هذا التأثر باللغة الروسية واللغة الإنجليزية واللغة العربية.

ظلت اللغة العبرية حبيسة الطقوس الدينية لفترات طويلة بسبب حالة الشتات والتوتر الذي ساد الماضي اليهودي. وحتى بعد قيامهم بإنشاء وطنهم القومي في دولة فلسطين لا يزال الشعب اليهودي يعيش ازدواجية لغوية وثقافية.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد